تعيش الساحة في هذه المرحلة حراكاً فنياً متنوعاً وملحوظاً، بل يمكن وصفه بأنه ظاهرةً ثقافيةً أعادت للفنون بمختلف ألوانها حضورها ومكانتها. فبعد سنوات كان فيها الاهتمام ينصب على بعض الفنون بينما تتوارى أخرى لأسباب وظروف مختلفة، أصبحنا اليوم نرى المشهد الفني أكثر تنوعاً وانفتاحاً، إذ حضرت الفنون بمختلف أشكالها في وسائل الإعلام، وتصدرت المشهد في العديد من المحافل والفعاليات الفنية المنتشرة في مختلف أنحاء الوطن.

لكن رغم هذه التحولات الإيجابية لا تزال هناك قضية تستحق التوقف عندها بجدية، وهي قضية الفنانين الذين ظلوا خارج دائرة الضوء، بعيداً عن الاهتمام الذي يستحقونه، مع ما يمتلكونه من تاريخ وإبداع يستحق التقدير. فهناك فنانون أفنوا سنواتٍ طويلةٍ في خدمة الفن وتركوا بصماتٍ واضحةً في مسيرته، ومع ذلك لا يجد بعضهم اليوم الفرصة الكافية لممارسة نشاطهم بالشكل الذي يليق بتاريخهم ومكانتهم، وهناك من تسند إليهم أدواراً محدودةً لا تتناسب مع قدراتهم وخبراتهم، فيما ابتعد آخرون عن الساحة تماماً لعدم وجود جهة تحتضن مواهبهم أو مساحةً فنيةً تمنحهم فرصةً حقيقيةً.

في المقابل قد نشاهد أحياناً أسماء تتكرر في الساحة وتحظى بمساحاتٍ واسعةٍ من الحضور الإعلامي، في حين تبقى أسماء أكثر خبرة وتجربة بعيدة عن الأضواء. وهنا لا يتعلق الأمر بإقصاء أحد، أو التقليل من قيمة أي فنان، بقدر ما يتعلق بضرورة تحقيق قدر أكبر من التوازن والإنصاف في منح الفرص، بحيث يكون الحضور قائماً على الموهبة والخبرة والعطاء، لا على الحضور وحده.

إن المرحلة الحالية بما تحمله من حراكٍ فنيٍ واسعٍ، تستحق أن تكون فرصةً لإعادة اكتشاف هؤلاء الفنانين وتسليط الضوء على تجاربهم، وإتاحة المجال أمامهم للعودة إلى الساحة على نحوٍ يليق بما قدموه طوال سنواتٍ من الإبداع والإسهام الفني. ومن هنا فإن المسؤولية تقع على عاتق الجهات المعنية والمؤسسات الفنية والإعلامية في فتح الأبواب أمام جميع المواهب، وعدم ترك فئةً من الفنانين خارج دائرة الاهتمام. والمطلوب ليس أكثر من عدالةٍ في الفرص، وإنصاف للمبدعين، ووضع كل فنان في المكان الذي يتناسب مع قدراته وتاريخه وإمكاناته.

أما النجومية الحقيقية فيجب أن تبقى في النهاية للجمهور، فهو القادر على التمييز، وهو صاحب الكلمة في اختيار من يستحق أن يتصدر المشهد ويصبح نجماً حقيقياً في الساحة. والفن ليس امتيازاً لفئة دون أخرى، بل حقٌ مشروعٌ لكل موهبةٍ تستحق أن تجد طريقها إلى الضوء. وحين تتساوى الفرص سيظهر الأجدر، وحين يُنصف الفنان يُنصف الفن معه.