تعيش منطقتنا العربية منذ ٢٠١١ تصدعا وتفككا وحروبا أهلية في دول عربية مهمة، كما شهدنا ذلك في سوريا والعراق واليمن وليبيا، سيطرة المليشيات والتي تقدم نفسها أنها راعية الدين والمذاهب للأسف وجدت لها في عالمنا الدعم والانضواء من شعوب هذه الدول، والنتيجة كارثية في أغلب الأحيان، فهذه المليشيات التي قفزت على الدعوة واحتلت مكانتها لم تستطع أن تتصرف وتعمل بكافة الأوجه كما يفترض أن تكون عليه الدولة المدنية الحديثة التي تخدم شعوبها في برامج تنموية حقيقة، ومواطنة حقيقة لشعوبها بعيدا عن الاعتبارات الدينية والمذهبية والجهوية مثلاً، فدولة واحدة مثلا قبل ما يسمى بالربيع العربي كانت آمنة ومستقرة رغم الشكل الشمولي فيها ولكنها على الأقل تعتبر دولة مسؤولة عن تصرفاتها أمام المجتمع الدولي، الآن أصبح لها حكومتان وأرضها مفتوحة لمليشيات السلاح ومصالح الدول الكبرى، أما شعب تلك الدولة فهو يدفع ثمن سيطرة المليشيات الدينية التي تتقاتل بينها على المناصب والأموال وما رفعته من شعارات سياسية مغلفة بالعواطف الدينية في الماضي فقد تلاشت تلك الوعود. والغريب أن تجد من يدافع عن هذه التجارب السياسية البائسة، في اليمن والذي عاش حالة من الاعتصامات الجماهيرية في مرحلة الربيع العربي، وكان للشباب هناك دور في المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ظل حكومة وطنية قوية حافظت على استقراره لعقود، أتت هذه التيارات السياسية وكان أخطرها الحركة الحوثية والتي رفعت شعارات المظلومية وصدقها الشباب هناك والنتيجة هي النزول من الكهوف من مرتفعات صعدة والاستيلاء على الدولة الوطنية واستأثرت بالسلطة رغم الموافقة على المبادرات الوطنية والخليجية للخروج باليمن من شبح الحرب الاهلية، وعود الحركة الحوثية كانت نوعا من التقية السياسية مغلفة بفكر ديني ماضوي، لفئة سلالية دينية ونحن في القرن الواحد والعشرين، سلوك هذه الجماعة نشهده اليوم بعد أن استغلت الهدن ومحاولة الدول المجاورة للوصول إلى حلول في تقوية ترسانتها العسكرية، وما نشهده من هجماتها الصاروخية على المصالح المدنية في المملكة له دليل على إفلاس هذه الحركة من الفكر السياسي الذي يحرك الدول وليس الجماعات المليشاوية والتي تقترب من سلوك حركات المافيا الإجرامية، لا تهتم بقتل وإصابة المدنيين في أعمالها الإجرامية. أتوقع أن هذا التهور والانفلات الحوثي له دلالات عديدة قد تكون عكس ما تدعيه من قوة حقيقية، فالإشكالية هنا أن هذه الجماعات تغسل عقول أتباعها وهي بالحقيقة لا تهتم بمصيرهم في ساحات القتال، فقط متابعة سريعة للأسري من أنصار هذه الجماعة وأغلبيتهم من الأطفال لنعرف كيف تفكر قيادتهم وماذا تعني حياة الإنسان عندهم، فالكل فداء للسيد المختبئ في كهوف صعدة. كشف وتفكيك هذا الفكر الظلامي المغلف بخطاب ديني مهم جدا وخاصة في برامج الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل دقيق وموضوعي، فالإنسان في اي مكان يريد تعليم وخدمات صحية ودولة مدنية ترعى حقوقه بعيدا عن أي اعتبارات دينية أو سياسية أو ثقافية، وهذا بعيد عن الواقع في مناطق سيطرة المليشيات.