لا تنتظرْ أَحداً، أَنا شمسُ انتظارِكَ

ضيَّعتَني بالأَمسِ لكني عثرتُ

على ظِبَائِكَ قُرْبَ نبعِ الماءِ

أيقظني حُداؤُكَ في براري الروح

فانهمرَ الهديلُ على رؤايَ مُوشَّحاً

للوصلِ والشجنِ القديم،

لم أَلتفتْ يوماً لظِّلي في الطريقِ إلى بعيدِكَ

فالظلالُ تُكبِّلُ الخَطَواتِ

تُورِثُ قِبْلَةَ الأَملِ الوحيدِ مجاهِلاً في التِيه،

أَنَا السبيلُ إلى خلاصِكَ مِن ضَنَى جَفْنيكَ

تكفيني الإشارةُ كي تَحُطَّ فراشتي وشماً

على كتفِ اغترابِكَ،

إِنْ أردتَ صنعتُ مِن مَاضِي صُدودي شرفةً

لتُطِلَّ مِن أهدابِها الخجلى

على أطيافِ حُلْمِكَ من جديد

‏•••

لا تنتظرْ أَحداً، أَنا شمسُ انتظارِكَ

أفقتُ في غَسَقِ الشتاءِ

ولم أجدْ عينيكَ قُرْبَ وِسَادتي،

تفتَّحَ الزهرُ البهيجُ على غُصوني

فانتبهتُ لثورةِ النارِ الخَبيئةِ في دمي

أسلمتُ رُوحي للصحاري الظامِئَاتِ

فزوجتني الريحُ مِن صَلْصَالِها

مِن حِنْطةِ البيداءِ أوقدتُ الحنينَ مَشاعِلاً

لِيضيءَ أَسئلةَ الغِياب،

تكتبُ الذكرى وِلادتَها مِن الماضي

وأكتبُ سيرتي مِن فِضَّةِ الأَصقاعِ

تُغريني المجاهِلُ، في التفاتتِها أحنُّ لصورتي

لربيعِ مَعنَايَ الذي غَادَرتُهُ

حينَ ارتحلتُ إلى مجازِكَ في البعيد،

كُنتُ التقيتُكَ لو أَطَلْتَ السيرَ نحوَ عواطفي

وهَمَسْتَ في أُذنِ السرابِ بجملةٍ

في الحُبِّ تَأخُذُني إليكَ

إلى قُرى أسمائِنا الأُولى الأَخِيرة

دوماً هُنالِكَ مَنْ أحبَّكَ في غِيابِكَ

فالغيابُ شرارةُ النجوى، رسائلُ حارقات

لا تخطُّ الروحُ أحرفَها مع اللقيا

فكن طيفاً مجازياً لتعلقَ بالبعيدِ وريشهِ

‏•••

لا تنتظرْ أَحداً، أَنا شمسُ انتظارِكَ

أَنَا الطريقُ إليكَ، للشجرِ الذي أَعياكَ

بِالأَمسِ البعيد، بِنتُ النخيلِ أَنَا

وأُختُ السدرِ والصفصافِ مِن جِهةِ التُراب

وَرِثْتُ مِلحَ الأَرضِ عن جَدِّي

فأَوْرَقَ في شِفَاهِي الماءُ في عَطشِ الفصول،

أبي المريضُ تبدّدتْ أحلامُ رحلتِهِ الأَثِيرَةِ بَاكِراً

كَلَّتْ يداهُ على جَبينِ الطينِ

في قَيْضِ المواسِمِ حُرْقَةً،

صَرَعَتْهُ أُمِّي حينَ مَاتتْ فجأةً في الحقلِ

قُرْبَ ظِلالِهِ، مَاتتْ كموتِ غزالةٍ مغدورةٍ،

عَينانِ شَاخِصتَانِ في قُرْصِ السماءِ

تُحرِّضانِ الغيمَ مِن ألقِ التبسّمِ كي يعاودَ عزفَهُ

عَاشتْ تُحِبُّ أَبي كثيراً في سنينِ خيالِها

من لَوعةٍ بالروحِ تَذْرَعُ سُمْرَةَ الفلواتِ

خَلْفَ خُطَاهُ في لهبِ النهار

عند الهجير تَظَلُّ تتبعُ عِطرَهُ الذَكَرِيَّ

بينَ سنابلِ القمحِ النحيلة

كأَنَّ رائحةَ التعرُّقِ في مَلابِسهِ

استحالتْ في فضاءِ الحقلِ بوصلةً

تُشِيرُ إلى احتمالِ وجودِهِ

أُمِّي الحبيبةُ سَافرتْ مُنذُ البدايةِ

خَلْفَ طَيْفِ العُشبِ أَغْرَتْها التخومُ الباسماتُ

فصَدَّقَتْ أَوهامَها

لكنَّها حِينَ التقتْ عينيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ

مَالتْ إليهِ، ولم تجدْ سَبباً حقيقياً

لِتهجرَ سِدرةَ البيتِ العتيقَةِ

في سنينِ الجدبِ والتعبِ المديد

‏•••

لا تنتظرْ أَحداً، أَنا شمسُ انتظارِكَ

مِن قَبلِ أَنْ تَأَتي وَجَدتُكَ

في ثُريَّاتِ المَنَامِ وجَفْنِهِ

صَنَعْتُ ما يكفي لأَحيا في مدارِكَ

دَلَّني سِرْبُ النشيدِ على كواكبِكَ القَصِيَّةِ،

كُنتَ تَكْبُرُني قَليلاً عِندما صَوَّبْتَنِي

بسهامِ رَمْشِكَ في العَشي

ليلُ الحرائقِ بيننا لم يُمهِلِ القلبَ الرَهيفَ

مِن الوقوعِ رَهينةً في الأَسرِ والوَلَعِ المرير،

أُمِّي تَقولُ على الدوامِ: تَصبَّرِي

قلبُ ابنِ عمِّكِ وارفٌ

بالدفءِ والشجنِ النديِّ

لَنْ يَهتدي أَبداً إلى امرأةٍ سِواكِ،

قد اصطفاكِ الغيبُ مِن دونِ النساءِ خليلةً لفؤادِهِ

‏•••

لا تنتظرْ أَحداً، أَنا شمسُ انتظارِكَ

للحبِّ أَجنحةٌ تُقِلُّ الحالمينَ

إلى بروجِ خيالِهم

ولديك أَجنحةٌ من الذكرى

لِتلمسَ غَيمتي عِند الغِياب،

لا تَلْتَفِتْ يوماً

إلى سِرْبِ النساءِ العابرات

فطيفُهُنَّ تَراهُ قد يَصْفَرُّ أو يَحْمَرُّ

في جَفْنِ المرايا باسماً،

لكِنَّهُ عِندَ الهزيعِ يصيرُ أَكثرَ حُلْكَةً

بالكاد تلمحُ في التفاتَتِهِ

وَمِيضاً قد يُشيرُ إلى رؤاك،

تكذبُ الأُنثى على شَغَفِ المحبِّ وتَحتمي

بالصمتِ كي تُصغِي إلى أَثرِ الزُمُرُّدِ

في تَودُّدهِ وفي أَهدابِهِ

مِن حيثُ لا تَدرِي تَضُمُّ حُطَامَكَ الباقِي

إلى فَصْلٍ رَمادِيٍّ بسيرةِ زيفِها

تَرْوِيكَ حِينَ تَحُطُّ مِن عَطَشٍ كَواكِبُها

على شَفتيكَ في قَفْرِ المساء

وكلما حَكَّتْ أَظافِرُها

جِدارَ الرغبةِ انهمرتْ

على صحراءِ روحِكَ غيمةً مِن كيدِها

‏•••

لا تنتظرْ أَحداً، أَنا شمسُ انتظارِكَ

دَعْ قِبْلَةَ الماضي المحدِّقِ في تَعاسَتِهِ

وفَتِّشْ في التماعاتِ النشيدِ

عن الطريقِ إلى البدايةِ وَحدَها،

جِدْ فِضَّةَ المعْنَى من التهوامِ

واعثرْ في مفازاتِ الهديلِ

على الصدى الباقِي الذي أَهْرَقْتَهُ،

اهتمَّ أَنْ يَسرِي حُداؤكَ في كفوفِ الرملِ

تُزْهِرُ وَردةُ الأَحلامِ مِن تَلْقَائِها

وتعودُ مِن ماضي بعيدِكَ

كامِلاً مُتوحِدَّاً من نقصِهِ

لا تنتظرْ أَحداً

أَنا شمسُ انتظارِكَ.. يا قريب.

* قصيدة من مجموعة «يحرسني غيابك» الصادرة حديثاً