ما جرى خلال الأيام الأخيرة لا ينبغي التعامل معه بوصفه حادثاً أمنياً محدوداً أو تفصيلاً في صراع إقليمي عابر. فاستهداف منشآت نفطية سعودية بطائرات مسيّرة انطلقت، وفق ما أعلنته الرياض وما نقلته تقارير دولية، من الأراضي العراقية وبصلة بفصائل مسلحة موالية لإيران، يمثل اعتداءً على أمن المملكة وعلى استقرار المنطقة واقتصادها. ومن الطبيعي أن يحظى الموقف السعودي المؤيد للدفاع الحازم عن المنشآت والسيادة الوطنية بتأييد واسع؛ إذ لا يمكن مطالبة أي دولة بأن تتفرج على تهديد مباشر لبنيتها الحيوية أو أن تقبل بأن تصبح أراضي دولة عربية مجاورة منصةً لضربها. تأييد هذا الموقف يعني الانطلاق من مبدأ واضح: أمن الدول العربية ليس مباحاً لفصائل مسلحة تتصرف فوق القانون، وتختار توقيت الحرب والتهدئة بحسب أجندة لا تصدر عن شعب العراق ولا عن مؤسساته الدستورية. وما يلفت في هذه التطورات أن الرسالة لم تعد سعودية وحدها. التحذيرات التي وصلت من الأردن وسوريا إلى بغداد تعكس اتساع القلق من تحوّل السلاح الفصائلي إلى مصدر دائم لتهديد الحدود والاستقرار. دمشق، التي رصدت تحركات لفصائل موالية لإيران قرب حدودها، أوصلت بوضوح أن أي اعتداء ينطلق من العراق لن يكون بلا تبعات، فيما نُقل عن عمّان موقف مماثل يحذّر من المساس بأمنها. هذه ليست دعوة إلى توسيع الحروب ولا إلى معاقبة العراق، بل دعوة إلى إنقاذ العراق نفسه من المعادلة التي أرهقته طويلاً: دولة رسمية تملك دستوراً وحكومة ومؤسسات، لكنها تتعايش مع قوى مسلحة تملك قراراً موازياً، بل متقدّماً في بعض الأحيان، على قرار الدولة. لا يمكن لأي بلد أن يطالب الآخرين باحترام سيادته بينما يسمح لجماعات على أرضه بتهديد سيادة جيرانه. ولا معنى للاستقلال إذا كان قرار الحرب والسلم موزعاً بين مؤسسات الدولة وغرف عمليات لا تخضع للمساءلة الشعبية أو القانونية. هنا تكمن المشكلة الجوهرية في النموذج الذي ترسّخ في العراق ولبنان واليمن: حكومة تدير الشؤون اليومية، ومليشيا تحتكر القوة الفعلية أو تملك حق النقض المسلح على السياسة الخارجية والأمن الوطني. والنتيجة دائماً واحدة: اقتصاد خائف، استثمارات مترددة، حدود متوترة، ومواطن يدفع ثمن حروب لم يخترها. السلاح الذي لا يخضع للدولة لا يحمي الدولة، مهما كانت الشعارات التي يرفعها؛ بل يحولها إلى ساحة قابلة للاستخدام في صراعات الآخرين. وما حدث في سوريا ينبغي أن يكون درساً لكل المشرق العربي: لا استقرار حقيقياً من دون دولة واحدة وسلاح واحد وقرار واحد. لقد انتهى، أو يجب أن ينتهي، زمن الشرعيات الموازية التي تبتلع الدولة من الداخل باسم المقاومة أو الطائفة أو الضرورة الاستثنائية. المطلوب في العراق ولبنان واليمن ليس إقصاء فئة أو استهداف مكوّن اجتماعي، بل إعادة السياسة إلى أهلها والسلاح إلى مؤسسات الدولة. هذه إرادة الشعوب التي أنهكتها الحروب بالوكالة، وإرادة إقليمية لحماية الأمن العربي، كما أنها تتقاطع مع اتجاه دولي متزايد يرفض بقاء المنطقة رهينة جماعات مسلحة عابرة للحدود. فإما دولة كاملة السيادة تحتكر السلاح والقرار، وإما فوضى مؤجلة لا تتوقف عن إنتاج الأزمات.