تضج منصات التواصل الاجتماعي بتحديات خطرة يقلدها الأطفال والمراهقون دون إدراك العواقب، ما يسبّب مشكلات صحية خطيرة، أو يهدّد حياتهم بالوفاة أو الإصابات الخطيرة.
وسجلت الأجهزة المختصة في دول عدة حالات أفضت إلى الموت، وانتهت التحقيقات إلى أن أسباب الحالات هي قتل النفس عبر تحديات قاتلة، وأطلقت الحكومات تنبيهات للأسر من خطورة تقليد المراهقين لما يُعرف بـ«الترند»، وهي تحديات قاتلة منتشرة على منصات التواصل. ونبّهت إلى أنها تتضمن سلوكيات وممارسات خطيرة بين الأطفال والمراهقين، تشكّل خطراً مباشراً على حياتهم، منها تحدي «كسر الجمجمة»، و«الخنق»، و«كتم النفس»، وغيرها من الممارسات المتهورة والقاتلة.
الموت.. شبعاً
صحيفة «بلومبرغ بيزنيس ويك» أشارت إلى أن الأطفال أصبحوا ضحايا تحديات منصات التواصل الاجتماعي، ولقي 20 طفلاً حتفهم خلال 18 شهراً الماضية، وشهدت الأشهر الثمانية الماضية وفاة أربعة من مشاهير التواصل الاجتماعي بسبب تحدي Mukbang، الذي يعتمد على تصوير الأشخاص أثناء تناولهم كميات هائلة من الطعام بهدف كسب المشاهدات. وMukbang مصطلح كوري جنوبي بدأ عام 2010م، ويعني «بث الأكل»، إذ يقوم المشاركون بتناول وجبات ضخمة أمام الكاميرا، وانتشر لاحقاً ليصبح ظاهرة عالمية، وحذّر الأطباء ممّا يسبّبه من خطورة على القلب والأوعية الدموية، أمراض عدة أخرى في المعدة والمريء والوزن.
الخنق حتى الإغماء
كشف مختصون في مجال الشبكة العنكبوتية عدداً من التحديات القاتلة على المراهقين والأطفال، منها تحدي التعتيم الذي يشجع المستخدم على خنق نفسه حتى الإغماء، ونتج عنه وفاة طفلتين شاركتا في التحدي ذاته السنة الماضية، إحداهما تبلغ ثماني سنوات في تكساس، وأخرى في سنتها التاسعة في ولاية ويسكونسن. كما تسبّب هذا التحدي المميت في وفاة عدد من الأطفال حول العالم، ففي أبريل من 2021م، توفي صبي بعد مشاركته في تحدي التعتيم، كما توفي آخر يبلغ من العمر 12 عاماً في كولورادو، كذلك انتحرت طفلة عمرها 10 أعوام في إيطاليا.
الموت في الخزان
لم تتوقف تلك التحديات القاتلة عند هذا الحد، وشهد الأسبوع الماضي وفاة شاب غرقاً داخل خزان مياه ضيق، أثناء بث مباشر عبر تيك توك، في واقعة مأساوية أثارت صدمة واسعة بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وتداول مستخدمون مقطع فيديو يوثق اللحظات التي سبقت الحادثة، إذ أقدم الشاب على دخول خزان المياه أثناء بثه المباشر أمام متابعيه، وأظهر المقطع دخول رأس الشاب وجزء من جسده إلى داخل الخزان، قبل أن يجد نفسه عالقاً في مساحة ضيقة حالت دون قدرته على الالتفاف أو الخروج بالطريقة التي دخل بها، وحاول الشاب الخروج من الخزان، إلا أن ضيق المساحة وصعوبة الحركة أعاقا محاولاته، بينما استمر البث المباشر أمام عدد من المتابعين، قبل أن تنتهي الواقعة بوفاته غرقاً داخل الخزان.
وأثارت الحادثة موجة من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تحذيرات من الإقدام على تحديات أو مغامرات خطرة بهدف تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة أو جذب الانتباه.
وفي حادثة أخرى، توفي المؤثر الفرنسي رافاييل غرافين (المعروف باسم «جان بورمانوف») عن عمر يناهز 46 عاماً، إثر تعرضه لتحدي تعذيب وعنف واستحمام قاسٍ وحرمان من النوم لمدة 10 أيام متواصلة (حوالى 300 ساعة) خلال بث مباشر على منصة تواصل.
بعيداً في الغرف المغلقة
حذّر خبير الأدلة الجنائية العميد المتقاعد صالح زويد الغامدي، من تلك التحديات الخطرة التي تغص بها منصات التواصل الاجتماعي، والتي لا تتنبّه لها الأسر البعيدة عن بث أبنائها داخل غرف مغلقة ولا يعرفون ما يدور بداخلها. وأوضح أن من أبرز تلك التحديات المنتشرة بين فئة الأطفال والمراهقين على منصات التواصل هي كسر الجمجمة والخنق وكتم النفس، وجميعها خطرة وقاتلة، للأسف يحاول بعض النشء تقليدها دون معرفة الخطورة الناجمة عنها، فهم يقومون بذلك من منطلق كونها ترندات، ولكن في الحقيقة هي خطيرة.
وأضاف أن تحديات الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي تشكل خطراً جسيماً على الأطفال والمراهقين، وتتمثل أبرز مخاطرها في الإصابات الجسدية الخطيرة أو الوفاة، وإدمان السلوكيات الخاطئة.
أضرار طويلة الأمد
أخصائي طب الطوارئ الدكتور وليد عمسيب، حذّر من المخاطر الجسدية والصحية التي تسبّبها تلك التحديات، ومنها الإصابات المميتة، إذ إن بعض التحديات مثل قطع النفس، أو الكتم داخل برميل مياه، قد يسبب الاختناق والموت السريع، فيما يتسبب تناول مواد كيميائية وأدوية خطيرة في التسمم أو الاختناق والموت الفجائي. وبين الدكتور عمسيب، أن الأضرار البدنية قد تشمل حروق الجلد الشديدة أو جرح الجسم بأدوات حادة تقليداً لمقاطع منتشرة دون وعي بالعواقب بسبب استخدام مواد كيميائية على الجلد خلال تلك التحديات. وشدّد على أن تلك التحديات تلقي بتبعاتها على من يقوم بها من ناحية المخاطر النفسية والسلوكية.
فيما كشف الأخصائي الاجتماعي طلال الناشري، أن بعض تلك التحديات على وسائل التواصل الاجتماعي مثيرة للاهتمام بالنسبة للمراهقين، الذين قد يكونون مندفعين ومنجذبين إلى السلوك، وذلك لجذب الانتباه وكسب المتابعين، غير أنها في الحقيقة خطيرة على حياتهم. وقال إن بعض تحديات وسائل التواصل الاجتماعي، مثل تحدي الطعام المميت والتنفس داخل برميل الماء وتحديات أخرى تنتشر بسرعة على الإنترنت، خطيرة، قد تؤدي إلى أضرار طويلة الأمد من إصابات خطيرة وتسممات، بل وقد تكون بعضها مميتة. لذا، من المهم لجميع الآباء والأمهات أن يكونوا على دراية بهذه التحديات وأن يفهموا أسباب انجذاب المراهقين إليها.
وأضاف الناشري، أن بعض المراهقين في طبيعتهم يغمرهم الفضول وحب الاستطلاع وتجربة الأمور الغامضة بهدف الاستمتاع دون أن يستطلعوا مخاطرها أو تبعاتها، وللأسف، منصات التواصل الاجتماعي قد تكافئ هذا السلوك غير الصحيح بزيادة المتابعين لمن يقوم بها وتقديم المكافآت للمشاهدات الكبيرة، وهو سلوك يحرض على الاستمرار.
فضاء رقمي فسيح
أكد خبير أمن المعلومات محمد السريعي، أن السعودية تولي اهتماماً واسعاً في الكثير من المجالات التي تمس حاضر الإنسان ومستقبله، وفي مقدمتها مجال حماية الأطفال، لاسيما في الفضاء الرقمي الذي بات يشكل جزءاً لا يتجزأ من واقعهم اليومي، ومسرحاً واسعاً تتقاطع فيه الفرص مع التحديات. وأكد السريعي، أنه مع التسارع الرقمي واتساع رقعة استخدام الإنترنت بين الأطفال والمراهقين، تزداد الحاجة إلى وقفة جادة تجاه التحديات الرقمية التي قد تُهدد سلامتهم النفسية والاجتماعية، وذلك عبر دروع حماية ووقاية وبرامج حماية متطورة.