أيام معدودات على إطلالة هلال شهر رمضان المبارك.. والذي من خلاله تتجدّد في النفس مشاعر.. لا تشبه سواها.. وكأن هذا الشهر الكريم لا يأتي فقط ليعلن موسم الطاعة.. بل ليوقظ في القلب دفاتر الذاكرة ويعيد ترتيب محطات العمر..
فمع كل رمضان.. يعود الإنسان إلى ذاته.. يسترجع أماكن شكّلت وجدانه.. وأزمنة صاغت ملامح روحه، في رحلة تمتد بين المدن والذكريات لكنها تلتقي جميعها عند معنى واحد.. إلا وهو.. الطمأنينة.
ولعلّ أبها البهيّة.. مرتع الصبا
وبدايات.. التكوين الروحي
كانت بالنسبة لي أبها مرتع الصبا وبداية تشكّل الوعي بالحياة وروحانيتها.. هناك، حيث الضباب يعانق جبال السروات، كانت أيام رمضان تحمل بساطة الطفولة ونقاءها. المجالس الدافئة، ورائحة القهوة الجنوبية، وصوت الأذان وساحة سوق أبها والذي يمتلئ بالباعة من بعد صلاة العصر بمختلف الوجبات الأبهاوية وغيرها، والذي يتردد بين القمم، كانت تصنع أول ملامح العلاقة مع الشهر الكريم.
في أبها تعلّم القلب أن رمضان ليس امتناعاً عن الطعام بقدر ما هو امتلاء بالقيم، وأن العائلة والمجتمع هما أول مدرسة يتعلّم فيها الإنسان معنى التكافل والتراحم والتّآخي..
ثم تأتي جدة.. كمحطة الدراسة والعمل ونبض الحياة، حيث اتسعت التجربة الحياتية، واكتسب رمضان بعداً اجتماعياً وثقافياً مختلفاً.. جدة التي تعانق البحر كانت تمنح ليالي الشهر الفضيل حياة نابضة بالحركة والدفء الإنساني.. في أحيائها التاريخية.. وبين أصوات المسحراتي وروائح الأطعمة الشعبية.. كان رمضان يجمع بين عبق الماضي وحيوية الحاضر، ليصبح مساحة يوازن فيها الإنسان بين مسؤوليات العمل ومتطلبات الحياة دون أن يفقد روحانية الشهر ودفء العلاقات الاجتماعية.
وتبقى مكة المكرمة مدرسة الروح، وذكرى خاصة لا تشبه سواها، حين كان الوالد -رحمه الله- يحرص على قضاء شهر رمضان فيها. كانت تلك الأيام تحمل روحانية مضاعفة، حيث تتجلى قدسية المكان مع قدسية الزمان.
في رحاب الحرم المكي.. تتلاشى هموم الدنيا أمام مشهد الطائفين وتلاوة القرآن، وتترسّخ في الوجدان معاني الإيمان والسكينة. ولم تكن تلك التجربة مجرد ذكريات عائلية، بل كانت مدرسة روحية عميقة تعلّم الإنسان أن أعظم ما يتركه الآباء لأبنائهم هو القدوة الصالحة والإيمان الممتد أثره عبر الزمن..
ومع امتداد مسيرة الحياة، حضرت العاصمة الرياض كمرحلة نضج واستقرار، حيث أصبح رمضان مساحة للتأمل في مسيرة العمر ومسؤولياته. في العاصمة التي تجمع بين الأصالة والتطور، تتجلى روح الشهر الكريم في تلاحم المجتمع وفي المبادرات الإنسانية التي تعكس عمق التكافل الاجتماعي. هناك، يكتشف الإنسان أن النضج لا يعني فقدان الحنين، بل القدرة على تحويل الذكريات إلى طاقة تدفعه نحو العطاء والاستمرار.
دمشق..
تسع سنوات صنعت ذاكرة حضارية وروحية
وإذا امتدت الذاكرة نحو المشرق العربي، فإن دمشق لا تحضر كمدينة زارتها الحياة، بل كوطن ثانٍ صاغ ملامح مرحلة كاملة امتدت تسع سنوات من العمل والتجربة الإنسانية العميقة.
في دمشق، لا يُقاس الزمن بعدد الأعوام، بل بعدد الحكايات التي تتركها الأزقة القديمة في الروح. هناك، حيث تتعانق مآذن الجامع الأموي كان رمضان يأتي وكأنه امتداد لقرون من التقاليد الروحية والاجتماعية..
في أسواق الحميدية وتحت ظلال البيوت الدمشقية العتيقة، كانت الفوانيس تتدلى كشواهد على ذاكرة المدينة، وكانت رائحة الياسمين تتسلل مع نسمات الليل لتعلن بداية أمسيات رمضانية مفعمة بالحياة. وفي المجالس الدمشقية، حيث يلتقي دفء الضيافة مع عمق الثقافة، يتجلى رمضان كحالة إنسانية متكاملة تعيد للإنسان توازنه بين العمل والحياة.
الولايات المتحدة الأمريكية.. رمضان وهوية تتجاوز الجغرافيا
وحين تأخذ الرحلة مساراً أبعد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تتغيّر الصورة لكنها لا تفقد المعنى. هناك يصبح رمضان تجربة إنسانية تكشف عمق الهوية حين يعيشها الإنسان بعيداً عن محيطه الثقافي التقليدي.
خلال سنوات العمل والحياة في مجتمع متعدد الثقافات، يتحوّل المسجد إلى وطن مصغّر يجمع أطيافاً من الجنسيات واللغات، لكنهم يلتقون جميعاً على مائدة إفطار واحدة وقلب واحد. في أمريكا يتعلّم الإنسان أن رمضان ليس فقط طقساً دينياً، بل رسالة حضارية تُعرّف الآخر بجوهر الإسلام القائم على التسامح والتعايش.
وكما كانت دمشق مدرسة في عمق الحضارة والتاريخ، كانت أمريكا مدرسة في عالمية الإسلام وقدرته على العبور بين الشعوب والثقافات.
رمضان.. ذاكرة تسكن القلب قبل المكان
إن التنقل بين هذه المحطات يكشف أن رمضان ليس مرتبطاً بمكان بعينه، بل هو حالة شعورية ترافق الإنسان أينما ارتحل، لتعيد تشكيل علاقته بالحياة وبالناس وبخالقه. فهو الشهر الذي تتراجع فيه الماديات أمام القيم، وتتقدم فيه الروح لتقود مسيرة القلب نحو الصفاء.
الخاتمة
يبقى رمضان ذاكرة حيّة تسكن القلب قبل المكان، وترافق الإنسان في كل مراحل عمره، لتؤكد أن قدسية الزمان قادرة على توحيد اختلاف الأمكنة. وبين أبها مرتع الصبا، وجدة محطة الطموح والعمل، ومكة موطن الروح مع الوالد -رحمه الله، والرياض عنوان النضج والاستقرار، ودمشق عبق التاريخ وعمق التجربة، وتجارب الغربة التي تثري المعنى، يظل رمضان رسالة إيمانية وإنسانية تذكّرنا بأن أجمل ما في الحياة لحظات الصفاء حين يقترب القلب من الله ومن الناس بمحبة وسلام..
نهنئ بعضنا البعض وندعو الله جلّت قدرته أن يتقبل منا جميعاً صيامه وقيامه، إنه سميع مجيب الدعاء.