يصعب على الراصد لما يجري في الشرق الأوسط أن يعثر على مسار واضح يمكن أن يقوده إلى توقع نهاية هذه الحرب أو حتى محطتها التالية، فالتصعيد بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران يتحرك في مساحة شديدة الاضطراب، تتداخل فيها الضربات مع التهديدات، والسياسة مع الميدان وحسابات الردع مع احتمالات الانفلات، وفي خضم هذا المشهد يقف الخليج العربي أمام خطر يتجاوز حدود المواجهة ذاتها عبر محاولات إقحامه في دوامة لم يصنع أسبابها، وليس ملزماً أن يدفع أثماناً لها!
للحروب أسبابها ومصالحها وحساباتها، وقد تكون بين واشنطن وطهران ملفات تراكمت حتى بلغت هذه المرحلة الخطيرة، لكن دول الخليج ليست طرفاً في تلك الحسابات، وأمنها لا يجوز أن يتحوّل إلى ورقة تفاوض، ولا منشآتها وممراتها ومصالح شعوبها إلى أهداف تستخدم لإيصال الرسائل أو رفع كلفة المواجهة على الخصم. إن إقحام دول الخليج العربي في هذه النيران هو الامتداد الطبيعي لمشروع عقائدي وسياسي ممتد منذ نحو أربعة عقود ونيف؛ مشروع سكنه العبث وتغذى على افتعال القلاقل، ويتفجر اليوم عبر تهديدات صريحة ونيران حقيقية تمس المقدّرات الحيوية والسيادة الوطنية، وهذا المشروع ظلت المنطقة تدفع كلفته بينما يتمدد خارج الحدود، ويستثمر في الأزمات والانقسامات، وينشئ شبكات من الجماعات المسلحة التي نافست الدولة في أكثر من عاصمة عربية، وأبقت دولنا في حالة استنزاف أمني وسياسي طويل، واليوم تبدو نتائج ذلك النهج أكثر خطورة؛ لأن أدوات الضغط القديمة باتت تعمل وسط حرب مفتوحة، وأي خطأ في الحساب قد يشعل مساحة جغرافية أوسع من قدرة الجميع على احتوائها.
لقد استنفدت الدبلوماسية زمناً طويلاً في محاولة إدارة الخلاف، كما أن القوة العسكرية، مهما بلغت دقتها وشدّتها، لم تقدّم حتى الآن نهاية سياسية واضحة للصراع، وهذه هي العقدة التي ينبغي أن تشغل المنطقة والعالم، فما جدوى حرب تتسع دوائرها، بينما يبقى سؤال اليوم التالي بلا إجابة؟ وما قيمة الردع إذا ظلت دول آمنة معرّضة للتهديد كلما ارتفع منسوب المواجهة؟ الخليج اليوم أمام ضرورة إستراتيجية تتجاوز التعامل مع كل حادثة أو أزمة منفصلة، والمطلوب هنا موقف دولي حاسم يكرّس حرمة سيادة دوله، ويمنع العبث بمقدراتها ويضع حداً لسياسة تحريك المليشيات وإشعال بؤر التوتر حول حدوده.
لقد أمضت المنطقة عقوداً وهي تطفئ الحرائق التي أشعلتها مشاريع التمدد والصراعات بالوكالة، وآن لهذا الفصل أن ينتهي، فدول الخليج لم تبنِ كل هذه العقود من الاستقرار والازدهار كي تصبح مقدّراتها وقوداً في حرب لا تخصها، ولا كي يستيقظ أبناؤها كلما اشتعل خلاف إيراني مع العالم على سؤال: أي مدينة ستكون في مرمى الرسالة القادمة؟
الخليج ليس ساحة حرب، ولا ورقة تفاوض، ولا جبهة بديلة حين تضيق ساحات المواجهة، وهذه حقيقة ينبغي أن تتحوّل من موقف سياسي إلى معادلة ردع لا يجرؤ أحد على اختبارها!