هناك رجالٌ يرحلون بأجسادهم، لكن آثارهم تبقى شاهدة على عطائهم، ومن هؤلاء الراحل بكر بن عبدالله بن بكر، الذي ارتبط اسمه بمسيرة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وأسهم في صناعة مكانتها الأكاديمية، وترك بصمة لا تُنسى في نفوس كل من عمل معه.
وأنا في طريقي إلى المنطقة الشرقية للمشاركة في الصلاة عليه، عادت بي الذاكرة إلى أكثر من خمسين عامًا، منذ أن التقيته عام 1394هـ عندما كنت متقدمًا لوظيفة معيد في كلية البترول والمعادن، وكان حينها عميدًا للكلية. ومنذ ذلك التاريخ بدأت رحلة علم وعمل امتدت سنوات طويلة، توثقت خلالها علاقتي به، وتشرفت بالعمل معه في عدد من المواقع القيادية داخل الجامعة.
لم يكن الراحل إداريًا ناجحًا فحسب، بل كان مدرسة في القيادة. جمع بين الحزم والإنسانية، وآمن بالشورى، واحترم الرأي الآخر، وكان يحرص على أن يكون القرار ثمرة نقاش وتوافق، واضعًا مصلحة الجامعة فوق كل اعتبار.
ومن أبرز ما تميز به إيمانه بأن الطالب هو محور العملية التعليمية، فكان قريبًا من طلابه، يستمع إليهم، ويتابع آراءهم وملاحظاتهم، ويحرص على تحويل كثير منها إلى قرارات تسهم في تطوير الجامعة وتعزيز رسالتها.
ولمست فيه وفاءً استثنائيًا لجامعة الملك فهد للبترول والمعادن؛ فقد كرّس حياته لخدمتها، وأسهم برؤية استراتيجية في بناء منظومتها الأكاديمية والإدارية، حتى أصبحت واحدة من الجامعات الرائدة. ومن وجهة نظري، فإنه كان صاحب الدور الأكبر في ترسيخ مكانتها بعد تحويلها من كلية إلى جامعة.
كان -رحمه الله- قائدًا بعيد النظر، متواضعًا في تعامله، نبيلًا في أخلاقه، محبًا لوطنه، حتى إن كل من عمل معه كان يشعر بأنه الأقرب إليه، وهي ميزة لا يمتلكها إلا أصحاب النفوس الكبيرة.
هذه الكلمات ليست سوى شيء يسير من حق رجلٍ أعطى جامعته وطلابه ووطنه بإخلاص، وستظل سيرته حاضرة في ذاكرة من عرفوه وعملوا معه.
رحم الله بكر بن عبدالله بن بكر، وغفر له، وأسكنه الفردوس الأعلى، وجزاه خير الجزاء على ما قدّم لوطنه وجامعته وطلابه، ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.