لم يكن يبحث عن بطولة، ولا عن موقع أو منصب، بل عن لقمة تسد جوع أطفاله، وكرامة تحفظ ما تبقى من إنسانيته. وحين ضاق به القهر، وبلغ الجوع منه مبلغاً لم يعد يحتمل معه الصمت، خرج عاقل أو عمدة حارة السلام في مدينة رداع بمحافظة البيضاء اليمنية، سليم عبدالقوي عبدالله الشنعي، في تسجيلات مصورة، ليطلق صرخة موجعة من قلب مناطق سيطرة المليشيا الحوثية، كاشفاً عن معاناة إنسانية قاسية، وموجهاً اتهامات مباشرة لزعيم المليشيا عبدالملك الحوثي بالظلم والفساد وتجويع اليمنيين وإذلال شيوخ القبائل.
«أريد أن أموت».. صرخة رجل أنهكه القهر
بصوت يختنق بالوجع، وكلمات تتدفق من قلب أثقله الجوع والقهر، خاطب الشنعي زعيم المليشيا قائلاً: «اسمع يا حوثي، يا ظالم، يا فاسد.. أنا أريد أموت بعد دقيقة واحدة»، في تعبير صادم عن حجم اليأس الذي بلغه، بعدما قال إن المليشيا سلبته كرامته ومكانته الاجتماعية، حتى أصبح، رغم كونه عمدة حارة، لا يساوي شيئاً.
ولم يتردد الشنعي في وصف عبدالملك الحوثي بأنه «أكبر كذاب وفاسد في الدنيا»، مؤكداً أنه لم يعد يخشى الموت، بعدما وصل به الصبر إلى منتهاه.
نساء يبحثن عن الطعام في براميل القمامة
ولعل أكثر ما حملته تسجيلات الشنعي إيلاماً، حديثه عن نساء يمنيات دفعهن الجوع إلى البحث عن الطعام داخل براميل القمامة، في مشهد قال إنه لم يعد يحتمل السكوت عنه.
وناشد اليمنيين الأحرار أن يستشعروا حجم المأساة التي تعيشها النساء والأسر الجائعة، مؤكداً أنه لم يخرج ليتحدث عن معاناته الشخصية فحسب، بل دفاعاً عن كل يمني أنهكه الجوع، وكل امرأة اضطرتها الحاجة إلى البحث عن لقمة عيش بين النفايات.
أطفالي جائعون.. والصبر بلغ الحلقوم
ولم يكن الجوع بالنسبة إلى الشنعي حكاية يسمعها عن الآخرين، بل وجعاً يعيشه داخل منزله؛ إذ كشف أن أبناءه يتضورون جوعاً، وأنه ظل يصبر على ظروفه القاسية حتى «بلغ الصبر الحلقوم»، على حد تعبيره.
وقال إنه أصبح يعاني الدوار من شدة الجوع، موضحاً أن الضيق والحاجة هما ما دفعاه إلى الخروج والتحدث علناً، مهما كانت العواقب، ومهما تعرض له من اتهامات أو إساءات.
«لسنا عبيداً».. اليمنيون وُلدوا أحراراً
وفي مواجهة مباشرة مع زعيم المليشيا، اتهم الشنعي الحوثيين بمصادرة رواتب المعلمين وتحويلهم إلى تابعين، مؤكداً أن اليمنيين ليسوا عبيداً لأحد، وأن الشعب اليمني وُلد حراً في أرض الإيمان والحكمة.
واستنكر ما وصفه بإذلال الشخصيات الاجتماعية وشيوخ القبائل وإهانة مكانتهم، معتبراً أن المليشيا لم تكتفِ بتجويع الناس، بل امتدت ممارساتها، بحسب اتهاماته، إلى النيل من كرامتهم ومكانتهم الاجتماعية.
ودعا الشنعي إلى «ثورة جياع»، في تعبير عن غضبه من الأوضاع المعيشية التي وصفها، مؤكداً أن الجوع والقهر لم يعودا يُحتملان.
«اقتلني بعد ربع ساعة».. كلمة حق لا تخشى الموت
وبنبرة تحدٍّ، وجّه الشنعي رسالة مباشرة إلى عبدالملك الحوثي قائلاً: «لن أسكت لك يا عبدالملك الحوثي، ولو تقتلني بعد ربع ساعة أو ساعة، يكفيني أني تحدثت بكلمة الحق، وأنا إنسان حر وشريف».
وانتقد الشنعي ظهور زعيم المليشيا عبر الشاشات، متسائلاً باستنكار عن حاكم يدير شؤون الناس من خلف شاشة، بينما يعاني المواطنون الجوع والفقر.
واختتم رسائله بالتأكيد أنه مستعد لتحمل عواقب حديثه، وأنه لن يتراجع عن الدفاع عن اليمنيين والمعلمين والمحرومين، مردداً أنه لن يموت إلا حراً وشريفاً.
وخلص الشنعي في تسجيلاته إلى كشف مأساة إنسان يرى أطفاله جائعين، ونساء بلاده يبحثن عن الطعام في القمامة، وكرامة مجتمعه تُهان، فلم يجد أمامه سوى صوته ليواجه به الخوف والصمت.