شكّلت واقعة منع طائرة الوفد الإيراني من الهبوط في مطار صنعاء الدولي نقطة تحول سياسية وإعلامية بارزة، حيث أسقطت كلياً الادعاءات التي سعت طهران وجماعة الحوثي إلى تسويقها؛ بأن قرار الأجواء اليمنية ومطار العاصمة بات بأيديهم، حيث حاول التحالف الحوثي-الإيراني تصوير المشهد وكأنه إعلان لسيادة مفروضة بقوة الأمر الواقع، لكن الأحداث الميدانية أثبتت أن تلك الرواية لم تكن سوى دعاية سياسية واهية سرعان ما اصطدمت بواقع الترتيبات السيادية الحقيقية.
لقد وظفت الآلة الإعلامية الإيرانية والحوثية واقعة الطائرة لخدمة أجندتها السياسية عبر أربع إستراتيجيات دعائية رئيسة -وفق تحليل ردود الفعل، بهدف التغطية على الإخفاق الميداني وتحويله إلى انتصار وهمي، وأول تلك الإستراتيجيات الادعاء بمظلومية الحصار، وإعادة إحياء خطاب الضحية لكسب التعاطف الشعبي، ومحاولة استمرار التصعيد؛ ليكتشف العالم بطلان هذا الادعاء الكاذب، وأن واقع السيادة اليمنية أقوى من محاولات التضليل والضجيج المفتعل تحت أي مبرر.
والإستراتيجية الثانية دعاية «كسر الحصار»، ومحاولة فرض واقع سياسي جديد عبر الإعلان المسبق عن الرحلة، بهدف إيهام الحاضنة الشعبية بأن الحوثيين يمتلكون سلطة القرار المطلق على الأجواء والمطارات اليمنية، والواقع أثبت العكس تماماً بعجز الحوثيين عن تأمين هبوط طائرة تحمل وفداً حليفاً، وهو ما يمثّل إخفاقاً إستراتيجياً واضحاً كشف حدود سلطتهم الفعلية على الأرض.
أما الإستراتيجية الثالثة؛ فهي محاولة التشويش ونقل المعركة الرمزية بعد الفشل في الهبوط بمطار صنعاء (العاصمة والرمز السيادي)، حيث جرت محاولات سريعة لتغيير المسار وتصوير الهبوط في مطار الحديدة على أنه نجاح واختراق لإفشال المنع، والتقليل من حجم الإخفاق الإستراتيجي في مطار العاصمة، والحقيقة أن اضطرار الطائرة الإيرانية إلى التوجه نحو مطار الحديدة لم يغيّر من جوهر المشهد أو نتيجته السياسية، فالمعركة الحقيقية والرمزية كانت تتمحور حول مطار صنعاء كبوابة سيادية للعاصمة.
والإستراتيجية الرابعة لواقعة الطائرة كانت محاولة استغلال اليمن كـ«صندوق رسائل» إقليمي، حيث وظفت طهران الدعاية لتأكيد نفوذها في الملف اليمني، وإرسال رسائل للمجتمع الدولي بأنها قادرة على تحريك الأوراق السياسية والعسكرية في المنطقة، وتثبيت شرعية حلفائها كأمر واقع، ولكن الرد هذه المرة جاء مباشراً وواضحاً من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد العليمي بعدم توسيع نطاق المواجهة العسكرية؛ لتفويت الفرصة على الهدف الذي تسعى إليه إيران، والمتمثل في زج اليمن وشعبه في أتون حروب عبثية تخدم مصالح طهران الخاصة، وتستخدم اليمن أرضاً وإنساناً كـ«ورقة ضغط» في صراعها الإقليمي الشامل، كما جاء الموقف الحازم الآخر على لسان الدكتور العليمي ليؤكد بأن الدولة اليمنية لن تسمح مستقبلاً لأي طائرة بانتهاك الأجواء اليمنية، سواء كان ذلك باتجاه مطار صنعاء أو أي مطار آخر على امتداد الجغرافيا اليمنية.
لقد برز موقف رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني كصمام أمان يحمي القرار الوطني السيادي بمسؤولية دستورية صارمة، ويعكس نضجاً سياسياً بالتصرف بعقلية الدولة لحماية الأرواح والممتلكات، مما يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة واضحة بأن الشرعية وحدها هي مالكة الأرض والأجواء، وكل محاولات الضجيج الإعلامي لن تصنع للمليشيا اعترافاً يعجز الواقع عن منحه.