في السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي، تبدو الرقائق والنماذج المتقدمة وكأنها الجائزة الكبرى. لكن خلف هذا السباق التقني سباق آخر أقل ظهورًا، وهو السباق على الكهرباء.
فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ. خلف النماذج والتطبيقات مراكز بيانات تحتاج إلى الكهرباء والتبريد والشبكات والبنية التحتية القادرة على استيعاب نموها. ولذلك لا يكفي امتلاك أحدث الرقائق، فهذه القدرات تحتاج أولًا إلى الطاقة التي تجعلها تعمل.
ومن هنا يظهر سؤال مهم: هل يمكن أن تتحول منظومة الطاقة في السعودية من مجرد وسيلة لتشغيل الاقتصاد الرقمي إلى إحدى مزاياها التنافسية؟
الأرقام تكشف حجم التحول. فوفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، بلغ استهلاك مراكز البيانات من الكهرباء عالميًا نحو 485 تيراواط ساعة في 2025، وقد يقترب من 950 تيراواط ساعة بحلول 2030.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن مراكز البيانات ستبتلع كهرباء العالم، إذ قد تمثل نحو 3% من الطلب العالمي على الكهرباء في 2030.
لكن المفارقة أن الرقم العالمي لا يحكي القصة كاملة. فمراكز البيانات تتركز في مواقع محددة، ولذلك قد تكون حصتها من الطلب العالمي محدودة، بينما يكون تأثيرها كبيرًا على شبكة كهربائية محلية بعينها.
وهنا يتغير شكل المنافسة. فالسؤال لم يعد فقط: من يملك أفضل الرقائق؟ ومن يطور النموذج الأكثر تقدمًا؟ بل أيضًا: من يستطيع توفير الكهرباء؟ ومن يملك شبكة قادرة على استيعاب الأحمال الجديدة؟ ومن يستطيع ربط مراكز البيانات بسرعة وموثوقية وتكلفة تنافسية؟
هذا التقاطع بين البنية الرقمية والطاقة لم يعد مجرد نقاش نظري في المملكة.
ففي الأول من سبتمبر 2026، أعلنت «السعودية للطاقة» ثلاث اتفاقيات مرتبطة بالبنية التحتية لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. من بينها اتفاقية بين الشركة الوطنية لنقل الكهرباء و«هيوماين» لإيصال الخدمة الكهربائية إلى مشروع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في سعد بمدينة الرياض.
كما شملت الاتفاقيات شراكات مرتبطة بمشاريع مراكز البيانات والبنية التحتية المستقبلية للطاقة وحلول الطاقة المرتبطة بها.
المهم هنا ليس عدد الاتفاقيات، بل ما تعكسه: فالبنية الرقمية والبنية الكهربائية بدأتا تلتقيان في المشروع نفسه.
فمركز البيانات الذي يبدو مشروعًا تقنيًا هو، من زاوية أخرى، مشروع يحتاج إلى قدرة كهربائية وشبكات وربط وموثوقية.
لكن امتلاك موارد الطاقة لا يعني تلقائيًا امتلاك ميزة تنافسية. فمركز البيانات لا يعمل بالنفط الموجود تحت الأرض، بل يحتاج إلى منظومة تستطيع تحويل موارد الطاقة إلى كهرباء متاحة في المكان والوقت المطلوبين، عبر التوليد والنقل والشبكات والربط.
ولهذا فإن الفرصة السعودية لا تكمن في كون المملكة دولة طاقة فقط، وإنما في قدرتها على تحويل منظومة الطاقة إلى عامل تمكين للاقتصاد الرقمي.
وحتى ذلك ليس كافيًا، فالهدف ليس بناء مراكز بيانات تستهلك المزيد من الكهرباء، وإنما القيمة الاقتصادية التي يمكن إنتاجها من هذه البنية التحتية.
فإذا ارتبط توسع مراكز البيانات بتطوير البرمجيات والتطبيقات الصناعية والخدمات الرقمية والبحث والتطوير ونمو الشركات والقدرات المحلية، يمكن عندها أن تتحول الطاقة من مجرد تكلفة لتشغيل الذكاء الاصطناعي إلى عنصر يساعد على جذب استثماراته وبناء اقتصاده.
وفي سباق الذكاء الاصطناعي، ستظل الرقائق والنماذج الجزء الأكثر لمعانًا، لكن خلفها تعمل منظومة أقل ظهورًا من الكهرباء والشبكات والبنية التحتية.
وهنا قد تكون أمام السعودية فرصة مختلفة: وهي ألا تكون الطاقة مجرد وقود للاقتصاد الرقمي، بل إحدى أدوات المنافسة فيه.
فالطاقة وحدها لا تضمن الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي، لكن من الصعب أصلًا دخول السباق من دونها.
هل تصبح الطاقة ورقة السعودية في سباق الذكاء الاصطناعي؟
كتاب ومقالات