في ظل الحراك التنموي المتسارع الذي تشهده المملكة العربية السعودية، وفي سياق التحوّلات الهيكلية التي تقودها رؤية السعودية 2030، لم يعد من الممكن النظر إلى الجامعات بوصفها مؤسسات تعليمية معزولة عن محيطها الجغرافي، ولا إلى هيئات تطوير المناطق والمحافظات باعتبارها كيانات تخطيطية منفصلة عن منظومة المعرفة. نحن اليوم أمام ضرورة صياغة مفهوم جديد يمكن تسميته بـ«هندسة المواءمة»، وهي الحلقة الاستراتيجية التي يجب أن تربط بوصلة التخطيط التي تمثلها هيئات التطوير بمحركات المعرفة التي تجسّدها الجامعات ليس كخيار تنظيمي، بل كضرورة استراتيجية تهدف إلى تحويل الجامعات من كيانات تعليمية نمطية إلى قاطرات نمو اقتصادي مرتبطة بجغرافيتها وبيئتها المحلية تصبح بها أصول استراتيجية ومحركات أساسية لمنظومة الابتكار والتنمية المناطقية.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه التعليم العالي في مرحلته الراهنة لا يكمن في التوسع الكمي بل في التميّز النوعي. فوفق المفهوم التنموي الحديث، يجب ألا تعد الجامعة مجرد منصة لنقل المعرفة العامة بل ينبغي أن تتحوّل إلى مختبر حي تُصاغ فيه الحلول انطلاقاً من احتياجات المناطق والمحافظات. وفي هذا الإطار، تمثل هندسة المواءمة العملية التي تضمن تطابق المخرج الأكاديمي مع الاحتياج الجغرافي.

تقتضي هذه الرؤية صياغة هوية كل جامعة على أساس ما يُعرف بـ«التخصص الذكي»، أي الانتقال من نموذج الشمولية التقليدية المتشابهة إلى نموذج الفرادة النوعية، يجعل من مخرجاتها انعكاساً دقيقاً للميزة التنافسية للجغرافيا. حيث تقوم فلسفة التمايز على مبدأ التركيز الاستراتيجي، فالجامعة، وإن ظلت كياناً أكاديمياً متكاملاً يحتضن مختلف التخصصات لبناء الإنسان المتكامل، إلا أن بوصلتها البحثية والابتكارية ينبغي أن تتجه نحو قطاع محدد يمثل عمقها الاستراتيجي. هذا التحول ينهي عصر الجامعات المستنسخة الذي يفرز هدراً تعليمياً وتراكماً غير منتج للتخصصات المتشابهة، ويستبدله بنموذج تكاملي قائم على التمايز.

حين تُصاغ هوية الجامعة انطلاقاً من بيئتها، تتبلور معالم الدور التنموي للجامعة، إذ تغدو الجامعات الواقعة في المناطق الصناعية مرشحة للريادة في هندسة البتروكيماويات، الخدمات اللوجستية، وتقنيات الطاقة المتجدّدة. بينما تمتلك الجامعات في المناطق السياحية فرصة أن تصبح مراكز تميز في إدارة الفنادق والضيافة، الآثار والاستدامة البيئية السياحية. في حين تستطيع جامعات المناطق الزراعية قيادة الابتكار في الأمن الغذائي، هندسة الري الذكي، لوجستيات الإمداد الغذائي واقتصاديات البيئة. في ظل هذا النموذج تتكامل التخصصات داخل الجامعة، بحيث لا تقصر نشاطها على كليات معينة بل تتوحد جهود المهندس والمبرمج والاقتصادي والباحث الاجتماعي ضمن هدف تنموي موحد يخدم أولويات المكان. هنا تتحوّل الجامعة إلى منظومة معرفية متكاملة تعيد بها هندسة كافة تخصصاتها من الهندسة والحاسب إلى العلوم الإنسانية وتوحد بها جهود كلياتها ومراكزها البحثية لتصبح الذراع الاستشاري والتقني الأول للهيئات التطويرية في منطقتها.

إن التمايز الجغرافي حين يُدار بوعي يصبح رافعة استراتيجية للتميّز الأكاديمي ويحول الجامعة إلى بيت خبرة في مجالات محددة تلبي احتياجات المنطقة، ويعظم أثرها الاقتصادي المحلي، ويصيغ بصمة تخصصية للخريج، تمنحه ميزة تنافسية لا تتوفر لغيره في سوق العمل المحلي، ويضمن عدم اغترابه عن منطقته. نحن بذلك نصنع كفاءات تكون هي الخيار الأول للمشاريع القائمة في محيطها، ينهي فجوة الاغتراب الوظيفي، ويعزز الهجرة العكسية نحو المناطق والمحافظات الواعدة، ويجعل الخريج جزءاً أصيلاً من المحرك التنموي في محيطه، مما يحقق توازناً في التنمية.

غير أن الجامعة لا تستطيع رسم مسار تمايزها بمعزل عن الواقع الميداني، وهنا تبرز أهمية التكامل المؤسسي مع هيئات تطوير المناطق والمحافظات. لتجسيد هذه الهيكلة، فإن المقترح الجوهري يكمن في إنشاء مجلس تنسيق أكاديمي تنموي يكون منصة عليا لتوحيد الرؤى، حيث تمثل هيئات التطوير العقل التخطيطي الذي يمتلك خارطة الفرص والاحتياجات المستقبلية بينما تمثل الجامعات الذراع المعرفي والبحثي القادر على تحويل تلك الخطط إلى حلول قابلة للتنفيذ. هذا التكامل يضمن توجيه ميزانيات البحث العلمي لمعالجة مشكلات واقعية يواجهها المخطط التنموي ويحوّل مشاريع التخرج والأبحاث التطبيقية إلى وقود فعلي للمشاريع التنموية، مما يخلق بيئة تنموية متكاملة تتحقق بها معادلة القيمة المضافة ويعيد تعريف البحث من كونه تكلفة إلى كونه استثماراً.

لضمان نجاح واستدامة هذا النموذج ومنع تكراره بصورة غير منظمة، يبرز الدور المحوري لوزارة التعليم ومجلس شؤون الجامعات في رسم خريطة وطنية للتمايز، تُحدد فيها هوية كل جامعة بدقة تضمن مواءمة التوسع الأكاديمي وتُربط فيها الموافقات الأكاديمية بمسارات التنمية في المناطق والمحافظات وتعيد هيكلة مؤشرات تقييم أداء الجامعات لتشمل الأثر الاقتصادي والتنموي المحلي. فالتنافس الفاعل في المرحلة المقبلة ليس في التشابه بل في التكامل الذكي.

ختاماً، إن هندسة المواءمة بين الجامعات وهيئات تطوير المناطق والمحافظات هي بمثابة معادلة التكامل، حيث تعد في جوهرها إعادة اكتشاف للثروات الوطنية الكامنة واستثمار العقل في فهم الجغرافيا. إننا لا نبحث عن جامعات تتنافس في التشابه، بل عن منظومة تعليمية تتكامل في الاختلاف في التمايز لا في التكرار. هذا لن يكون إلا بصناعة هوية مستقلة لكل جامعة تخدم منطقتها وتمثل منظومة تخصصية تنمي ميزتها النسبية. إن النجاح في هذا الربط هو الضمانة الحقيقية لتحويل جامعاتنا إلى أصول تنموية واستثمارية تحقق نمواً اقتصادياً متوازناً، يرفع كفاءة التوظيف النوعي المستدام ويجعل المملكة مرجعاً عالمياً في نماذج التعليم المرتبطة بالتنمية وفي قطاعات تخصصية موزعة على خارطة الوطن. إنها دعوة للتحرك نحو تعليم يقود الوطن نحو اقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي يبني مستقبلاً ينمو من قلب مناطقه ومحافظاته.