لم تكن قضية جيفري إبستين واقعة جنائية معزولة بين شطآن جزيرة باذخة في الكاريبي، بل كانت كاشفاً أخلاقياً فادحاً لعالمٍ يختل فيه الميزان حين تُقدَّم الثروة على العدالة، ويغدو الصمت تواطؤاً، وتُختبر إنسانية النخب عند أول تماس مع النفوذ والشهوة والسلطة.
في فضاء يُفترض أن القانون فيه خط أحمر لا يُمس، كشفت ملفات جيفري إبستين عن الوجه الحقيقي لقوة المال حين تتحرر من كل الضوابط الأخلاقية والقانونية، وتعمل في العتمة، حيث تُشترى الذمم، ويُعاد تعريف الصواب والخطأ وفق منطق المنفعة والمتعة لا منطق القيم والضمائر، فلم تكن الحكاية شبكة استغلال جنسي فحسب، بل امتحاناً قاسياً لصدق المجتمعات الحديثة في حماية الإنسان عندما تتشابك الثروة الفاحشة مع النفوذ السياسي والاجتماعي.
الأشد خطورة في ملف إبستين ليس فقط الفعل الإجرامي ذاته، ولكنها البنية التي سمحت له أن يستمر أعواماً دون مساءلة، وهنا تتجلى المأساة الأخلاقية كاملة: حين يمنح المال حصانة غير معلنة، وحين تتحوّل العدالة من قيمة مطلقة إلى قرار انتقائي؛ في تلك المنطقة الرمادية تتراجع المبادئ، ويُعاد تشكيل الضمير ليبرر الصمت، أو التواطؤ، أو حتى الادعاء الأخلاقي الزائف من داخل الدائرة نفسها مهما بلغت مكانتها ومهما رفعت من شعارات إنسانية وأخلاقية إلخ!
لقد عرّت قضية إبستين البشعة هشاشة الخطاب الأخلاقي لدى قطاعات كبيرة من النخب، أولئك الذين يتقنون رفع شعارات العدالة وحقوق الإنسان في العلن، بينما يساومون عليها ويتلذذون بهتكها في الخفاء، وعندما تُفتح أبواب الانفلات بالنفوذ والمال، تنكشف أسوأ غرائز النفس البشرية: نشوة السيطرة، شهوة الامتياز، وتحويل الجريمة إلى حق مكتسب. عند هذه النقطة، لا يعود الانحراف سلوكاً فردياً، بل يتحوّل إلى ثقافة محمية بشبكات المصالح والنفوذ.
إن البعد القيمي في قضية إبستين يتجاوز أسماء الضحايا والمتورطين، ليطرح سؤالاً وجودياً حاداً.. ما جدوى القانون إذا كان يُعلق عند بوابة السلطة؟ وما معنى الأخلاق إذا لم تكن التزاماً، بل قناعاً يُستدعى عند الحاجة ويُخلع عند أول اختبار حقيقي؟ الأخلاق هنا ليست خطاباً تجميلياً، بل ممارسة تبدأ برفض التواطؤ، ولا تكتمل إلا بمحاسبة الأقوياء قبل الضعفاء، وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ لطالما تصدّرت شعارات نخبوية غربية مناهضة لزواج القاصرات -وكلنا ضده، وها هي تنهار أمام ملفات إبستين التي تكشف استغلالاً جسدياً فاضحاً للقاصرات وصغيرات السن يفوق كل تصور، هذا التناقض الصارخ بين الخطاب المزعوم والواقع المظلم يفضح ازدواجية القيم التي تتغنى بها النخب الغربية وتتسيّد تجريم من يمارسها!
لقد أكدت هذه القضية أن الحضارة، مهما بلغت من التقدّم، تبقى هشّة إذا لم تُحمَ القيم بعدالة صارمة لا تعرف الاستثناء، فحين يُترك الإنسان لغرائزه، ويُترك المال بلا قانون، تكون النتيجة عالماً بشعاً وشديد القسوة وفقيراً للإنسانية مهما حاول أن يتزيّن بخطاب التقدّم والتحضّر، تلك الجزيرة الباذخة لم تكن سوى مسرح معتم لانفلات العقل البشري حين يختبئ بعيداً عن أعين العالم، فتولد أبشع الجرائم تحت غطاء الثراء والنفوذ، وعندما تغيب العدالة، لا يبقى من الحضارة سوى قشرة زائفة تخفي وحشاً ينتظر الظل ليكيّفه لغرائزه وملذاته!