عندما أعود بذاكرتي إلى الصف الأول الابتدائي، واسترجع أيام الطفولة، يرتسم في خاطري شريط من الذكريات المتصل بالمشاعر البريئة والشفافة التي لا تزال تنبض بالحياة، عندها كنت طفلا صغيرا يستيقظ كل صباح بحماس ومحبة ينظر نحو مدرسته بلهفة المنتظر، واجتماع الزملاء على وجبة إفطار فاخرة ومتنوعة، كانت إضافة نوعية وقتها تبنتها إدارة التغذية المدرسية، وتتألف من الحليب والعصير والبسكويت مع الجبن واللوز السوداني والمنديل المعطر، وأصناف عدة تناسب مختلف الفئات العمرية والفصول الدراسية.
منها انغرس في الوجدان عناية حكومتنا الرشيدة، بشعبها منذ الطفولة، وتركت في وجداني أثرا طيبا يمتد مع السنين.
وبما أنني من ذلك الجيل الذي عاش وعايش وقفات وطننا مع الشعوب الشقيقة والصديقة، من الجزائر إلى مصر وفلسطين؛ فلا يمكن أن أنسى ما أتيح لنا من الإسهام ولو بريال واحد؛ لغرس قيم تربوية عملياً، وكانت بواكير العطاء الممتد الذي أصّل فينا معاني الإنسانية؛ وأدرك تماما كيف غدت تلك اللحظات البسيطة في ظاهرها العميق وفي جوهرها أولى دروس المحبة والانتماء والوفاء في نفوسنا.
إن تجارب سنوات دراستنا الأولى لم تكن مجرد ذكريات عابرة من أيام الطفولة بل كانت شواهد حية على القيمة العظمى التي قامت عليها المملكة العربية السعودية منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، وهي أن الإنسان هو المحور الأساسي للرعاية والاهتمام، وأن العطاء السعودي ينبع من سجية أصيلة تشمل أبناء الوطن في الداخل وتمتد شواهدها الإيمانية والإنسانية لنصرة الأشقاء وإغاثة المنكوبين في كل بقاع الأرض دون تفريق لتصبح السعودية عبر تاريخها المجيد منارة للعدل والمساواة ومركزا يشار له بالبنان في العمل الإنساني العالمي.
واليوم ونحن نرى هذا الغراس الميمون يؤتي أكله تتواصل مسيرة العطاء والرفعة بخطى ثابتة ورؤية نافذة تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، إذ تشهد المملكة نهضة شاملة على كافة الأصعدة والمجالات جعلت من وطننا أنموذجا عالميا فريدا يجمع بين التطور الاقتصادي والتكنولوجي الهائل وبين الأصالة والتمسك بالقيم الإسلامية والرعاية الفائقة لضيوف الرحمن وحجاج بيت الله الحرام وخدمة الحرمين الشريفين بأعلى درجات الإتقان والتميز.
إن الدعم الذي تنعم به المدارس والأجيال اليوم والدور القيادي الذي تتسنمه المملكة في لم الشمل العربي والإسلامي ومد يد العون للشعوب المتضررة عبر المؤسسات الإنسانية الوطنية يمثل امتدادا طبيعيا لذلك النهج المبارك الذي نشأنا عليه صغارا ليبقى هذا الوطن العظيم تحت قيادته الحكيمة موطنا للخير والأمل ومصدر فخر واعتزاز لكل من ينتمي لترابه الطاهر.