يشهد القطاع العقاري اليوم تحولًا جذريًا لا يقل تأثيرًا عن التحولات الكبرى التي عرفتها الأسواق المالية خلال العقد الماضي. فلم يعد ترميز العقارات مجرد مفهوم تقني مرتبط بسلاسل الكتل (البلوك تشين) بل أصبح بنية تحتية جديدة لإدارة الملكية وتداولها وتمويلها تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والعقار وبين رأس المال والفرصة.

يقوم جوهر هذا التحول على أخذ سند التملك التقليدي وتحويله إلى تمثيل رقمي آمن وغير قابل للتلاعب على شبكة البلوك تشين وهي تقنية خضعت لأكثر من عشر سنوات من التطوير والاختبارات قبل وصولها إلى مرحلة النضج التشغيلي. ويمثل هذا التمثيل الرقمي استثمارًا يعكس حصة في تملك العقار بما يتيح تجزئة الملكية دون المساس بحقوقها.

وهذا التحول لا يلغي الملكية القانونية بل يعززها ويجعلها أكثر شفافية وتتبعًا وكفاءة في التحقق والإثبات.

ما يمنح هذا التطبيق خصوصيته العالمية أنه ابتكار سعودي يأتي لأول مرة ضمن منظومة حكومية رقمية متكاملة تشارك فيها الجهات التنظيمية منذ مرحلة التصميم وحتى التنفيذ. فهو ليس مجرد منصة تقنية بل منظومة تشريعية وإجرائية متكاملة تشمل تصميم الحلول، وإصدار الأنظمة، وتنظيم تدفقات العمليات، وتتبع الأموال، وضمان الامتثال، بما يمنح السوق درجة عالية من المصداقية والطمأنينة.

يسهم الترميز في تسريع حركة التطوير العقاري عبر تمكين تدفق رؤوس الأموال بسرعة أكبر وبمدد أطول وبشفافية أعلى.

فبدل التعقيدات الورقية والإجراءات الطويلة تصبح العمليات أكثر انسيابية مما ينعكس على سرعة الإنجاز وتقليل التكاليف ورفع كفاءة السوق ككل.

وتأتي هذه الخطوة متناغمة مع أولويات التحول الرقمي وتشريعاته الواضحة وبما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء اقتصاد رقمي متقدم قائم على الابتكار والشفافية والحوكمة.

فالترميز ليس هدفًا بحد ذاته بل أداة استراتيجية لتعزيز الثقة في السوق وجذب الاستثمارات النوعية.

وعلى صعيد الأفراد والمستثمرين يفتح الترميز بابًا جديدًا للتملك والاستثمار عبر المشاركة الرقمية في الأصول العقارية المرمزة والأدوات المصرفية الرقمية.

فلم يعد الاستثمار محصورًا في الملكية الكاملة أو الصفقات الكبيرة بل أصبح بالإمكان الدخول في حصص رقمية منظمة ما يوسّع قاعدة المستثمرين لتشمل المحليين والأجانب والأفراد والمؤسسات على حد سواء.

ومن زاوية المستثمر تحديدًا توفر الآلية الجديدة وضوحًا غير مسبوق في قراءة الأرقام واتخاذ القرار.

فاعتماد التقييم العقاري من جهات موثوقة ومعتمدة تحت مظلة الهيئة السعودية للمقيمين المعتمدين يخلق مرجعية عادلة للقيمة بينما يحدد النظام بوضوح التكاليف سواء كانت لمرة واحدة —مثل ضريبة التصرفات العقارية ورسوم نقل الملكية— أو دورية كرسوم الإدارة واتحاد الملاك والصيانة. هذا الوضوح يمكّن المستثمر من بناء نماذج مالية دقيقة وتقليل المخاطر وتحسين العائد.

يمثل ترميز العقارات نقلة نوعية تتجاوز حدود التقنية إلى إعادة تعريف مفهوم الملكية والسيولة والثقة في السوق العقاري.

إنه جسر بين العالمين المادي والرقمي وبين الماضي الأقرب والمستقبل الذكي ليصنع نموذجًا أكثر عدلًا وكفاءة واستدامة للاقتصاد العقاري الحديث.