منذ العاشر من أكتوبر 2025 يُقال إن في غزة وقفاً لإطلاق النار. وفي التوصيف وحده مأساة كاملة، إذ بلغت حصيلة الخروقات حتى اليوم ألفاً ومئتين وستةً وستين شهيداً وأكثر من أربعة آلاف جريح. حين يسقط هذا العدد تحت عنوان «الهدنة»، يصبح السؤال المشروع: ما الذي بقي من معنى الكلمة؟ الغارة الأخيرة على مقهى في ميناء مدينة غزة، التي أودت بستة فلسطينيين بينهم طفل، ليست حادثاً منفصلاً ولا خطأً في التقدير. هي حلقة في نمط، والنمط لا يُفسَّر بالصدفة بل بالوظيفة. وقعت الغارة بعد أيام قليلة من إعلان الفصائل الفلسطينية قبولها خارطة الطريق للمرحلة الثانية، وبعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي رفضه وثيقة النقاط الخمس عشرة. أي أن الرصاص جاء ليعوّض ما عجزت تل أبيب عن انتزاعه على الطاولة: تثبيت الخط الأصفر حدوداً دائمة، والاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية داخل اتفاق يُفترض أنه ساري المفعول. هذا ليس دفاعاً عن النفس، بل تفاوضٌ بالنار. والأسوأ من الغارة توقيتها. فقد جاءت بعد يوم واحد فقط من دعوة الرئيس الأمريكي إسرائيل علناً إلى وقف ضرباتها. حين يتجاهل طرفٌ نداء حليفه الأقرب في اليوم التالي مباشرة، فإن ما يُختبر ليس صدقية ذلك الطرف وحده، بل صدقية من يدّعي ضمانه. وهنا يبدأ الجزء الأكثر إحراجاً في المشهد. لقد قدّم الجانب الفلسطيني، عبر فصائله مجتمعة، تنازلاً جوهرياً يمس السلاح والحكم معاً؛ وافق على خارطة طريق تنص على حصر السلاح الثقيل وتخزينه تحت مسؤولية لجنة وطنية، وعلى ترتيبات إدارية وأمنية جديدة، وطلب في المقابل ما هو أدنى ما يُطلب في أي تعاقد: جدولاً زمنياً مكتوباً، وآلية تحقّق التصادق على التنفيذ قبل الانتقال بين المراحل. فكان الجواب أن الانسحاب غير مطلوب قبل نزع السلاح كاملاً. أي أن التسلسل الذي يقوم عليه الاتفاق برمّته — التزام مقابل التزام — أُعيد ترتيبه لمصلحة طرف واحد. ومن أعاد ترتيبه ليس تل أبيب وحدها. هذه هي العقدة البنيوية: اتفاقٌ بلا آلية إنفاذ، وخرقٌ بلا ثمن، ونصوصٌ متعددة — بروتوكول شرم الشيخ، وخطة السلام الأمريكية، وقرار مجلس الأمن 2803 — يتيح تعددها التنصل الانتقائي. أما الوسطاء الإقليميون، ومصر في مقدمتهم، فيبذلون جهداً متواصلاً ويصطدمون بسقف واحد: من يملك أدوات الضغط الحقيقية هو من يتردد في استخدامها. والصمت الدولي أمام رقم يتصاعد شهراً بعد شهر لم يعد صمت عجز، بل صار جزءاً من المعادلة نفسها. في القاهرة، اجتمعت القوى والفصائل الفلسطينية أخيراً لترتيب بيتها وصياغة إستراتيجية جامعة، وحمّلت الجانب الإسرائيلي مسؤولية تعطيل خارطة الطريق. وهذا التحوّل جدير بالانتباه: لم يعد الملف ثنائية بين حركة وإسرائيل، بل بات موقفاً فلسطينياً عاماً، وهو ما يجعل تصوير الفلسطينيين طرفاً معرقلاً أمراً عسير التسويق. المسار الأرجح اليوم ليس الحرب ولا التسوية، بل ما بينهما: هدنة هشة تُدار بالتقادم، وإعمار مؤجل، وأفق سياسي مغلق. غزة تُدار بالتفاوض لا بالحرب، وهذا في ذاته تحوّل. لكن التفاوض حين يفتقر إلى ضامن يُلزِم، لا يُنتج سلاماً؛ يُنتج انتظاراً طويلاً على حافة الانفجار. والسؤال الذي سيُحاكَم عليه الجميع لاحقاً ليس فقط من أطلق النار، بل من كان يستطيع أن يوقفها ولم يفعل.