قبل أكثر من نصف قرن، بدأت المملكة مبكرًا في إطلاق برامج مؤسسية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها؛ ففي عام 1394هـ صدر التوجيه الكريم بإنشاء معهد اللغة العربية في جامعة الملك سعود، وظهرت في الفترة نفسها تقريبًا برامج مماثلة في جامعات سعودية أخرى، من بينها أم القرى والجامعة الإسلامية، ثم تلتها الجامعات الأخرى الإمام والملك عبد العزيز، وغيرها. وكانت تلك المبادرات متقدمة في زمنها، وأدت على مدى عقود رسالة علمية وثقافية مهمة، في تعليم العربية ونشرها، واستضافة آلاف الدارسين من أنحاء العالم.


لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم، بعد أكثر من خمسين عامًا، هو: هل تطورَ نموذج تعليم العربية لدينا بالقدر نفسه الذي تطور به اقتصاد تعليم اللغات عالميًا؟ فقد ظل جانب كبير من البرامج العربية مرتبطًا بالنموذج الجامعي التقليدي: برامج تمتد لفصول دراسية طويلة، وتقويم أكاديمي تحكمه الإجازات الجامعية والانقطاع الصيفي، وارتباط بالمنح والاستضافة والرعاية أكثر من ارتباطه بمنتجات مرنة وسوق تنافسية ونموذج أعمال قابل للتوسع والتصدير دوليًا.


وليس في ذلك انتقاص من هذه البرامج أو من رسالتها السامية؛ فهي لم تُنشأ أصلًا لتكون مشروعات استثمارية، وإنما لتحقيق أغراض أكاديمية وثقافية وتعليمية. المشكلة ليست في ما أنجزته تلك المؤسسات، وإنما في أن النموذج الذي صُممت له قبل عقود لم يعد وحده كافيًا لصناعة القرن الحادي والعشرين؛ فالمتعلم تغير، وأدوات التعلم تغيرت، وسوق التعليم الدولي تغير أيضًا، وأصبحت بالتالي السرعة والمرونة والتخصص والتقنية والتجربة الشخصية عناصر أساسية في المنافسة.


وفي السنوات الأخيرة ظهرت في المملكة جهود مهمة خارج الإطار الجامعي التقليدي: اختبارات معيارية، ومنصات رقمية، وبرامج تعليمية حديثة، ومبادرات للانغماس، ومشروعات في المحتوى والتقنيات اللغوية لدى أكثر من جهة. وهي تطورات مهمة، لكنها في مجملها لا تزال أقرب إلى مجموعة مبادرات وبرامج متوازية منها إلى صناعة وطنية ذات سلسلة قيمة واحدة ونموذج أعمال واضح ومنظومة استثمار وتسويق دولية تتحرك بإيقاع سوق اللغات العالمي.


ومن هنا ربما يكون السؤال الحقيقي الذي آن أوان طرحه: هل تنتقل السعودية من مرحلة «برامج تعليم العربية» إلى مرحلة «صناعة تعليم العربية»؟ ففي العالم اليوم، لم تعد صناعة تعليم اللغة تعني معهدًا ومعلمًا وكتابًا فحسب، بل أصبحت سلسلة اقتصادية تبدأ بالتعليم الحضوري وتمتد إلى التعليم الرقمي والهجين، والاختبارات المعيارية، والمناهج والكتب والقواميس، والمنصات والتطبيقات، والذكاء الاصطناعي، وإعداد المعلمين واعتمادهم، والسياحة اللغوية، والتراخيص والامتيازات الدولية. وتشير بعض تقديرات أبحاث السوق اللغوي إلى أن حجم سوق تعليم اللغات عالميًا بلغ نحو 164 مليار دولار في 2026، ورغم اختلاف التقديرات بحسب تعريف السوق، فإن الاتجاه العام واضح المعالم: تعليم اللغات أصبح صناعة عالمية واسعة متعددة المنتجات ومصادر الدخل.


ولعل التجربة البريطانية المثال الأشهر. فالمجلس الثقافي البريطاني لم يبنِ حول الإنجليزية شبكة من الفصول الدراسية فحسب، بل جمع تعليم اللغة والاختبارات والشراكات الدولية والنشاط الثقافي في نموذج تكاملي، يجمع بين القوة الناعمة وتنوع المنتجات، وبالتالي الاستدامة المالية. كما تطورت مؤسسات التقويم والاختبارات إلى صناعات قائمة بذاتها؛ فقد أُجري أكثر من أربعة ملايين اختبار IELTS في عام 2023، وتستقبل منظومة Cambridge English ملايين المتقدمين سنويًا عبر آلاف المراكز حول العالم، وتستخدم نتائجها آلاف الجامعات وأصحاب العمل والجهات المهنية. وما يمكن أن يقال عن الإنجليزية في بريطانيا وتعليمها وتقويمها وتنوع منتجاتها، يمكن أن يقال عن الإنجليزية الأمريكية واسعة الانتشار، والحديث في ذلك يطول.


وبعيدًا عن حظوة الإنجليزية وممكّناتها العديدة التي يعرفها المتخصصون وأصحاب القرار، يقدم اختبار اللغة اليابانية JLPT مثالًا أكثر دلالة على قدرة اختبار اللغة على التحول إلى بنية عالمية؛ فقد بدأ في ثمانينيات القرن الماضي ببضعة آلاف من الممتحنين، ووصل في 2025 إلى نحو 1.9 مليون ممتحن. وحين تكتسب نتيجة الاختبار ثقة الجامعات وأصحاب العمل والجهات المهنية، لا تبقى قيمته في رسوم التسجيل وحدها، بل تنشأ حوله تلقائيًا دورات تحضيرية وكتب ومنصات ومدربون ومراكز اختبار وخدمات اعتماد.


والنشر بدوره جزء مهم من هذه المنظومة. ففي بريطانيا بلغت صادرات النشر التعليمي وحده نحو 440 مليون جنيه إسترليني في 2022، وهو رقم مختلف عن الصادرات التعليمية الأوسع التي تشمل أشكالًا أخرى من الخدمات والأنشطة. والمغزى هنا أن الكتاب والمنهج والقاموس والمحتوى ليست ملحقات هامشية لدروس اللغة، بل منتجات قابلة للتصدير يمكن أن تتحول إلى مصادر دخل مستقلة.


ثم جاءت التقنية لتبدل حدود الصناعة نفسها. فقد تجاوزت، على سبيل المثال وليس الحصر، إيرادات Duolingo مليار دولار في 2025، مع قاعدة ضخمة من المستخدمين حول العالم. وهذه التجربة لا تعني أن نموذجها يمكن نسخه للعربية حرفيًا، لكنها تثبت أن متعلم اللغة لم يعد مرتبطًا بمقعد داخل فصل، وأن المنصة الرقمية يمكن أن تتحول إلى شركة عالمية عندما تجمع المحتوى والتقنية والبيانات والذكاء الاصطناعي والتقويم والاشتراكات في نموذج واحد.


وقد يقال إن الإنجليزية حالة استثنائية لأنها اللغة الأكثر طلبًا عالميًا، لكن التجارب الأخرى ربما تكون أكثر أهمية لنا. ففي التجربة الكورية، استثمرت كوريا الجنوبية الانتشار العالمي لموسيقاها ودراماها وثقافتها المعاصرة في خلق طلب مؤسساتي على لغتها، وتوسعت شبكة معاهد الملك سيجونغ حتى بلغت في أحدث الأرقام 273 معهدًا في 89 دولة. لم تنتظر كوريا أن يزداد الطلب تلقائيًا على اللغة الكورية، بل بنت حول هذا الطلب مؤسسات ومناهج وبرامج وتأهيلًا للمعلمين وربطته بالدراسة والعمل والسفر والثقافة.


أما الصين فتقدم مثالًا شديد الدلالة؛ فالماندرين ليست لغة سهلة بالنسبة لمعظم المتعلمين أو على الأقل هذه هي الصورة النمطية عنها، ومع ذلك لم تتعامل الصين مع صعوبة لغتها بوصفها سببًا للانكفاء. فالتجربة الصينية تقول إن الصين بنت شبكات دولية لتعليم الصينية، وطورت منظومة HSK للاختبارات، وربطت تعلم اللغة بالدراسة والأعمال والحضور الاقتصادي الصيني عالميًا. وتضع بعض تقديرات السوق التجارية حجم سوق تعلم الماندرين عند نحو 37.3 مليار دولار في 2026، مع توقعات تتجاوز 166 مليارًا بحلول 2035. كما أن اختبار الكفاءة في اللغة الصينية (HSK) يستقطب نحو 750 ألف ممتحن سنويًا، وقد تجاوز العدد التراكمي للمتقدمين له 8.5 مليون ممتحن. كما تشير التقديرات إلى أن عدد متعلمي الصينية حول العالم تجاوز 150 مليونًا. وبغض النظر عن تفاوت منهجيات هذه التقديرات، فإن الدلالة الأساسية واضحة: حتى اللغة التي يُنظر إليها باعتبارها صعبة يمكن أن تصبح محور صناعة واسعة عندما توجد وراءها استراتيجية ومؤسسات ومنتجات وطلب اقتصادي.


وتكشف الأرقام أيضًا أن الأمر لم يعد مجرد جهود ثقافية لنشر اللغات، بل منافسة عالمية منظمة على استقطاب المتعلمين. ففي التجربة الإسبانية، بلغ عدد المتقدمين لدبلومات الكفاءة في اللغة الإسبانية (DELE) نحو 143 ألفًا في 95 دولة خلال عام 2025 وحده. وإذا انتقلنا من الاختبارات إلى قاعدة المتعلمين الأوسع، فإن معهد ثربانتس يقدر عدد دارسي الإسبانية كلغة أجنبية عالميًا بأكثر من 24 مليون متعلم. هذه الأرقام لا تعكس انتشار لغة فحسب؛ بل تكشف عن سباق مؤسسي متزايد على جذب المتعلم العالمي، وبناء علاقة طويلة الأمد بينه وبين لغة الدولة وثقافتها وتعليمها واقتصادها.


وهنا تكمن المفارقة السعودية: بدأنا مبكرين في تعليم العربية، لكن الآخرين سبقونا في بناء صناعة حول تعليم لغاتهم. وهذا لا يعني أن المملكة ظلت ساكنة؛ فقد ظهرت مبادرات وبرامج واختبارات ومنصات رقمية مهمة في جامعات ومؤسسات وطنية متعددة، إلا أن الحلقة المفقودة لا تزال في الانتقال من المبادرة إلى السوق، ومن البرنامج إلى المنتج، ومن المشروع المدعوم إلى نموذج أعمال قابل للنمو، ومن الإنجاز المؤسسي المنفرد إلى منظومة اقتصادية مترابطة.


وليس المقصود هنا إلغاء نموذج المنح أو البرامج الجامعية؛ فالمنح ستظل أداة مهمة للقوة الناعمة، والبرامج الأكاديمية ستظل لها وظيفتها العلمية والثقافية. المطلوب هو تطوير ذلك، أو إضافة نموذج آخر يعمل بمنطق مختلف: نموذج استثماري مرن وسريع وقابل للتوسع، يستفيد من الخبرة الأكاديمية لكنه لا يتقيد بإيقاعها، ويصمم منتجاته وفق حاجات المتعلم والسوق.


تمتلك السعودية ميزات يصعب اجتماعها في بلد آخر. فهي ترتبط بالعربية تاريخيًا وثقافيًا ودينيًا، وتستقبل عشرات الملايين من الزوار، وتعيش توسعًا كبيرًا في السياحة والثقافة والترفيه، وتملك اقتصادًا قادرًا على الاستثمار، بالإضافة إلى بنية رقمية متقدمة تحتل المراتب الأولى عالميًا. كما يعيش في المملكة كذلك نحو 15.7 مليون غير سعودي، يمثلون قرابة 44% من السكان. ولا يعني هذا أن هؤلاء جميعًا متعلمون محتملون لبرامج اللغة العربية؛ لأن عددًا منهم من الناطقين بالعربية، لكنه يفترض وجود سوق داخلية ضخمة يمكن تقسيمها بحسب المهنة ومدة الإقامة وطبيعة التواصل والحاجة الوظيفية.


وخارج المملكة توجد دوائر مختلفة من الطلب: دبلوماسيون، وباحثون، وطلاب دراسات عربية وإسلامية وشرق أوسطية، وموظفو شركات دولية تعمل في السعودية، وأطباء ومهنيون، وأبناء جاليات عربية، ومتعلّمون بدوافع دينية وثقافية، وسياح يرغبون في تجربة مختلفة. ولذلك ينبغي ألا يكون السؤال الاستثماري: كم شخصًا في العالم يحب العربية؟ بل: من يحتاج العربية؟ ولماذا؟ وكم يستعد للدفع؟ وما المنتج الذي يناسبه؟


وهنا تظهر مشكلة النموذج الواحد. فالمتعلم الدولي اليوم لا يفكر بالضرورة بمنطق عامين دراسيين أو أربعة فصول جامعية. قد يكون موظفًا لديه ثلاثة أسابيع، أو دبلوماسيًا لديه ثلاثة أشهر، أو طالبًا يستطيع تخصيص فصل واحد، أو مديرًا تنفيذيًا يريد خمسين ساعة مكثفة، أو متعلمًا يبدأ رقميًا في بلده ثم يأتي إلى المملكة لشهر من الانغماس وتجربة التواصل بالعربية. ولهذا لا يمكن أن تكون الإجابة دائمًا برنامجًا أكاديميًا طويلًا محكومًا بتقويم الجامعة وإجازاتها.


الصناعة تحتاج إلى منتجات زمنية مرنة: أسبوعان، وشهر، وثمانية أسابيع، وفصل مكثف، وستة أشهر، وسنة، مع مسارات حضورية وعن بُعد وهجينة، وبرامج صباحية ومسائية، ومنتجات للأفراد والشركات والجهات الحكومية. كما تحتاج إلى التخصص بحسب الغرض: العربية للأعمال، والعربية الصحية، والعربية للدبلوماسيين، والعربية للإعلام، والعربية للسياحة والضيافة، والعربية للأغراض الدينية، والعربية للباحثين، والعربية الوظيفية للعاملين في الخدمات، والجهات والشركات المختلفة.


هنا يظهر الفرق بين البرنامج الأكاديمي والصناعة: البرنامج يطلب من المتعلم أن يتكيف مع المؤسسة، أما الصناعة فتصمم المنتج حول حاجة المتعلم. ولعل السياحة اللغوية واحدة من أكثر الفرص ملاءمة للمملكة. ففي التجربة المالطية، استقبلت مالطا في 2025 أكثر من 76 ألف طالب أجنبي في مدارس تعليم الإنجليزية. والمغزى الاقتصادي ليس عدد الطلاب وحده؛ فطالب اللغة المقيم أسابيع أو أشهرًا يدفع للسكن والطعام والنقل والتجزئة والترفيه والسياحة طوال وجوده، ولذلك تصبح مدة إقامته وإنفاقه أهم من مجرد رقم أعداد المسجلين.


ويمكن للسعودية أن تقدم في هذا المجال منتجًا لا يستطيع كثير من المنافسين تقليده. ماذا لو جاء المتعلم لستة أشهر في رحلة تعلم العربية، لكنه لم يقضها كلها داخل مبنى واحد أو مدينة واحدة؟ يبدأ في الرياض بالعربية المعاصرة ولغة الحياة والأعمال، ثم ينتقل في مراحل من برنامجه إلى جدة أو المدينة المنورة، ومنها إلى العلا أو عسير أو الأحساء أو القصيم أو جازان بحسب أهداف البرنامج. عندها يصبح التنوع الجغرافي والثقافي والتراثي السعودي جزءًا من المنهج نفسه، ويتحول طالب اللغة إلى سائح طويل الإقامة، ويعيش تجربة سعودية متكاملة.


لكن الصناعة الحقيقية لا ينبغي أن تتوقف عند استقطاب المتعلم إلى المملكة. فالمنهج الذي يُدرّس داخل المعهد يمكن أن يباع في عشرات الدول، والكتاب يمكن أن يصبح ورقيًا ورقميًا وتفاعليًا، والقاموس تطبيقًا، والاختبار يقدّم في مئات المراكز، والمنصة الرقمية تخدم الملايين، وبرنامج إعداد المعلمين يصبح شهادة مهنية دولية، والعلامة السعودية نفسها يمكن أن تمنح امتيازًا تعليميًا لمراكز خارج المملكة.


وبذلك لا يكون النجاح فقط أن يأتي الطالب إلى الرياض ليتعلم العربية، بل أن يستطيع شخص في جاكرتا أو سيول أو نيويورك أن يتعلمها بمنتج سعودي: بمنهج سعودي، أو منصة سعودية، أو معلم يحمل اعتمادًا سعوديًا، أو اختبار كفاءة سعودي. وهذا هو الانتقال من تصدير خدمة تعليمية إلى تصدير منتج ومعيار وملكية فكرية.


وإضافة إلى البرامج اللغوية السعودية القائمة، تملك المملكة بالفعل اختبارات معيارية ومبادرات تقويمية يمكن البناء عليها، لكن الدرس العالمي هنا مهم: الاختبار لن يصبح أصلًا اقتصاديًا لأنه موجود أو لأن الجهة المنتجة له تعلن جودته. قيمته الحقيقية تبدأ عندما تثق به جهة ثالثة وتبني قرارًا عليه: جامعة تقبل الطالب، أو جهة مهنية تمنح ترخيصًا، أو صاحب عمل يستخدمه في التوظيف. وحينها فقط تنشأ حوله صناعة الكتب والدورات التحضيرية والمدربين والمنصات ومراكز الاختبار.


وهذا يقود إلى رأس المال البشري. فإذا توسعت الصناعة، فسوف تحتاج إلى معلمي العربية، ومصممي المناهج والاختبارات، والمصممين التعليميين، ومطوري المحتوى، والمتخصصين في التقنيات والذكاء الاصطناعي، والمرشدين الثقافيين والسياحيين. وفي المملكة متخصصون في اللسانيات التطبيقية وتعليم العربية، إلى جانب أعداد كبيرة من خريجي أقسام اللغة العربية من الجنسين يمكن أن يدخلوا هذه السوق إذا وجد المسار المهني الصحي، وهذا بدوره سيسهم في خلق الكثير من الفرص الوظيفية.


ومن هنا تبرز فرصة لإنشاء شهادة مهنية سعودية دولية لإعداد معلمي العربية للناطقين بغيرها، تقوم على تدريب تطبيقي صارم وملاحظة صفية وتقويم حقيقي، وتصبح بمرور الوقت معيارًا مهنيًا للتوظيف كما هو الحال في شهادات معروفة في تعليم الإنجليزية. وحينها لا نصدر معلم العربية فحسب، بل نصدر معيار تأهيله أيضًا.


ويبقى سؤال السياسة اللغوية، وهو أكثر أجزاء الفكرة حساسية. فإذا استطاع بعض المقيمين أن يعملوا ويعيشوا سنوات في المملكة دون حاجة حقيقية إلى قدر مناسب من العربية، فما الحافز المهني الذي يدفع إلى تعلمها؟ لكن الإجابة لا ينبغي أن تكون في إلزام الجميع بمستوى واحد؛ فذلك قد يكون غير عملي وقد يضر بمرونة سوق العمل واستقطاب الكفاءات.


السؤال الأكثر اتزانًا هو: هل حان الوقت لدراسة سياسة لغوية وطنية متدرجة تربط مستوى وظيفيًا مناسبًا من العربية ببعض المهن التي يكون التواصل فيها جزءًا من السلامة أو جودة الخدمة؟ فالطبيب والممرض وموظف خدمة العملاء والعامل في الضيافة يختلفون عن المستثمر أو الخبير التقني أو المدير الدولي. وأي متطلب ينبغي أن يكون وظيفيًا ومتدرجًا ومتناسبًا مع الحاجة، على أن تكون المصلحة العامة هي المبرر، والحقيقة أن الكثير من دول العالم لا تمكن الموظف الأجنبي من العمل فيها إلا بعد حصوله على حد معين من الكفاية اللغوية يمكن من التواصل السليم.


ولعلنا في ختام هذا التصور، نصل إلى السؤال المؤسسي: من سيقود هذه الصناعة؟ ما الكيان الوطني الأنسب لقيادة صناعة تعليم العربية عالميًا؟ قد يكون شركة وطنية متخصصة، أو شراكة عامة-خاصة، أو نموذجًا هجينًا يجمع جهة معيارية وثقافية بذراع استثمارية وتجارية، وتتقاطع فيه أدوار الصناديق والجهات الثقافية والتعليمية والسياحية والاستثمارية والقطاع الخاص. فالهدف ليس أن تدير جهة سيادية فصول اللغة، وإنما أن توجد جهة ترى سلسلة القيمة كاملة: التعليم، والمنصات، والاختبارات، والنشر، وإعداد المعلمين، والتقنية، والسياحة اللغوية، والامتيازات الدولية والاستثمار. وبعبارة مختصرة: المطلوب ليس معهدًا جديدًا، بل صناعة.


وقد تكون البداية أبسط وأقل كلفة مما يبدو. قبل ضخ الاستثمارات الكبرى، تحتاج المملكة إلى دراسة سوق عالمية مستقلة تحدد من يتعلم العربية، وأين، ولماذا، وكم يدفع، وما المنتجات التي يشتريها، وما الأسواق الأعلى قدرة على النمو. كما يمكن إنشاء مرصد عالمي لاقتصاد اللغة العربية يصدر تقريرًا سنويًا يرصد أعداد المتعلمين والمعلمين والمؤسسات والأسعار والاختبارات والمنصات والتقنيات وحركة الطلاب، ويصبح مرجعًا عالميًا لصناعة لا تزال بياناتها مشتتة.


لقد بنت بريطانيا حول لغتها منظومات للتعليم والنشر والاختبارات، وحولت مالطا متعلم اللغة إلى سائح طويل الإقامة، واستثمرت كوريا ثقافتها في نشر لغتها، وبنت الصين رغم صعوبة الماندرين شبكات عالمية للتعليم والاختبارات. أما السعودية فتملك في العربية شيئًا لا تستطيع أي دولة أن تستورده أو تصنع نسخة منه: المكان، واللغة، والتاريخ، والثقافة، والمكانة الروحية، مجتمعة في بلد واحد.


والسؤال الملح الآن: كيف نحوّل خبرة أكثر من نصف قرن في تعليم العربية إلى صناعة سعودية عالمية؛ يأتي المتعلم إلى المملكة من أجلها، ويشتري العالم مناهجها وتقنياتها واختباراتها، ويتأهل المعلم وفق معاييرها، وتصبح السعودية الوجهة الأولى لمن يريد أن يتعلم العربية أو يعلّمها أو يقيس الكفاءة فيها؟ لقد أمضينا عقودًا ننظر إلى تعليم العربية بوصفه رسالة تستحق أن ننفق عليها. ولعل المرحلة المقبلة تستحق أن نراه أيضًا بوصفه أصلًا وطنيًا نستثمر فيه، وصناعة نصدرها، وقوة ناعمة يعود أثرها الثقافي والاقتصادي إلى المملكة والعالم.