كانت الرحلات الجوية شكلاً من أشكال «العزلة الاختيارية» التي يفرضها الواقع.. عزلة يدخلها المسافر حين يغلق هاتفه أو يضعه على «وضع الطيران» ويستسلم لإيقاع أزيز المحركات وحفيف الهواء.

كان الانفصال عن العالم جزءاً من تجربة السفر، فسحة زمنية خارج الشبكة، بلا إشعارات ولا مكالمات.

هذا المشهد بدأ يتغيّر مع انتشار الإنترنت عالي السرعة على متن الطائرات، تحوّلت كابينة الركاب من مساحة (أوفلاين) إجبارية، إلى بيئة متصلة بالعالم على مدار اللحظة.

هذا التحوّل، على الرغم من كونه قفزة في رفاهية السفر، إلا أنه يفتح الباب لتحديات أخلاقية وسلوكية جديدة، فكيف يمارس الراكب حقه في الاتصال دون أن يصادر حق الآخرين بالهدوء؟

الطائرة ليست مقهى ولا حديقة ولا حتى مساحة عمل، هي بيئة مغلقة، ضيّقة نسبياً، يتشاركها غرباء من كل المستويات لساعات عدة، ويُجبرون بحكم الواقع على القرب المكاني والسمعي والبصري، هنا يفقد البصر حدوده العادية ويتعرّض السمع لإزعاج قسري.

توفر الإنترنت المجاني ربما يخلق نوعاً من «السيولة السلوكية»؛ لأن المسافر صار متاحاً للمكالمات والبث المباشر والردود الفورية، وكأن الطائرة امتداد لغرفته الخاصة.

المشكلة ليست في التقنية ذاتها، بل في نسيان السياق الذي تُستخدم فيه، وتتجلى الإشكالية في المكالمات الصوتية والمرئية والبث المباشر.

تخيّل رحلة ليلية طويلة، وأضواء المقصورة خافتة، والركاب يحاولون النوم، فيما أحدهم يجري بثاً مباشراً ليحكي تفاصيل وجبته بصوت مرتفع، هذا «تلوث ضوئي وسمعي» مستفز، ما يجعل خفض السطوع وتفعيل الوضع الليلي سلوكاً واجباً لمراعاة الجار الذي يحاول أن يغفو على بُعد سنتيمترات، ليس من حق أحد أن يجعلك خلفية فلوق أو قصة، ولا أن يوضع طاقم الطائرة في محتوى لا علاقة لهم به.

التحدي يمتد ليشمل «الأمان الرقمي»، فالمسافر الذي يحوّل مقعده لمكتب عمل مفتوح، يعرّض بيانات شركته لنظر المتطفلين، كما أن إجراء اجتماعات العمل عبر «التطبيقات» ينتهك خصوصية الهدوء وخصوصية المعلومات.

أيضاً، لا يقلّ الإزعاج السمعي في الألعاب الإلكترونية الجماعية عن المكالمات، فحماس الأطفال أو الشباب أثناء اللعب قد يكون عادياً في المنزل، لكنه داخل الطائرة سيكون فوضى، مما يجعل استخدام سماعات الرأس التزاماً أخلاقياً، كما أن وضع الأجهزة على الصامت هو أبسط قواعد الذوق؛ لأن صوت التنبيهات في مقصورةٍ هادئة صداع غير مبرر.

الإنترنت فوق السحاب نعمة حقيقية تكسر عزلة السفر، لكنها دون «إتيكيت رقمي» قد تتحوّل إلى مصدر احتكاك يفسد التجربة ويقتل لحظات التأمل التي كانت تمنحها الرحلات سابقاً، والمسؤولية هنا تقع على المسافر وشركات الطيران، فالشركات مطالبة بصياغة ميثاق سلوك واضح يبدأ بتنبيهات قبل الإقلاع، وقد يصل مستقبلاً إلى تخصيص «مناطق صامتة» تمنع فيها الضوضاء الرقمية تماماً.

أن نكون «متصلين بالعالم» أمر رائع، لكن الأهم أن نظل «متصلين بإحساسنا بالآخرين» وبحقهم في السكينة، حتى ونحن نحلّق فوق الغيوم.