لا تبدأ السيادة من الحدود، ولا تُختزل في القوانين وحدها، بل تتجسّد أولاً في اللغة التي تُدار بها الدولة، وتُخاطِب بها مجتمعها، وتُنظِّم عبرها علاقتها بالإنسان. فاللغة ليست أداة محايدة، بل موقف حضاري يعكس وعي الدولة بذاتها وبما تريد أن تكون عليه.
ومن هذا المنطلق، يأتي قرار إلزام استخدام اللغة العربية في جميع القطاعات الحكومية والخاصة بوصفه إعلاناً هادئاً لكنه عميق: أن الدولة حين تُنظِّم وتُخدِّم وتُخاطِب، فإنها تفعل ذلك بلسانها، لا بلسانٍ مستعار. فالقرار ليس إجراءً لغوياً تقنياً، بل إعادة تعريف لمعنى السيادة في الفضاء العام، حيث تصبح اللغة أداة فهم، وحامل هوية، وركيزة للثقة بين المؤسسة والمجتمع.
من الرمز إلى الممارسة
لطالما حضرت العربية رمزاً للهوية، لكنها تراجعت في بعض السياقات المؤسسية لصالح لغات أخرى، خاصة في العقود والخدمات والإعلانات. وجاء هذا القرار ليعيد تصحيح المسار، وينقل العربية من خانة الرمز إلى فضاء الممارسة اليومية.
العربية هنا ليست زينة لغوية، بل لغة:
• للفهم العام،
• وتكافؤ المعرفة،
• وتوحيد الخطاب المؤسسي.
حين تتحدث المؤسسات بلغة المجتمع، يشعر الفرد أن الدولة تخاطبه مباشرة، لا عبر ترجمة.
اللغة بوصفها عدالة معرفية
في جوهر القرار فكرة جوهرية هي العدالة اللغوية.
فالفرد لا يكون شريكاً واعياً ما لم يفهم ما يُقدَّم له، وما يُطلب منه، وما يوقّعه. اللغة الواضحة تقلص الفجوة بين المؤسسة والمجتمع، وتجعل الفهم حقاً عاماً لا امتيازاً محدوداً.
حماية الهوية دون انغلاق
التمسك باللغة الأم في عالم مفتوح ليس انغلاقاً، بل وعي.
إلزام استخدام العربية لا يعني إقصاء اللغات الأخرى، بل إعادة ترتيب الأولويات: العربية أساس الخطاب، وغيرها أدوات مساندة عند الحاجة، بما يحقق التوازن بين الهوية والانفتاح.
اللغة والاقتصاد
اللغة العربية ليست عبئاً اقتصادياً، بل عنصر كفاءة.
فالعقود الواضحة، والخدمات المفهومة، والإعلانات القريبة من الجمهور، كلها تسهم في بيئة عمل أكثر شفافية واستقراراً، وتدعم المحتوى المحلي والكفاءات الوطنية.
الخاتمة
السيادة لا تُقاس فقط بالأنظمة، بل باللغة التي تُدار بها الدولة. وحين تُلزِم الدولة نفسها باستخدام لغتها، فهي لا تعود إلى الماضي، بل تُثبّت حاضرها وتؤسّس مستقبلها على أرضية واضحة المعنى.
إلزام استخدام اللغة العربية ليس قراراً لغوياً فحسب، بل ممارسة سيادية هادئة، تجعل الفهم حقاً، والثقة ممارسة، والانتماء نتيجة طبيعية.
هكذا تبدأ السيادة من اللغة، وهكذا تُدار الدولة حين تعرف أي لسان تختار.