لم تكن التكتلات الدولية وبناء التحالفات ترفاً في التفكير الإنساني يوماً ما، فمنذ عرف الإنسان السياسة والاقتصاد وهو يسعى نحو التكتل والعمل مع الجماعات، وعرفت الإنسانية على مدى تاريخها تحالفات لضمان نمو الاقتصاد والازدهار، بدءاً بـ«طريق الحرير» الشهير، وكذلك «إيلاف قريش» الذي ضمن التجارة بين شمال الجزيرة العربية وجنوبها.

لقد مثلت التكتلات الدولية في بُعدها السياسي والاقتصادي وحتى الأمني الآلية المفضلة للعمل المشترك والجماعي، وكبديل للأعمال المنفردة، فبينما يبدأ التكتل غالباً بدوافع اقتصادية، فإنه سرعان ما يتحوّل إلى أدوات سياسية تهدف للتنسيق وتفكيك الخلافات والعمل المشترك.

الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأعظم في العالم، تحتضن «الأمم المتحدة»، وتساهم بجزء كبير من ميزانيتها، لأنها تعلم فائدتها سياسياً وتنموياً واقتصادياً، كما أن هناك أكثر من 50 منظمة إقليمية وعالمية في العالم، تمكّن الدول من العمل المشترك والتفاوض بشكل جماعي، والحصول على الشرعية لأي قرار يخدم مصالحها، إذا ما أحسنت إدارة علاقتها بالمنظمات، واستطاعت العمل من خلال آلياتها وبناء التحالفات الداخلية وجمع الأصوات.

ولعلنا نأخذ منظمة «الأسيان» كمثال على نجاح المنظمات في العالم، فهي تحالف قادته دول قادمة من اقتصادات زراعية ضعيفة، كان متوسط دخل الفرد فيها قبل التأسيس لا يزيد على 150 دولاراً سنوياً، ليبلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في دول الآسيان حوالى 7.350 دولاراً في العام 2000، وليرتفع إلى 17.600 دولار عام 2023، إنها قصة معجزة حقيقية، كان وراءها الإيمان والعمل من داخل المنظمة.

تأسست «الأسيان» العام 1967، في وقت كان العالم منقسماً إلى ضفتين شيوعية سوفيتية؛ ورأسمالية غربية، كان الانقسام حاداً جداً، وكانت كثير من الدول لا تزال تحاول بناء هويتها واقتصاداتها في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.

جاء إعلان «الأسيان» كشبكة إنقاذ للدول الخمس المؤسسة؛ المشكلة من «إندونيسيا، ماليزيا، الفلبين، سنغافورة، وتايلاند»، وكلها دول قادمة من خلفيات مختلفة وبلا قواسم مشتركة، لكن «الأسيان» أدركت مبكراً أن قوتها تكمن في تكتلها لبناء مستقبلها، ولمواجهة القوى العظمى اقتصادياً وسياسياً، (الصين والولايات المتحدة - والاتحاد والسوفيتي سابقاً).

وبالرغم من أن «الأسيان» نشأت في منطقة مليئة بالخلافات الحدودية والتوترات، إلا أنها تحوّلت إلى منصة للحوار والتنسيق والتعاون المثمر وتجنّب الصدامات، لتصبح اليوم واحدة من أنجح التكتلات في العالم.

ولعل السؤال الكبير الذي يجب أن يطرح: ماذا لو أن «الأسيان» لم تؤسس قبل نصف قرن، كيف كان سيكون حال دولها وشعوبها اليوم مع هذا التنافس الشرس بين الدول والاقتصادات؟

لقد حقّقت الأسيان الأسبقية، واستثمرت في إمكاناتها حتى أصبحت واحدة من أهم التكتلات في العالم، وأعطت نموذجاً كيف أن العمل من داخل المنظمات، وليس من خارجها، هو المسار الصحيح لدول لا تستطيع أن تواجه الحيتان الاقتصادية والعسكرية والسياسية في هذا العالم لوحدها.

فقد عزّزت «الأسيان» مكانتها الاقتصادية مراهنة على جذب الاستثمار الأجنبي وبناء الاقتصاد المتنوع لتصبح خامس أكبر اقتصاد في العالم، ومنذ تأسيسها، شهدت نمواً اقتصادياً ملحوظاً، وتحوّلت من منطقة تعتمد على الزراعة إلى تكتل اقتصادي ديناميكي، ارتفع معه الناتج المحلي الإجمالي من 599.8 مليار دولار أمريكي العام 2000م، إلى أكثر من 8.474 تريليون دولار أمريكي في 2023م، وهو ما يمثل زيادة تقارب 14 ضعفاً، كما انخفض معدل الفقر من 24.7% في عام 1990م، إلى 3.5% عام 2017، وهو ما يمثل انخفاضاً ملحوظاً بنسبة 86%، فضلاً عن انخفاض معدل البطالة بشكل كبير من متوسط 5.9% في عام 2000 م، إلى 3.5% في 2023م.

الدول الأوروبية وهي جزء مهم من النظام الرأسمالي الغربي، آمنت كذلك بالتكتل وأسّست الاتحاد الأوروبي، الذي يعد الاقتصاد الثالث بعد أمريكا والصين، ولولا ذلك الاتحاد، لما استطاعت دول مثل إسبانيا واليونان، وحتى إيطاليا من مواجهة الأخطار الاقتصادية الهائلة التي اجتاحت دولها وهددت استقرارها.

جامعة الدول العربية، مع أنها نشأت كتكتل سياسي، ولأهداف قومية بحتة، إلا أنها استطاعت -بالرغم من كل النقد لها- أن تعزز القوة التفاوضية والدبلوماسية للعالم العربي، في مواجهة تحديات وأطماع عصفت بها، ولعل ما قامت به الجامعة من حماية الهوية العربية، واحتضان قضايا التحرر العربي في فلسطين وتونس والجزائر دليل واضح على دورها المهم، كما أن القرار التاريخي العام 1990م، والذي أجاز إرسال قوات عربية للمساهمة في الدفاع عن دول الخليج ضد أي تهديد عراقي، والذي كان الأساس في بناء تحالف دولي لتحرير الكويت، كان ولا يزال دليلاً على مرجعية الجامعة في حماية النظام العربي.

لقد ضمنت التكتلات والمنظمات للدول وخاصة الصغيرة منها، أن يكون لها صوت مساوٍ للدول الكبرى، والحصول على مصالح ما كان لها أن تحقّقها بشكل منفرد، وبلا شك فإن التكتلات الدولية هي «ضرورة حتمية لا ترف» في عالم أضحى متشابكاً ومتصارعاً، فهي لم تعد مجرد خيار تعاوني، بل أصبحت آلية إستراتيجية ناجحة استبدلت العُزلة والتفكك بمبدأ «السيادة التشاركية»، وهو ما ضمن للدول حماية مصالحها، وعزز ثقلها التفاوضي، وحوّل النزاعات المحتملة إلى آلية لتبادل المصالح محققاً لها ما لم يكن له أن يتحقّق بدونها.