في مناسبة يوم الجمهورية الهندية الـ77 المجيد، أتقدم بأصدق التهاني الحارة إلى الجالية الهندية، وأصدقاء الهند في المملكة العربية السعودية.
في 26 يناير 1950، دخل دستور الهند حيز التنفيذ في لحظة تاريخية حولت أمة مستقلة حديثاً إلى جمهورية سيادية ديمقراطية تسترشد بالمبادئ الخالدة المتمثلة في العدالة والحرية والمساواة والأخوة وتستمر هذه القيم الأساسية في تشكيل مسيرة الهند الوطنية وتفاعلها مع العالم.
تقف الهند اليوم كأمة يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة، فخورة بحضارتها القديمة وواثقة في تطلعاتها الحديثة. إنها بلد يجمع بين التقاليد والابتكار، والروحانية والعلم، والتنوع والوحدة كونها واحدة من أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً في العالم إلى بروزها كقائد عالمي في التكنولوجيا والابتكار الرقمي واستكشاف الفضاء والطاقة المتجددة والتنمية الشاملة ويرتكز تقدم الهند بثبات على قوة مؤسساتها.
تحتل الهند اليوم المرتبة الرابعة بين أكبر الاقتصادات في العالم، بإجمالي ناتج محلي يتجاوز 4 تريليونات دولار، وأصبح هذا المسار الاقتصادي الاستثنائي ممكناً بفضل عبقرية شعبها، وبفضل الأسس الاقتصادية الكلية القوية، والإصلاحات الهيكلية المستمرة، ونظام ريادة أعمال نابض بالحياة. بينما تباطأ معدل النمو العالمي، حقق نمو الهند الذي يقترب من 8% موقعها كمركز عالمي للتصنيع والابتكار والشركات الناشئة والتحول الرقمي، وتعيد الاستثمارات الرائدة في البنية التحتية -الطرق السريعة والموانئ والمطارات واللوجستيات- تشكيل الأمة وتعزز اندماجها في سلاسل التوريد العالمية.
--
قمة تأثير الذكاء الاصطناعي
--
من السمات المميزة لتحول الهند قيادتها في الاقتصاد الرقمي، من خلال المبادرات في البنية التحتية العامة الرقمية والشمول المالي والحوكمة المدعومة بالتكنولوجيا. ومكّنت الهند الملايين، وعززت الشفافية، وحسّنت بشكل كبير سهولة ممارسة الأعمال، وتنتقل قيادة الهند في الاقتصاد الرقمي الآن إلى مجالات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي، وستستضيف قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في فبراير في نيودلهي، وتجمع قادة عالميين وخبراء صناعة وباحثين حول مواضيع الشعوب والكوكب والتقدم، لمناقشة الآثار العملية والمجتمعية للذكاء الاصطناعي. ستركز القمة على تعزيز تطوير الذكاء الاصطناعي المسؤول والشامل، مع تسليط الضوء على إمكاناته في دفع النمو المنصف ومعالجة التحديات العالمية عبر القطاعات، مع التركيز على دور الجنوب العالمي.
يسترشد تقدم الهند برؤية وطنية ملهمة تُدعى «فيكسيت بهارات» (الهند المتطورة)، الهدف المتمثل في تحويل الهند إلى أمة متطورة بالكامل بحلول عام 2047، الذي يصادف مرور 100 عام على الاستقلال. تؤكد رؤية فيكسيت بهارات على النمو الشامل والاستدامة والابتكار وتمكين الشباب والتنمية المتمحورة حول الإنسان، مما يضمن ترجمة التقدم الاقتصادي إلى فرص للجميع دون إهمال أحد.
مع السعي نحو التنمية في الداخل، تلتزم الهند بتعميق شراكاتها في الخارج، ويحظى التركيز الخاص بالعلاقات القديمة بين الهند والمملكة العربية السعودية، المبنية على الثقة المتبادلة والصداقة، والتي نمت على مدى قرون من التجارة البحرية والتبادلات بين الشعوب. اليوم، كشريكين إستراتيجيين، تعمق الهند والمملكة العربية السعودية تعاونهما عبر قطاعات متعددة، مرسّمين مساراً مشتركاً نحو الازدهار والتقدم والسلام.
وخلال العام الماضي، اكتسب التواصل الثنائي زخماً متجدداً مع الزيارة التاريخية لدولة رئيس الوزراء الموقر السيد ناريندرا مودي إلى جدة في أبريل، حيث عقد الاجتماع الثاني لمجلس الشراكة الإستراتيجية وكان من النتائج المهمة قرار توسيع المجلس ليشمل لجنتين وزاريتين إضافيتين بشأن الدفاع؛ والسياحة والثقافة، مما يعكس الطموح المشترك لرفع مستوى الشراكة أكثر.
--
ركيزة مركزية في الشراكة
--
تظل العلاقة الاقتصادية ركيزة مركزية في الشراكة. تبقى الهند الشريك التجاري الثاني للمملكة العربية السعودية، بينما تعد المملكة الشريك التجاري الخامس للهند. خلال السنة المالية 2024-2025، بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 42 مليار دولار أمريكي. وبينما تبقى المملكة العربية السعودية محورية لأمن الطاقة لدينا، توجد أيضاً روابط تجارية قوية في قطاعات مثل الأغذية والأسمدة والكيماويات والآلات والإلكترونيات والأدوية والمنسوجات والمجوهرات وغيرها. وازدهرت الشركات الهندية في المملكة، إذ يوجد أكثر من 5000 شركة هندية مسجلة ونشطة في المملكة، وكثير منها يعمل في قطاعات مثل التجزئة والرعاية الصحية والبناء والتكنولوجيا المعلوماتية.
وقدمت مجموعة العمل الرفيعة المستوى بشأن الاستثمار، التي اجتمعت قبل زيارة دولة رئيس الوزراء إلى جدة بوقت قصير، نتائج مهمة، بما في ذلك قرارات بشأن مصفاتي نفط مشتركتين في الهند، إلى جانب مجموعة من إجراءات تسهيل الاستثمار، بما في ذلك امتيازات خاصة للكيانات السيادية السعودية مثل صندوق الاستثمارات العامة (PIF). وتشير هذه النتائج إلى تكامل المصالح، إذ يتوافق مسار التنمية في الهند بشكل وثيق مع تطلعات المملكة العربية السعودية في إطار رؤية 2030، مما يخلق نطاقاً هائلاً لتعاون أعمق في انتقال الطاقة والهيدروجين الأخضر وتصنيع الدفاع والبنية التحتية والخدمات المالية والتكنولوجيا والضيافة والسياحة وغيرها. يمكن لأمتينا معاً أن تساهما بشكل هادف في النمو العالمي والاستقرار الاقتصادي.
--
تواصل رفيع المستوى
--
يعكس التواصل رفيع المستوى الثقة والتفاهم المتبادلين، وفي عام 2025 استضافت السعودية وزراء هنوداً، بما في ذلك وزراء الكيماويات والأسمدة، والمناجم والمعادن، والقانون والعدل، والثقافة والسياحة، وشؤون الأقليات. ومن الجانب السعودي، زار الهند وزراء الصناعة والثروة المعدنية، والاستثمار، والتعليم، ما يبرز كثافة وعرض التبادلات رفيعة المستوى، كما استضافت الهند الزيارة الأولى للجنة الصداقة البرلمانية السعودية-الهندية من مجلس الشورى.
كما شهد العام أيضاً علامة فارقة في الشراكة الدفاعية، تمثلت في الزيارة الرسمية الأولى على الإطلاق إلى الهند لرئيس هيئة الأركان العامة السعودي.
ساهمت الجالية الهندية الكبيرة والمتنامية في المملكة العربية السعودية -والتي يتجاوز عددها الآن 2.7 مليون نسمة- بإسهامات واسعة في تنمية المملكة من خلال عملهم الجاد وتفانيهم، وتواصل الجالية تعزيز التفاهم المتبادل والتعاون بين الهند والمملكة، وتبقى السفارة على تواصل وثيق مع الجالية، تقدم الخدمات الأساسية وعاملة إلى جانبهم لتعزيز الثقافة الهندية وتقوية الصداقة الثنائية. وفي هذا الإطار، نظمت السفارة الدورة الثالثة من المهرجان الثقافي الأسبوعي «برافاسي باريتشاي»، الذي شهد مشاركة واسعة من الجالية الهندية، وتمثيلاً لأكثر من 20 ولاية هندية.
وبرز فنانون وفرق ثقافية هندية خلال موسم الرياض 2025، بما في ذلك من خلال مبادرة الانسجام العالمي في حديقة السويدي، مما يبرز التراث الثقافي الغني والمتنوع للهند.
وبإرشاد رؤية القيادة في البلدين، تعمقت الشراكة بين الهند والسعودية بشكل كبير في السنوات الأخيرة، مع وضع أهداف طموحة للتوسع والتنويع عبر قطاعات متعددة. ومع ذلك، لا يمكن أن يصرف تقدمنا الانتباه عن الإمكانات الهائلة التي لا تزال قائمة، وبينما أكمل ثلاث سنوات كسفير للهند في هذا البلد الجميل، أظل ممتناً بعمق لأعضاء المجتمع السعودي والجالية الهندية على كرمهم وحفاوتهم ودعمهم في تعزيز العلاقات الهندية-السعودية ورفعها إلى آفاق جديدة. كما أدعو أصدقاءنا السعوديين لزيارة الهند واستكشاف ثقافتها الغنية وتراثها وأطعمتها وضيافتها.
باسم حكومة وشعب الهند، والجالية الهندية في المملكة، أتقدم بأصدق التمنيات إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وإلى ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، بالسلام والتقدم والازدهار المستمر للمملكة العربية السعودية، وأعبر عن الامتنان الصادق للعناية بالجالية الهندية في المملكة.
عاشت الصداقة الهندية-السعودية طويلاً.