أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1820.jpg?v=1763935376

عبدالله بن حمود الزيادي النفيعي

هندسة المواءمة.. الجامعات وهيئات تطوير المناطق والمحافظات

في ظل الحراك التنموي المتسارع الذي تشهده المملكة العربية السعودية، وفي سياق التحوّلات الهيكلية التي تقودها رؤية السعودية 2030، لم يعد من الممكن النظر إلى الجامعات بوصفها مؤسسات تعليمية معزولة عن محيطها الجغرافي، ولا إلى هيئات تطوير المناطق والمحافظات باعتبارها كيانات تخطيطية منفصلة عن منظومة المعرفة. نحن اليوم أمام ضرورة صياغة مفهوم جديد يمكن تسميته بـ«هندسة المواءمة»، وهي الحلقة الاستراتيجية التي يجب أن تربط بوصلة التخطيط التي تمثلها هيئات التطوير بمحركات المعرفة التي تجسّدها الجامعات ليس كخيار تنظيمي، بل كضرورة استراتيجية تهدف إلى تحويل الجامعات من كيانات تعليمية نمطية إلى قاطرات نمو اقتصادي مرتبطة بجغرافيتها وبيئتها المحلية تصبح بها أصول استراتيجية ومحركات أساسية لمنظومة الابتكار والتنمية المناطقية.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه التعليم العالي في مرحلته الراهنة لا يكمن في التوسع الكمي بل في التميّز النوعي. فوفق المفهوم التنموي الحديث، يجب ألا تعد الجامعة مجرد منصة لنقل المعرفة العامة بل ينبغي أن تتحوّل إلى مختبر حي تُصاغ فيه الحلول انطلاقاً من احتياجات المناطق والمحافظات. وفي هذا الإطار، تمثل هندسة المواءمة العملية التي تضمن تطابق المخرج الأكاديمي مع الاحتياج الجغرافي.

تقتضي هذه الرؤية صياغة هوية كل جامعة على أساس ما يُعرف بـ«التخصص الذكي»، أي الانتقال من نموذج الشمولية التقليدية المتشابهة إلى نموذج الفرادة النوعية، يجعل من مخرجاتها انعكاساً دقيقاً للميزة التنافسية للجغرافيا. حيث تقوم فلسفة التمايز على مبدأ التركيز الاستراتيجي، فالجامعة، وإن ظلت كياناً أكاديمياً متكاملاً يحتضن مختلف التخصصات لبناء الإنسان المتكامل، إلا أن بوصلتها البحثية والابتكارية ينبغي أن تتجه نحو قطاع محدد يمثل عمقها الاستراتيجي. هذا التحول ينهي عصر الجامعات المستنسخة الذي يفرز هدراً تعليمياً وتراكماً غير منتج للتخصصات المتشابهة، ويستبدله بنموذج تكاملي قائم على التمايز.

حين تُصاغ هوية الجامعة انطلاقاً من بيئتها، تتبلور معالم الدور التنموي للجامعة، إذ تغدو الجامعات الواقعة في المناطق الصناعية مرشحة للريادة في هندسة البتروكيماويات، الخدمات اللوجستية، وتقنيات الطاقة المتجدّدة. بينما تمتلك الجامعات في المناطق السياحية فرصة أن تصبح مراكز تميز في إدارة الفنادق والضيافة، الآثار والاستدامة البيئية السياحية. في حين تستطيع جامعات المناطق الزراعية قيادة الابتكار في الأمن الغذائي، هندسة الري الذكي، لوجستيات الإمداد الغذائي واقتصاديات البيئة. في ظل هذا النموذج تتكامل التخصصات داخل الجامعة، بحيث لا تقصر نشاطها على كليات معينة بل تتوحد جهود المهندس والمبرمج والاقتصادي والباحث الاجتماعي ضمن هدف تنموي موحد يخدم أولويات المكان. هنا تتحوّل الجامعة إلى منظومة معرفية متكاملة تعيد بها هندسة كافة تخصصاتها من الهندسة والحاسب إلى العلوم الإنسانية وتوحد بها جهود كلياتها ومراكزها البحثية لتصبح الذراع الاستشاري والتقني الأول للهيئات التطويرية في منطقتها.

إن التمايز الجغرافي حين يُدار بوعي يصبح رافعة استراتيجية للتميّز الأكاديمي ويحول الجامعة إلى بيت خبرة في مجالات محددة تلبي احتياجات المنطقة، ويعظم أثرها الاقتصادي المحلي، ويصيغ بصمة تخصصية للخريج، تمنحه ميزة تنافسية لا تتوفر لغيره في سوق العمل المحلي، ويضمن عدم اغترابه عن منطقته. نحن بذلك نصنع كفاءات تكون هي الخيار الأول للمشاريع القائمة في محيطها، ينهي فجوة الاغتراب الوظيفي، ويعزز الهجرة العكسية نحو المناطق والمحافظات الواعدة، ويجعل الخريج جزءاً أصيلاً من المحرك التنموي في محيطه، مما يحقق توازناً في التنمية.

غير أن الجامعة لا تستطيع رسم مسار تمايزها بمعزل عن الواقع الميداني، وهنا تبرز أهمية التكامل المؤسسي مع هيئات تطوير المناطق والمحافظات. لتجسيد هذه الهيكلة، فإن المقترح الجوهري يكمن في إنشاء مجلس تنسيق أكاديمي تنموي يكون منصة عليا لتوحيد الرؤى، حيث تمثل هيئات التطوير العقل التخطيطي الذي يمتلك خارطة الفرص والاحتياجات المستقبلية بينما تمثل الجامعات الذراع المعرفي والبحثي القادر على تحويل تلك الخطط إلى حلول قابلة للتنفيذ. هذا التكامل يضمن توجيه ميزانيات البحث العلمي لمعالجة مشكلات واقعية يواجهها المخطط التنموي ويحوّل مشاريع التخرج والأبحاث التطبيقية إلى وقود فعلي للمشاريع التنموية، مما يخلق بيئة تنموية متكاملة تتحقق بها معادلة القيمة المضافة ويعيد تعريف البحث من كونه تكلفة إلى كونه استثماراً.

لضمان نجاح واستدامة هذا النموذج ومنع تكراره بصورة غير منظمة، يبرز الدور المحوري لوزارة التعليم ومجلس شؤون الجامعات في رسم خريطة وطنية للتمايز، تُحدد فيها هوية كل جامعة بدقة تضمن مواءمة التوسع الأكاديمي وتُربط فيها الموافقات الأكاديمية بمسارات التنمية في المناطق والمحافظات وتعيد هيكلة مؤشرات تقييم أداء الجامعات لتشمل الأثر الاقتصادي والتنموي المحلي. فالتنافس الفاعل في المرحلة المقبلة ليس في التشابه بل في التكامل الذكي.

ختاماً، إن هندسة المواءمة بين الجامعات وهيئات تطوير المناطق والمحافظات هي بمثابة معادلة التكامل، حيث تعد في جوهرها إعادة اكتشاف للثروات الوطنية الكامنة واستثمار العقل في فهم الجغرافيا. إننا لا نبحث عن جامعات تتنافس في التشابه، بل عن منظومة تعليمية تتكامل في الاختلاف في التمايز لا في التكرار. هذا لن يكون إلا بصناعة هوية مستقلة لكل جامعة تخدم منطقتها وتمثل منظومة تخصصية تنمي ميزتها النسبية. إن النجاح في هذا الربط هو الضمانة الحقيقية لتحويل جامعاتنا إلى أصول تنموية واستثمارية تحقق نمواً اقتصادياً متوازناً، يرفع كفاءة التوظيف النوعي المستدام ويجعل المملكة مرجعاً عالمياً في نماذج التعليم المرتبطة بالتنمية وفي قطاعات تخصصية موزعة على خارطة الوطن. إنها دعوة للتحرك نحو تعليم يقود الوطن نحو اقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي يبني مستقبلاً ينمو من قلب مناطقه ومحافظاته.

منذ 5 ساعات

الدبلوماسية التحولية.. زيارة ولي العهد السعودي إلى أمريكا

لا تعد زيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة الأمريكية مجرد محطة في جدول أعمال الدبلوماسية الروتينية أو قراءة فصل مألوف في كتاب العلاقات الثنائية التقليدية، بل هي لحظة مفصلية تُعيد تعريف العلاقة الاستراتيجية السعودية الأمريكية وإعادة موازنة جيوسياسية تتجاوز نطاق الدبلوماسية الروتينية لترسخ وتُفعل دور المملكة كقوة استقرار محورية في منطقة الشرق الأوسط ومؤثر محوري في صياغة وتشكيل ملامح النظام الاقتصادي العالمي في مرحلة ما بعد الهيمنة النفطية. إنها زيارة تُجسد المنهجية العملية ودبلوماسية التحول التي يقودها ولي العهد، والمستمدة من روح رؤيته الطموحة رؤية السعودية 2030 وأهدافها على الساحة الدولية.


لطالما حكمت العلاقة الاستراتيجية بين السعودية وأمريكا نظرية التبادل المحدود، المرتكزة والمتجذرة في معادلة النفط مقابل استقرار وسلام المنطقة، التي تأسست منذ لقاء الملك عبدالعزيز- طيب الله ثراه- والرئيس روزفلت. اليوم، يسعى ولي العهد إلى تفكيك هذه المعادلة الأحادية ووضع أسس نموذجٍ جديد يمكن تسميته التزامن الاستراتيجي وإعادة تعريف هذه المعادلة لتصبح شراكات استثمارية وتكنولوجية متبادلة تُقابلها مساهمة فعلية في الأمن الإقليمي والدولي.


تأتي هذه الزيارة في وقتٍ وسياق يطالب فيه العالم وأمريكا تحديداً بضامن للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط المتقلبة. وولي العهد بصفته صانع القرار والقائد الفعلي للتحول في منطقة الشرق الأوسط يحمل مشروعاً متكاملاً يتجاوز الملفات التقليدية ليشمل ويمتد إلى ملفات السيادة التكنولوجية والاقتصاد الأخضر والذكاء الاصطناعي. التفاهمات الثنائية الموقعة في واشنطن بشأن نقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعات الدفاعية والاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة ليست مجرد بنود تفاهم تقنية أو اقتصادية، بل هي بلا شك في جوهرها تزامن إجباري للرؤى يخدم مستهدفات رؤية السعودية 2030 المتمثلة في تنويع الاقتصاد وتعزيز دور ورفع مساهمة القطاع الخاص.


تكرس الزيارة مكانة المملكة مركزَ ثقلٍ إقليميٍّ في الشرق الأوسط وضامناً للاستقرار وصاحبة أدوات القوة الناعمة والصلبة الأكثر فاعلية. إن نجاح ولي العهد في إدارة ملفات حساسة وشائكة مثل خفض التوتر والعمل على تحقيق التهدئة في الأزمات الإقليمية يعزز الثقة والقناعة الأمريكية والدولية بأن السعودية هي الشريك الأقدر على ضبط الإيقاع الجيوسياسي.


الرؤية السعودية الجديدة في المنطقة ترتكز على مبدأ التنمية أولاً، فالمملكة تستثمر بشكل كبير في المشاريع العملاقة التي تتخطى الحدود مثل استثمار جغرافي واستراتيجي يستغل موقع المملكة عند ملتقى القارات وتطرح نفسها نموذجاً للدولة المتمحورة حول الكفاءة والابتكار، بدلاً من التمحور حول الصراع الأيديولوجي. هذا التحول هو ما يمنح ولي العهد الثقل الدبلوماسي والمصداقية لتحويل الاجتماعات في واشنطن إلى قرارات استراتيجية طويلة الأمد تؤسس لنمط شراكات تقوم على الثقة المتبادلة والمصالح المستدامة يسمح بصياغة ورسم خريطة لتحالفات إقليمية متوازنة تناسب متطلبات القرن الحادي والعشرين.


لا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن رؤية السعودية 2030، محرك النمو العالمي الجديد، التي أصبحت فعلياً خارطة طريق عالمية لجذب رأس المال العالمي. إن الحديث عن تحويل صندوق الاستثمارات العامة (PIF) إلى منصة استثمارية عالمية وإلى أكبر صندوق سيادي في العالم، كذلك العمل على مشاريع مثل نيوم ومبادرات البحر الأحمر تمثل دعوة مباشرة وعملية للشركات العالمية، للاستثمار في النمو المستقبلي حيث تُقدم السعودية للأسواق العالمية، خاصة الشركات الأمريكية العملاقة في وادي السيليكون والقطاع المالي في وول ستريت، فرصة استثمارية لم يسبق لها مثيل، سوق ناشئة عملاقة يقودها قرار سياسي واستراتيجي واضح. هذا التركيز على الفرص غير النفطية يضمن أن المصالح الأمريكية في المملكة لم تعد رهينة لتقلبات سوق الطاقة التقليدي، بل مرتبطة بمسار نمو مستدام وتحديث اقتصادي مضمون طويل المدى. هذا هو الأسلوب العلمي الذي بلا شك يتفهمه الاقتصاديون وصناع القرار في واشنطن بناء تحالفات مستدامة تُغذى بالتدفقات المالية والتكنولوجية المتبادلة.


ختاماً، أن زيارة ولي العهد إلى الولايات المتحدة هي أكثر من تدعيم لشراكة قائمة إنها عملية صياغة ورسم ملامح القرن الحادي والعشرين وإعادة بناء مفاهيمية للعلاقات الدولية. هي شهادة على أن القوة لا تُقاس فقط بامتلاك الموارد بل تُقاس بالقدرة على التخطيط المستقبلي وتوليد النمو وتنفيذ الرؤى الجريئة والتغيير الجذري. ولي العهد بزيارتة هذا يؤكد مكانة المملكة مُشغلاً دبلوماسياً لا يطلب الدعم، بل يعرض شراكة ندية مُحكمة ومحدّدة الأهداف لبناء أسس استقرار نظام عالمي جديد يقوم على اقتصاد متنوع وتكنولوجيا متقدمة ورؤية طموحة. هذا التحول يضع ولي العهد في موقع مُحدد مسار في أهم عواصم العالم، حيث يتم التفاوض على المستقبل التكنولوجي والاقتصادي للقرن الحادي والعشرين.

00:07 | 24-11-2025

الوعي الإحصائي: بوصلة الرؤية السعودية..!

في ظل ما يشهده العالم من تدفق هائل للبيانات وتطور متسارع في عصر الذكاء الاصطناعي، عصر تتشابك فيه خيوط المعرفة لتشكل نسيجًا معقدًا يبرز الوعي الإحصائي كضرورة حتمية وبوصلة لا غنى عنها، حيث يمثل الإحصاء لغة عالمية تُمكننا من قراءة العالم وفهم إيقاعاته الخفية. لذا لم يعد مجرد مهارة أو أمرًا مقتصرًا على الأكاديميين أو المتخصصين في تحليل البيانات، بل أصبح مهارة أساسية لا غنى عنها توازي أهمية القراءة والكتابة لكل فرد ومجتمع يمكنه من التنقل في هذا المحيط الرقمي بنجاح. إن امتلاك خلفية إحصائية أصبح ضرورة لكل فرد في المجتمع ليتخذ قرارات مستنيرة في حياته اليومية والمهنية، ومفتاحا أساسيا للتمكين، خصوصًا للشباب الذين يمثلون قادة الغد وصناع مستقبله. إن القدرة على فهم الأرقام، قراءة وتحليل الاتجاهات، وتقييم المعلومات المعروضة في سياقات مختلفة واستخلاص النتائج منها هي المفتاح لفك شفرة تحديات العصر الرقمي، من رسم السياسات الاقتصادية إلى تطوير المدن الذكية.

تبدأ رحلة بناء الوعي الإحصائي من اللبنة الأساسية في المجتمع، الأسرة والمدرسة حيث يقع على عاتق الآباء والمعلمين مسؤولية كبيرة في غرس بذور التفكير الإحصائي في عقول الأجيال الناشئة. يكمن التحدي الأكبر في كيفية غرس هذا الوعي الإحصائي فيهم، لذا يجب أن تأخذ وزارة التعليم زمام المبادرة في إحداث ثورة في مناهج الإحصاء، بدءًا من المراحل الأولية، حيث لابد أن تتجاوز مناهجنا الدراسية مجرد تلقين المفاهيم الإحصائية الجافة، لتتحول إلى تجارب تعليمية حية تبرز الأهمية العملية للبيانات والإحصاء في حياتنا اليومية عبر التعلم التفاعلي. لذلك، بدلًا من مجرد تدريس المفاهيم النظرية ينبغي إشراك الطلبة في مشاريع عملية بسيطة تتضمن جمع بيانات من محيطهم، تحليلها وتقديم النتائج، مع ربط الإحصاء بالحياة اليومية لإظهار كيف يمكن أن يساعد في اتخاذ قرارات بسيطة، مثل تنظيم المصروف اليومي أو فهم نسب الفوز في الألعاب الرياضية والإلكترونية. يجب على المعلم أن يكون المُلهم، وأن يربط بين المفاهيم الإحصائية المجردة والواقع المعيش، كما تقع على عاتق الأسرة مسؤولية في تعزيز هذا الوعي، حيث يمكن للآباء تشجيع الأبناء على تحويل المواقف اليومية إلى فرص لتعزيز التفكير الإحصائي، كتحليل ميزانية الرحلات العائلية أو مقارنة أسعار المنتجات. فالأب والمعلم كلاهما يُسهمان في بناء جيل قادر على التفكير الإحصائي المستنير بالبيانات.

أما الجامعات، فتمثل الشريك الأهم في هذا التحول والركيزة الأساسية في إعداد جيل مؤهل للتعامل مع التحديات والفرص التي يتيحها عصر البيانات، حيث يجب على الجامعات أن تُعيد هيكلة برامجها الأكاديمية لتُصبح أكثر تركيزًا على التفكير الإحصائي والبيانات. هذا يتطلب ليس فقط استحداث وتطوير برامج ومسارات متخصصة في علوم البيانات، التحليلات الإحصائية المتقدمة وذكاء الأعمال، بل أيضًا إدخال مفاهيم الوعي الإحصائي كجزء لا يتجزأ من جميع التخصصات، بغض النظر عن طبيعتها. ولتلبية احتياجات سوق العمل المتغيرة، يجب أن تخضع المناهج الإحصائية لعملية تقييم وتطوير مستمرة، تضمن تحديثها بما يتوافق مع أحدث التقنيات والمنهجيات. كما ينبغي أن تركز المناهج على التطبيق العملي والمحاكاة الواقعية، من خلال تدريب الطلبة على حالات واقعية، باستخدام مجموعات بيانات حقيقية من القطاع الحكومي والخاص.

في ظل المتطلبات لمشاريع رؤية السعودية 2030 الطموحة، مثل نيوم، البحر الأحمر، القدية، وغيرها من المشاريع التي تتجاوز مجرد التخطيط الهندسي، بل تستلزم قدرة استثنائية على جمع وتحليل كميات ضخمة من البيانات المتعلقة بالبنية التحتية، الاستهلاك، البيئة، وحتى سلوك السكان. هذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال كوادر وطنية مؤهلة تأهيلًا عاليًا في علوم الإحصاء والبيانات. فالمشاريع العملاقة تحتاج إلى نمذجه إحصائية دقيقة للتنبؤ بالاحتياجات المستقبلية، وتقييم المخاطر وتحسين الكفاءة التشغيلية. إن تدريب الطلبة قبل التخرج على حالات واقعية سيصقل مهاراتهم ويجعلهم جاهزين للانخراط في هذه المشاريع الطموحة فور تخرجهم.

في الختام، بات دمج الإحصاء في نسيجنا التعليمي من المراحل المبكرة أمرًا بالغ الأهمية، حيث إن بناء جيل يتمتع بوعي إحصائي هو مشروع وطني واستثمار إستراتيجي في مستقبل الوطن يتطلب تضافر جهود الجميع من الآباء والمعلمين إلى واضعي الخطط التعليمية وبرامج الجامعات. عندما نمتلك جيلاً واعياً قادراً على قراءة وتفسير البيانات، فإننا نكون قد وضعنا اللبنات الأساسية لمجتمع أكثر قدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة وأن يبني مستقبله على أسس صلبة من المعرفة. إن الإحصاء هو لغة المستقبل التي يجب أن يتقنها الجميع. فلنبادر إلى تسليح أجيالنا القادمة بهذه الأداة القوية للمساهمة بفاعلية في تحقيق أهداف رؤية سمو ولي العهد الطموحة، رؤية السعودية 2030 وتحويل التحديات الرقمية إلى فرص للنمو والابتكار تضمن لهم مستقبلاً متميزًا في عالم يتشكل على إيقاع البيانات.
20:32 | 6-08-2025

المملكة تتصدر مشهد الإحصاء العالمي

في مشهد يعكس تحولًا جذريًا لملامح السعودية، وفي سياق التحولات الكبرى التي تشهدها، مدفوعة برؤية طموحة يقودها الأمير محمد بن سلمان، لم يعد الحديث عن السعودية مقتصرًا على الذهب الأسود وثقله الاقتصادي التقليدي. اليوم، تبرز السعودية كلاعب محوري في ميدان بالغ الأهمية، غالبًا ما يبقى خلف الكواليس ولكنه يشكّل عصب التنمية والتقدم: عالم الإحصاء والبيانات. ففي خطوة تاريخية تؤكد مكانتها المتنامية وتأثيرها المتصاعد على الساحة الدولية، يظهر إنجاز جديد يضاف إلى سجلها الحافل، ولكنه يحمل في طياته دلالات إستراتيجية تتجاوز حدود القطاع الإحصائي التقليدي.

حيث حصدت السعودية ممثلة في الهيئة العامة للإحصاء، بعد منافسة دولية قوية، حق استضافة منتدى البيانات العالمي لعام 2026. هذا الفوز يمثل علامة فارقة ويحمل في طياته دلالات عميقة، فهو ليس مجرد خبر عابر لفوز بتنظيم فعالية عالمية مرموقة أو محطة عابرة في مسيرة التنمية، بل هو إعلان مدوٍ عن ريادة سعودية جديدة وتتويج لريادة صاعدة واعتراف دولي صريح بالريادة الإحصائية التي باتت تتبؤوها السعودية ومكانتها كمرجع فاعل رئيسي ومصدر موثوق للمعرفة الإحصائية. إنه بمثابة شهادة اعتماد عالمية للمنهجية السعودية المتطورة في جمع وتحليل واستخدام البيانات، وهي المنهجية التي ارتقت بالعمل الإحصائي من مجرد جمع للبيانات إلى محرك إستراتيجي للتخطيط والتنمية المستدامة.

لم يكن هذا التتويج والإنجاز الرفيع وليد الصدفة أو يأتي من فراغ، بل هو انعكاس لرؤية استشرافية قوامها رؤية طموحة يقودها سمو ولي العهد، تدرك أن «لغة الأرقام» هي الأساس المتين الذي تُبنى عليه القرارات الرشيدة والأصدق والأكثر دلالة في قياس التقدم وتقويم الأداء وتُقاس به منجزات الدول، وثمرة جهود مؤسسية دؤوبة وحثيثة وإستراتيجية واضحة المعالم تضع السعودية في مصاف الدول المتقدمة في هذا المجال الحيوي وتترجم الرؤية الثاقبة لسمو ولي العهد في تحويل السعودية من أرض الصحراء الشاسعة إلى ثقل عالمي مؤثر في شتى القطاعات، ولم يكن الإحصاء، بما يمثله من عصب حيوي للتخطيط والتنمية واتخاذ القرارات المستنيرة، بمنأى عن هذا التحول النوعي.

فمنذ أن أشرقت شمس رؤية السعودية 2030، أولت القيادة الرشيدة اهتمامًا استثنائيًا بتطوير البنية التحتية الإحصائية، إيمانًا راسخًا بأن البيانات الدقيقة والشفافة هي الوقود الحقيقي لمحركات التنمية المستدامة. حيث شهد القطاع الإحصائي في السعودية نقلة نوعية جذرية ولم تعد البيانات مجرد أرقام تُجمع وتُعرض بشكل تقليدي، بل أصبحت لغة القرار وعقل التنمية. المتأمل في مسيرة التحول الوطني يدرك أن السعودية لم تعد تكتفي بدور المستهلك للبيانات، بل قفزت خطوات واسعة لتتبوأ موقع المنتج والمصدر للمعرفة الإحصائية الموثوقة، تجسّد ذلك في بناء وتطوير منظومة إحصائية عصرية متكاملة، ترتكز على أحدث المنهجيات والتقنيات وأفضل الممارسات والمعايير الدولية وأكثرها دقة، وتنتج 39 منتجًا إحصائيًا عالي الجودة تستند إلى بيانات دقيقة وشفافة تغطي كافة القطاعات الوطنية ومختلف جوانب الحياة. هذا الاهتمام الدقيق بالتفاصيل والالتزام بالشفافية والصدق المنهجي وهذه القفزة النوعية لم تكن هدفًا بحد ذاته، بل كانت أداة إستراتيجية مكنت السعودية من تحقيق إنجازات مبهرة على صعيد تحقيق مستهدفات الرؤية، حيث تجاوزت نسبة الإنجاز 93% في عام 2024، وهو رقم يتحدث عن قوة التخطيط ودقة التنفيذ المستند إلى بيانات موثوقة تمثل الوقود الحقيقي لهذا التقدم. ويعكس قوة الأساس الذي تستند إليه هذه الطموحات. إن هذا الإنجاز يعزز قناعة راسخة بأن الطموحات الكبرى لرؤية 2030 لم تكن مجرد أحلام، بل تستند إلى قراءة دقيقة للواقع، مدعومة بمنظومة إحصائية متطورة وقادرة على توفير البيانات الموثوقة التي تدعم عملية صنع القرار بكفاءة وفاعلية. فاليوم، نشهد الأرقام تتحدث عن قصة نجاح سعودية استثنائية، حيث تسبق الإنجازات المواعيد المحددة، وتتحول الطموحات إلى حقائق ملموسة.

إن استضافة منتدى البيانات العالمي 2026 تضع السعودية في قلب المشهد الإحصائي الدولي، محط أنظار الخبراء والباحثين وصناع القرار من مختلف أنحاء العالم. هذه ليست فقط فرصة لعرض التجربة السعودية الرائدة في تطوير القطاع الإحصائي وبناء منظومة إحصائية حديثة وفعالة، بل هي أيضًا منصة للتبادل المعرفي والإسهام في رسم ملامح مستقبل العمل الإحصائي على المستوى الدولي.

بعيدًا عن الصورة النمطية لدولة تعتمد على ثرواتها الطبيعية فقط، تقدم السعودية اليوم نفسها للعالم كقوة صاعدة وفاعلة في صناعة المعرفة والابتكار في مجال الإحصاء والبيانات. إنها قصة تحول ملهمة واستثنائية، يقودها طموح قيادة لا يعرف المستحيل ولا يحده سقف، ورؤية إستراتيجية تضع الإحصاء في صميم عملية التنمية وبناء المستقبل. ففي السعودية الجديدة، لم تعد الأرقام مجرد إحصائيات جامدة أو تفاصيل هامشية، بل أصبحت لسانًا يعبر عن طموحات وطن، وشاهدًا على إنجازات قيادة، وبوصلة ترشد الخطى نحو مستقبل مزدهر ومستدام. وعندما تتحدث الأرقام بمصداقية وشفافية، فإنها تسكت كل الأصوات المشككة، وتعلن بوضوح أن حلم الريادة السعودية لم يعد مجرد طموح، بل واقع يتجسد يومًا بعد يوم. إن السعودية، بقيادة طموحة ورؤية واضحة، لم تكتفِ بتحقيق إنجازات نوعية على الصعيد المحلي، بل تخطت ذلك لتتبوأ مكانة مرموقة على الخريطة الإحصائية العالمية. وباستضافتها لمنتدى البيانات العالمي 2026، فإنها تؤكد للعالم أنها ليست فقط قوة اقتصادية وسياسية مؤثرة، بل أيضًا مركز عالمي للمعرفة الإحصائية والابتكار في مجال البيانات. هذا الإنجاز هو شهادة حية على أن الاستثمار في بناء منظومة إحصائية قوية ومتطورة هو استثمار في مستقبل الوطن وازدهاره، وهو ما أدركته القيادة الرشيدة فكان هذا التميّز الدولي ثمرة هذا الإدراك العميق.
00:09 | 8-07-2025