بمقاله المنشور بصحيفة «عكاظ»، يطرح الكاتب عبدالله بن بخيت سؤالاً يبدو لغوياً في ظاهره، لكنه في حقيقته سؤال وجودي عميق: ما هو السلام الإبراهيمي؟
وهو سؤال لا يُقصد به التعريف، بل التفكيك، ولا يستهدف السياسة وحدها، بل الذاكرة، والعقيدة، وسردية التاريخ!
اللافت في طرح بن بخيت أنه يميّز بوعي دقيق بين سلام الضرورة السياسية وسلام الشرعية الوجودية...
الأول عرفته العلاقات الدولية منذ معاهدة كامب ديفيد ووادي عربة، حيث تُدار المصالح وتُضبط النزاعات دون مطالبة الشعوب بإعادة كتابة ذاكرتها.
أما الثاني، وهو جوهر ما يُسمى اليوم «السلام الإبراهيمي»، فيتجاوز السياسة إلى محاولة إعادة هندسة الوعي، ونقل الاعتراف من مستوى الدولة إلى مستوى العقيدة والتاريخ والوجدان الشعبي.
هنا تكمن الخطورة، لا في السلام ذاته، بل في الصفة الإبراهيمية التي أُلحقت به! فإبراهيم، في الوعي الإسلامي، ليس شخصية تاريخية قابلة للتفاوض، بل أصل عقدي محدد بنص قرآني قاطع: «ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً».
بينما يُستدعى إبراهيم آخر في الخطاب التوراتي، إبراهيم العهد والأرض والامتلاك الأبدي... فالفارق بين الإبراهيمين ليس تفصيلاً لاهوتياً، بل فارق سياسي حضاري: أحدهما يوحّد على أساس التوحيد، والآخر يُوظَّف لتبرير الجغرافيا بالقَدَر.
ما يلفت الانتباه، كما أشار أُستاذي بن بخيت بذكاء، أن دولاً مسلمة أقامت علاقات استراتيجية كاملة مع إسرائيل، دون أن يُطلب منها «سلام إبراهيمي»! ما يعني أن المسألة ليست علاقات دول، بل إعادة تعريف الصراع نفسه: من صراع سياسي قابل للحل، إلى صراع سرديات يُراد حسمه لصالح رواية واحدة.
وهنا تصبح الأسئلة التعليمية، لا الدبلوماسية، هي الأخطر:
كيف سنروي التاريخ لأطفالنا؟
من هو صلاح الدين في كتب الغد؟
وما معنى القدس إذا تغيّر تعريف التحرير والاحتلال؟
السلام الحقيقي لا يُبنى على محو الذاكرة، ولا على استدعاء الأنبياء كشهود زور في نزاع سياسي معاصر... والسلام الذي يحتاج إلى تغيير ثقافة الآخر، ليس سلاماً، بل مشروع إعادة تشكيل.
أصاب عبدالله بن بخيت حين جعل السؤال هو المقال، وترك الإجابة مفتوحة، لأن أخطر ما في «السلام الإبراهيمي» ليس ما يعلنه، بل ما يفترضه ضمناً: أن التاريخ قابل للتعديل، وأن الدين قابل للتكييف، وأن الوعي الجمعي يمكن إعادة برمجته باتفاقيات.
التاريخ يا أنتم، لا يرحم من يخطئ في تعريف نفسه..