تعقد دول مجلس التعاون الخليجي قمتها في البحرين هذا العام في لحظة سياسية واقتصادية شديدة الحساسية، وفي بلد عُرف تاريخياً بقدرته على التوفيق وتذليل الخلافات وصياغة الحلول الهادئة. وبين آخر قمة حضرتها في المنامة قبل 15 عاماً وعودتي اليوم، يتأكد أن ثبات هذا المجلس، وهو يقترب من عامه الـ50، ليس أمراً عابراً، بل تعبير عن إرادة سياسية راسخة في البقاء إطاراً موحداً رغم تغيّر الظروف وتعدّد الضغوط.
تنعقد القمة في وقت تتشابك فيه الأزمات من شمال المنطقة إلى شرقها وغربها، وتتقاطع مصالح القوى الدولية على أرض الشرق الأوسط. ورغم ذلك، أثبتت دول الخليج خلال العقد الأخير أنها انتقلت من موقع المتلقي للتطوّرات إلى موقع الفاعل المؤثر القادر على صياغة المبادرات وبناء الاستقرار. وقد عزّزت سياساتها الخارجية الأكثر استقلالية هذا الدور، خصوصاً مع تراجع مستويات الاعتماد التقليدي على القوى الكبرى في إدارة الأمن الإقليمي.
ويبرز في هذا السياق التحوّل الأعمق في مفهوم الأمن الخليجي نفسه. فقد أظهرت السنوات الأخيرة أن التهديدات العابرة للحدود -من الهجمات السيبرانية إلى الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة- لا يمكن التعامل معها بمنظور وطني ضيق، بل بمنظور جماعي يعتمد على منظومة ردع مشتركة. وهنا يصبح توحيد الرؤى داخل مجلس التعاون ليس خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة أمنية لضمان فعالية الردع وتعزيز الحماية الإقليمية.
كما تواجه دول الخليج اليوم تنافساً استثمارياً دولياً متجدّداً على المنطقة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا. هذا التنافس منح الدول الخليجية هامشاً واسعاً للمناورة، لكنه في المقابل يفرض عليها قراءة متسقة لهذا المشهد الدولي حتى لا تتحوّل الاختلافات في السياسات الخارجية إلى نقاط ضعف تستغلها القوى المنافسة. فالمطلوب ليس التطابق في المواقف بقدر ما هو انسجام في الرؤية الاستراتيجية يضمن الحفاظ على استقلالية القرار الخليجي.
وتتزامن هذه التحوّلات مع تغيّرات كبرى في أسواق الطاقة العالمية. فالانتقال التدريجي نحو الطاقة النظيفة يفرض على دول الخليج إعادة تعريف موقعها الاقتصادي، وهو ما يفسّر إعلان الأمين العام للمجلس السيد جاسم البديوي عن طموح الدول الست لأن تكون «عاصمة للذكاء الاصطناعي». فالذكاء الاصطناعي هنا ليس مشروعاً تقنياً فقط، بل خيار استراتيجي لتحويل القوة الخليجية من قوة تعتمد على الموارد الطبيعية إلى قوة تعتمد على المعرفة والابتكار، بما يضمن استمرار نفوذها في عالم يعاد تشكيله.
إن قمة البحرين، بكل معانيها، ليست مجرد محطة بروتوكولية، بل اختبار لقدرة مجلس التعاون على المواءمة بين تحديات الداخل وتحوّلات الخارج. وإذا نجحت في تعزيز التنسيق السياسي، وتوحيد الرؤية الأمنية، ومواصلة التحوّل نحو اقتصاد المستقبل، فإنها ستؤسّس لمرحلة خليجية جديدة أكثر وحدة وتأثيراً واستقراراً.