المجال الجوي في الطيران المدني تحكمه القوانين وتحميه الاتفاقيات، وتديره الدول وفق قواعد دقيقة تراكمت على مدى عقود.
كل طائرة تعبر من دولة إلى أخرى تظل داخل منظومة عالمية هدفها حماية الأرواح، وضمان انسياب الحركة الجوية، وإبعاد النقل المدني عن نزاعات السياسة والحروب.
من هنا تأتي سذاجة التصريح الذي أطلقه المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثي، حين حذر شركات الطيران من عبور الأجواء السعودية. هذا الهراء لا يمكن وضعه في خانة الخطاب السياسي أو الدعاية العسكرية، لأنه موجه بصورة مباشرة إلى شركات مدنية، وطائرات تحمل مسافرين من دول مختلفة، وتعبر ممرات جوية تخدم حركة الطيران بين قارات العالم.
منذ توقيع اتفاقية شيكاغو عام 1944م، عمل المجتمع الدولي على بناء نظام للطيران المدني يقوم على سيادة الدول على أجوائها، والتعاون بينها وحماية الرحلات المدنية من التدخلات غير المشروعة، ثم جاءت اتفاقيات طوكيو ولاهاي ومونتريال لتشدّد على تجريم الاعتداء على الطائرات والمطارات وسلامة الملاحة الجوية، هذه المنظومة لم تنشأ لحماية شركة أو دولة بعينها، وإنما لحماية الإنسان حين يكون داخل طائرة على ارتفاع آلاف الأقدام.
أي تهديد للطيران المدني يضرب جوهر هذا النظام العالمي، فالطائرة التجارية لا تحمل صفة عسكرية، والمسافرون ليسوا طرفاً في أي نزاع صادف أن رحلتهم مرّت من فوقه، وعندما تهدد جماعة مسلحة حركة الطيران العالمي فهي تعلن تمردها على القانون الدولي، وتكشف استعدادها لاستخدام أرواح المدنيين كورقة مساومة.
هذا السلوك الهمجي ينسجم مع تاريخ الحوثيين في استهداف المطارات والمنشآت المدنية وتهديد الممرات البحرية وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وفي كل مرة تحاول هذه الجماعة تغليف أفعالها بشعار سياسي، يظهرها الواقع عاريةً أمام العالم، فهي مجرد مشروع تمرد يعتمد على السلاح ويعيش على التوتر، ويستمد حضوره من الخوف الذي يصنعه في بلده.
في المقابل تقف المملكة العربية السعودية بسياسة هادئة وصبر طويل.
حيث تعرّضت السعودية خلال سنوات لاعتداءات متكررة كان في مقدورها أن تتعامل معها بمنطق مختلف، مع ذلك أبدت حرصها على أمن المنطقة ومصالح شعوبها، وقدمت الحل السياسي ودعمت الجهود الإنسانية، وفتحت أبواب الحوار، وراعت أوضاع الشعب اليمني رغم ما تعرّضت له من تنكر ومزايدات.
هذا النهج العقلاني صادر عن دولة تعرف مكانتها، فالسعودية تدرك أن دورها يتجاوز حدودها وأن قراراتها تنعكس على محيطها وعلى الاقتصاد العالمي وعلى استقرار أسواق الطاقة وحركة التجارة والطيران، لذلك لا تدير سياستها بانفعال لحظي، ولا تسمح لمناكفات الجماعات الصغيرة أن تدفعها إلى خيارات قصيرة النظر.
الأجواء السعودية اليوم شريان رئيسي في شبكة الطيران العالمية، وموقع المملكة في قلب حركة الربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا منح مجالها الجوي أهمية استثنائية، كما أن استقرارها وتطور بنيتها التحتية جعلاها جزءاً أساسياً من انسياب الرحلات الدولية، حيث تعبر آلاف الطائرات هذه الأجواء، تحمل ملايين المسافرين وتربط مدناً واقتصادات وأسواقاً في جهات العالم الأربع.
هذه القيمة تبنيها الدولة بالأمن والكفاءة والالتزام ولا تصنعها الشعارات الفارغة.
في الوقت الذي تستثمر فيه السعودية بالمطارات والملاحة الجوية وتوسيع الشبكات وربط العالم، تقف مليشيا مأزومة ومهزومة لتلوّح بتهديد الطائرات المدنية، هنا يظهر الفارق بين مواقف دولة تضيف للعالم، وجماعة تبحث عن تعطيل مصالحه.
التاريخ لا يرحم المشاريع القائمة على الكراهية والتهديد، بينما يحتفظ بأثر من بنى وغرس، السعودية تعرف هذه الحقيقة لذلك تمضي بثقة دولة كبيرة، فيما يكرر الحوثي اللغة نفسها التي استخدمها كثيرون قبله، ثم انتهوا خارج المشهد.
من يحمي السماء يحمي العالم، ومن يهددها يعلن عداءه للإنسان، هذه الحقيقة تختصر المشهد كله، دولة تحفظ الاستقرار الدولي، ومليشيا تتغذى على الفوضى.