أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/global_files/author-no-image.jpg?v=1

محمد الرطيان

درب من العشق لا درب من الحجر

(1)
ألف جسر قبل هذا الجسر يربط السعودية ومصر.
هل قلت: السعودية (و) مصر؟
اشطبوا حرف (الواو) فهو دخيل على هذه الجملة!
(2)
كتبت عن مصر التي أحبها، وقلت:
أنا رجل أعشق مصر..
لم يكن السبب فتاة من «المنصورة» اختلطت فيها الأعراق فشكّلت حُسناً خرافياً، ولم يحدث لي مثلما حدث لسنتياغو - بطل رواية الخيميائي - عندما سحرته فتاة من «الفيوم»، ولم يسبق لي أن شربت من مياه النيل... النيل لا ينتظرك لتذهب إليه، لو فتحت أي شباك في أي بيت عربي سترى النيل يجري: أغنيات ومواويل وقصائد وهدير وصهيل وحكايات مجد ووجد ونخيل.
لا يحتاج العربي أن يذهب إلى مصر.. مصر تأتي إليه في عقر داره:
من منّا لم يُصب بوجع الشجن المنبعث من نايها وكمانها؟
من منّا لم يسبق له أن عالجه أحد أطبائها؟
من منّا لم يقرأ كتاباً خطّته يد أحد مبدعيها؟
من منّا لم يعلمه أحد مدرسيها؟
من منّا لم يهتز طرباً على أحد مقاماتها؟
من منّا لم تُضحكه - من القلب - نكتة ابتكرها أحد ساخريها؟
هي مصر: لها وجودها في ذاكرتنا، ولها وجودها في أحلامنا..
هي «مصر ».. وكفى، ويكفي مصر أن تقول: مصر.
يقول التاريخ: لم يقف في وجه التتار - ويهزمهم - إلا رجالها.
يقول التاريخ: منها خرج القائد والجيش الذي هزم الصليبيين الغزاة.
يقول التاريخ: إنها في رمضان حطمت خط بارليف وكسرت الجيش الذي لا يكسر.
يقول التاريخ: كم أعشق «الجغرافيا» التي شكّلتها!
(3)
سافرت بسيارتي من رفحاء إلى ضباء إلى العقبة وعبرت البحر إلى سيناء:
وجدت نفس القبائل والأسماء العربية..
نفس الملامح البدوية..
نفس اللكنة، نفس الموسيقى والأغنيات..
و«السمسمية» تصدح على الضفتين بنفس الكلمات والنغمات.
(4)
على هذا الجسر، وعبر هذا الجسر:
هنا المال العربي يتحدث بلغة عربية فصيحة..
حتى وإن حسبوا تكاليف المشروع بالدولار الأمريكي!
(5)
اشتهرت السعودية بأطباء ماهرين برزوا على مستوى العالم بفصل التوآم..
واشتهرت - أيضاً - بساسة حكماء يجيدون صنع التوأم السياسي.
ما يفصله الطبيب - لأسباب مرضية - وما تفعله الأحداث - أيضاً.. لأسباب مرضية!.. يأتي السياسي الحكيم ليعيد لصقه.
الفهد - رحمه الله - أعاد البحرين من البحر بجسر..
وسلمان - حفظه الله - يصنع المستقبل بجسر.
ما فعله وجود إسرائيل - هذا الورم السرطاني الخبيث - من فصل عرب آسيا وأفريقيا..
أعاده ربطه سلمان الحزم والحسم بـ: جسر.
وهذا ليس جسراً من الإسمنت:
هذا جسر من الدم والوحدة والعلاقات الراسخة والأفكار الخلّاقة التي تتجه إلى المستقبل.
هذا جسر من الفرص الوظيفية، وطريق للحجاج، والسياح، والأحلام الرائعة.
هذا جسر تجاري، واجتماعي ، وسياسي أيضاً..
هذه «جغرافيا» جديدة، تُعيد كتابة «التاريخ»!
(6)
عاصفة الحزم: جسر قوة وحسم.
ورعد الشمال: جسر كبرياء وعزة وكرامة.
وعلى البحر الأحمر: جسر المستقبل والأحلام الكبرى.
وحده الملك الجسور يستطيع - خلال عام واحد من حكمه - أن يبني كل هذه الجسور.

* العنوان من قصيدة كتبها الشاعر السعودي غازي القصيبي رحمه الله في العام 1986 بمناسبة افتتاح جسر الملك فهد.
20:51 | 13-04-2016

فاكهة الأبجدية - 5

حتى الكلام السيئ نستطيع ‏أن نقوله بشكل جيّد.
‏والكلام الجيّد من الممكن أن نقوله بشكل سيئ.
‏لهذا قبل أن تفكروا ما الذي ستقولونه، فكروا كيف ستقولونه؟!
‏الكلمة التي لا تستطيع أن تقولها بتوقيتها، وتضعها بمكانها المناسب.. من الأفضل أن لا تقولها.
(أ)
أمضى نصف عمره يبحث عن (الإجابة) الصحيحة.
عندما وجدها.. اكتشف أنه يتبع (السؤال) الخطأ!
(ب)
الناس أشبه بالمساكن..
أحدهم: كأنه غرفة عابرة في فندق عابر.
والآخر: كأنه شقة مستأجرة لوقت محدود.
والثالث: كأنه بيتك الذي تمتلكه.
(ج)
وأنا مثلك: أكره السياسة!
ولكن ماذا أفعل معها وهي تتدخل بشكل وحجم رغيف الخبز الموجود على مائدتي..
وتحدد مقدار الملح فيه؟!
(د)
ما هي أفضل الحلول المتاحة لإنهاء محادثة مملة، مع شخص ممل، وبأسرع وقت؟!
- تهز رأسك وتردد: نعم.. نعم!
- تبتسم ببلاهة في وجه الأبله الذي يحدثك.
- تصرخ في وجهه فجأة!
- تقطع حديثه وتصدمه بمداخلة من نوع: تظن خلاص ما فيه أمل لريال مدريد بالدوري؟!
- تقتله؟!
(هـ)
منتفخ!
يتحدث عبر أنفه.
وتستغرب: كيف يتنفس هذا الكائن؟!
موهبته الوحيدة: «واصل»!
قدرة الله جعلته: كائنا غير مهم.. مولودا في أسرة مهمة جداً!
(و)
تخيّل حجم الضياع، والمتاهة التي يعيشها:
كان يحلم أن يلتقي ولو بقاطع طريق!
(ز)
طبيعي:
ألّا يحب القارئ ما تكتبه..
أو يختلف معه..
أو حتى يرفضه، ويرفضك.
غير الطبيعي:
هي محاولاته الدؤوبة لتحويلك إلى فقرة
في برنامج: ما يطلبه القراء!
21:09 | 6-04-2016

السعادة: أحلام، الأحلام: سعادة.. ومخدر!

(1)
سبق لي أن كتبت في «وصايا» هذه الفقرة:
تخيّل: أن فتاة من الأسكيمو تحلم بالزواج من ثري عربي.
أو أن شاباً أعرج يحلم بالاحتراف في فريق كرة القدم بريال مدريد.
أو أنا أحلم بالفوز ببطولة ويمبلدون للتنس!
الأحلام رائعة، وأروع ما فيها أن نعمل على تحقيقها، ويكون هنالك طريق واضح للوصول إليها... ولكن، بعض الأحلام غبية وشبه مستحيلة.. إيّاك أن تقع في شراكها. هذه ليست أحلاماً... هذه مسكنات تجعلنا نهرب من بؤس الواقع وننساه قليلاً، ولا نفكر أو نعمل - بجديّة - لتغييره إلى الأفضل.
(2)
قلتُ لهم: ما هي أحلامكم؟ ما هي الغاية التي يتمنّى كلٌّ منكم الوصول إليها؟
قال الأول: الحضور المبهر والشهرة.
قال الثاني: الثراء.
قال الثالث: بيت يضمّني مع أولادي.
قال رابع: النفوذ والسلطة.
قلتُ: لا أسألكم عن الوسائل.. أسألكم عن الغاية؟
ارتبكت الإجابات.. وعادت لتشرح نفسها بشكل مختلف.
قلت: الغاية واحدة.. السعادة!
كل هذه الأحلام/ الوسائل المُربكة هي طريقكم -كما تظنّون- إلى الغاية النهائية: السعادة.
الذي (يشقى) بجمع المال، يضيّع السعادة بحثًا عن السعادة!
الذي يحلم بالبيت، هو يحلم بالاستقرار، الذي سيجلب له الطمأنينة، التي بدورها ستجلب السعادة لقلبه وروحه.
الذي يحلم بالشهرة، ويمضي عمره وهو يشقى بمطاردة أضوائها الباهرة، يظنُّ أن الشهرة ستفتح له كل الأبواب؛ ليدخل إلى قصر السعادة.
اسأل أيَّ حالم عن حلمه (شهرة، ثراء، سلطة، منصب، جمال، قوة، حضور) ستكتشف أنه يُحدّثك عن الوسائل التي -يظنُّ- أنّها ستوصله إلى الغاية الكبرى/ مدينة السعادة.
(3)
الأمر نسبي:
في اللحظة التي أجلس فيها في الصف الأول في ذلك الحفل الفخم، وتحت الأضواء الباهرة، تجدني أتململ على الكرسي، وأحلم لو أنني لحظتها في مدينتي الشمالية النائية في رفحاء لأحظى بلحظة فاخرة برفقة أقاربي ورفاق طفولتي، وأضحك معهم ضحكة حقيقية صافية نابعة من نبع القلب. في نفس اللحظة هناك -في مدينتي النائية الصغيرة- مَن يحلم بالجلوس مكاني على نفس الكرسي الممل!
أنا وهو نظن أن السعادة في الجهة المقابلة.
الأمر نسبي:
هذا في قصره الفخم يشعر بالشقاء؛ لأن زوجته أنجبت طفلاً مشوّهًا..
وهذه الطفلة في خيمتها المهترئة -فوق أرض متجمدة، وتحت سماء تُمطر ثلجًا- تكاد تطير من الفرح؛ لأنها حصلت من وكالة الإغاثة على: بطانيّة!
تختلف التفاصيل، والوسائل، والطرق التي نسلكها، ولكننا جميعًا نريد أن نصل إليها: السعادة.. حتى هذا الإرهابي الذي قام بتفجير نفسه يظنُّ أنه ذاهب إليها عبر أقصر الطرق.
لم يستطع أن يواجه الحياة فقرّر مواجهة الموت!
يظنُّ أنه يغادر لحظة الشقاء لينتقل إلى السعادة الأبدية.
جميعنا نبحث عن السعادة، ونظنها في البعيد البعيد من الأشياء، ولو تلفّتنا حولنا لوجدناها معنا وبيننا في أشياء بسيطة جدًّا.
مشكلتنا أننا لا ننتبه، ولا نحتفي بالأشياء التي بين أيدينا..
لأننا مشغولون بالأشياء التي بين أيدي الآخرين!
(4)
وأخيراً:
لا تسخر من أحلام الناس.. مهما كانت غريبة.
ولا تتنازل عن أحلامك.. مهما كانت صعبة.
لا طعم للحياة دون أحلام.
20:38 | 30-03-2016

تربص !

(1)
هو الأكثر لؤماً ودناءة: عند قمع ومنع أي صوت، تجده أول المحتفلين!
لا يوجد أسوأ من «صاحب رأي» يصفق لمنع رأي آخر.. فقط لأنه مختلف معه.
المصيبة:
هو أحياناً - في قرارة نفسه - لا يختلف معك..
ولكنه يظن أن ادعاء الخلاف - وبشراسة - سيجعله من المقربين!
(2)
هل اختلافنا مع أي فكرة يجيز لنا الاختلاف (أو: الخلاف) مع صاحبها؟
هل من الأخلاقي أن تُحرّض السلطة (أي سلطة) ضد من تختلف معه؟!
مرة تستعدي السياسي عليه، ومرة الديني، وأحياناً الاجتماعي.
(3)
لماذا تفتش في دفاتر خصومك القديمة جداً عن «رأي» تعلم أن طرحه في هذه اللحظة الراهنة يعتبر شاذاً، أو خطراً؟!
لماذا تُجهد نفسك في البحث عبر «قوقل» عن مشاركة كُتبت قبل سنوات في منتدى إلكتروني...
الإنترنت جهاز.. فقط، وليس جهاز أمني. وقوقل: محرك بحث، وليس مباحث!
حتى المزاح البريء تستغله، وتنقله كتصريح في قضية ما.
ما سر هذا الفرح الذي أصابك عندما وجدت تلك التغريدة المكتوبة في تويتر قبل سنوات؟!
كان العالم غير العالم، وكان الوعي غير الوعي، والأشياء حولنا تتغيّر.. ونحن نتغيّر.
(4)
لديك موهبة، ولكن مهارتك في الصيد لا علاقة لها باصطياد الفرائد ولا اصطياد الأفكار المجنحة.
تخصصت في الصيد بالمياه العكرة... أو ما تظن أنها عكرة!
إن لم تجدها، فإن لديك القدرة على تعكير النبع الصافي بنواياك السيئة.
- تفضل المستنقع على النهر!
(5)
- لماذا يتحوّل أي اختلاف معك إلى خلاف؟!
- هل تعرف الفرق بين البلاغة.. والبلاغ الرّسمي؟!
- هل يعرف - تلصصك العاهر على كلماتنا - أن للخصومة شرفا؟!
- من الذي منحك «المسطرة» لتحدد مقاس وطنيتنا؟!
سبق أن كتبت لأمثالك:
أكره الذي يرى أن «الوطنية» ثوب تم تفصيله على مقاسه وحده.. عند خياط أفكاره!
20:50 | 23-03-2016

فاكهة مجففة!

(أ)
أسوأ الأزمنة تلك التي تجعلك
تبحث عن أهون الشرور لتتبعه!
(ب)
بعض القوانين تشبه الأحذية:
في المحل مقاسها مناسب.. خارج المحل ضيّقة جداً!
(ج)
نقرأ.. لنضيع!
نقرأ أكثر.. لنكتشف الدروب.
نقرأ أكثر وأكثر.. لنعرف العلامات وندل الطريق.
نكتب... لنمثل دور «الدليل»!
(د)
ننشغل كثيرا بنقد الفروع الفاسدة.
علينا أن نتوقف قليلا ونفكر بالبذرة التي أنبتتها.
لا قيمة لأي نقد لا يصل إلى العمق!
(هـ)
عند كل باب مغلق:
المتشائم يرى ضخامة القفل..
المتفائل يبحث عن المفاتيح.
المتهور يفكر بكسره!
(و)
العبد الذي يتم سبيه: يباع ويشترى
في أسواق النخاسة رغما عن إرادته
المسلوبة.
الخائن: يذهب إلى أسواق النخاسة
بإرادته ليعرض نفسه لمن يدفع أكثر!
(ز)
امتلاكك لهذا الكم الهائل من المعلومات العامة لا يصنع منك مثقفا..
الثقافة هي أن تشكل من تلك المعلومات «رأيا» وتتخذ «موقفا».
مثقف بارد من يظن أن القراءة، وحدها، هي التي ستشكله ثقافيا!
(ح)
‏عندما تدخل إلى المقهى الشعبي تصرخ
بأعلى صوتك على الجرسون: يا ولد!
عندما تدخل إلى الفندق تناديه بهمس:
لو سمحت يا سيد.
حتى الأماكن لها سلطتها!
(ط)
الجماهير -في الغالب- تعرف الخطأ، وتراه بشكل جيد.. وربما: ترفضه.
لكنها لن تدلك على الصواب!
(ي)
أعظم مُسكِّن للآلام اخترعه الإنسان: الأحلام!
(ك)
رأسٌ مُفخّخٌ بفكرةٍ متطرّفةٍ
أخطرُ من جسدٍ مُفخّخٍ بحزامٍ ناسفٍ
(ل)
احذروا ممن يرى أن بعض «الشر» طريق يؤدي إلى الخير!
(م)
الأفكار مثل الأشجار: بحاجة إلى ضوء.
الأفكار التي تنمو في الظلام حادّة، ومتطرّفة.. وأحيانا قاتلة!
21:10 | 16-03-2016

خطاب للخطاب

(1)
الخطاب الذي يقوم بمعالجة الإرهاب.. هو نفسه يحتاج إلى معالجة!
(2)
علينا ألا نتحسس إذا أشرنا إلى جذر «داعشي» في ثقافتنا وتاريخنا - القريب أو البعيد - ونناقشه بهدوء دون أن يتحوّل إلى فرصة لتصفية الحسابات بين تيار وتيار آخر.. أول خطوة لعلاج «المشكلة» أي مشكلة: هي الاعتراف بوجودها.. وتحديد مصادرها.
(3)
علينا ألا نلجأ إلى الاحتمالات الآمنة، والمقارنات، والتبريرات المريحة.. ونقول:
- تعدادنا أكثر من 20 مليونا.. والذين أصيبوا بداء «الدعشنة».. كم؟.. عشرة؟.. مئة؟.. ألف؟... هؤلاء لا يمثلوننا!
- لماذا لم يعتنق البقية - الملايين - الفكرة الداعشية؟.. ألم يتخرجوا من نفس المدارس، ويستمعوا لنفس الخطبة، ويتشكلوا بنفس الثقافة، ويشربوا نفس التاريخ، ويعيشوا بنفس الجغرافيا؟!!
بهذا الشكل: نحن نهرب من السؤال الأهم.. لنطرح الأسئلة الآمنة التي توحي لك بأنه لا مشكلة في المشكلة!..
وأن (هؤلاء الدواعش) قلة، واستثناء، وأن الخلل فيهم وحدهم.
ولكنهم لم يأتوا من منطقة أو جهة واحدة فقط لأقول: ربما يوجد خلل عظيم في هذه المنطقة.
ولم يأتوا من قبيلة واحدة لأقول: المشكلة في جيناتها.
ولم يأتوا من طبقة واحدة لأقول: ربما هو الفقر والجهل.
كنت أشعر بشيء من الطمأنينة عندما تحدث حادثة مفجعة ويكون بطلها: في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره، ولم يكمل تعليمه، وعُرف عنه تعاطيه للمخدرات.. لحظتها سأجد ألف سبب لما فعله: أحمق/ جاهل/ مريض/ يعيش في غيبوبة... ألف سبب يطمئن له عقلي، ويستوعبه.. ولكن، ماذا أفعل عندما يكون «المجرم»: ثلاثينيا، متعلما - تخرّج من الجامعة، غير مصاب بأي مرض نفسي، ولم يعرف عنه تعاطيه لأي نوع من المخدرات؟.. وأستثني بعض الخطابات المخدرة!
كيف يستوعب عقلي (وقلبي أيضاً) أن يؤمن شخص مثل هذا بأن «الغدر» و«الخديعة» من صفات المسلم؟.. ويغدر بمن؟.. بأقرب أقاربه؟.. ولماذا؟.. ليبتزه؟.. ليسرق ماله؟... لا.. ليرتكب الجريمة الأكبر التي تهتز منها السماوات والأرض: يقتل نفساً.
لو كان وحده ربما سأقول لنفسي لتستوعب ما حدث: لعل لوثة عقلية أصابته في تلك اللحظة.. ولكنه لم يكن وحده: كان سادس العصبة المجرمة.. لم يجد من يردعه.. لم تتراخ أيدي معاونيه.. لم يهتز جفن من يصور المشهد.. لم يتراجع أي واحد منهم أمام مشهد الموت.. موت من؟.. لم يكن غريباً.. كان ابن العم وابن الخالة ورفيق الدم والذكريات المشتركة.
هنا.. أنت أمام مشهد متوحش لا يستوعبه أي عقل، ولا يمكنك تحليله، أو إيجاد أي تبرير له.
هنا، أنت بحاجة إلى جيش من الخبراء، وعلماء النفس والاجتماع، وحكماء، وعلماء ليشرحوا لك ما حدث.. ولن تستوعب!
وسأعود لأول سطر.. لأجعله آخر سطر في هذه المقالة:
الخطاب الذي يقوم بمعالجة الإرهاب.. هو نفسه يحتاج إلى معالجة!
20:31 | 2-03-2016

فاكهة الأبجدية - 4

الكتابة ليست حبة «أسبرين»..
الكتابة: عملية قلب مفتوح!
(أ)
الظلم يجعل المخالب تنمو على أطراف أكثر الأنامل رقة!
(ب)
من أسوأ العبارات التي تتردد في مجتمعاتنا كأنها حكمة: «زوجوه.. يمكن يعقل»!!
وما ذنب الزوجة التي تحولت إلى «تجربة» واختبار: لعل هذا الفاشل «يعقل» من خلالها؟!!
ثم يقولون: يكمل نصفه الثاني...
هل أنتم متأكدون من اكتمال النصف الأول فيه؟!!
(ج)
مجادلة الغبي: عمل غبي!
(د)
‏هل تعرفون ما المخيف بـ «داعش» و«الحشد الشيعي» وأشباههما في كل ثقافة:
أنهم يؤمنون - وبصدق - بأن أفعالهم الشريرة هي الطريق الوحيد إلى الخير!
(هـ)
من لا يتذكّر.. لا يتخيّل!
(و)
تسلّل – في غفلة منك – إليك!
المحبون حولك يصنعون ضبابا من ندى محبتهم.. يجعلك لا تراك بشكل جيّد.
لا تنتقِ من الكلمات ما تشتهي:
ليس كل ما يقوله أحبابك عنك صادقًا..
وليس كل ما يقوله خصومك فيك كاذبًا!
(ز)
لا تتباهى بثقافتك!
لا يهمني عدد الكتب التي قرأتها.. دعني أراها فيما تقوله وتفعله.
(ح)
«أجمل ما تستطيع أن ترتديه المرأة من ملابس هو ثقتها في نفسها»
‏عبارة جميلة تُنسب للممثلة «صوفيا لورين».. والتي اشتهرت في أفلامها بـ «خلع» ملابسها!
بإمكانك أن تصنع من العُري حكمة:
هنالك امرأة تلبس بشكل رائع.. وهنالك امرأة تفعل النقيض بشكل رائع!
وبالمناسبة، في السينما.. يوجد قانون يقول:
كلما «قصرت» ملابسها.. «طال» دورها في الفيلم.
في الحياة.. أرى الكثير من العراة:
كلما نزعوا قطعة من ملابسهم/ كرامتهم/ مواقفهم.. صعدوا ولمعوا أكثر!
(ط)
لا تخجل من البكاء..
اخجل عندما لا يكون لديك قلب يهزه الحزن والحنين.
(ي)
لديك كل هذه الأشياء ولا تعرف الطريق إلى الفرح؟!
الرائع هو ذلك الشخص الذي - بكل أشيائه البسيطة والمتواضعة - يستطيع أن يصنع الفرح ويوزع البهجة حوله.
20:53 | 24-02-2016

حروبكم الصغيرة.. وحربنا الكبيرة!

لست من الذين يحبون التمايل على إيقاعات طبول الحرب..
أكره الطبل في حالتين:
- عندما يقرع لحرب..
- وعندما يحمله منافق!
وأعشق الرمادي في الملبس.. وأكرهه في الموقف!
وبلادي تخوض حربا في عدة جهات وجبهات.. ليس لأنها تحب الحروب، ولكن لأن قوى الشر حولها دفعتها إليها دفعا، وهي تعي أن الحرب مكلفة.. ولكن اللا حرب - في هذا التوقيت تحديدا - مكلفة أكثر!.
عاصفة حزم في الجنوب..
ورعد مدوٍ في الشمال..
والنتيجة - بحول الله وقوته - أمطار: عزة وفخر وكرامة.
لهذا.. دع عنك كل الكلمات الودودة والطيبة، وحاول أن تنسى اللون الرمادي، وقل لنفسك:
لا تكن محايدا في حب بلادك.. كن متطرفا حتى الموت!.
إذا سقط السقف - لا سمح الله - سيسقط على رؤوسكم جميعا: لن يفرق بين رأس اليمين ورأس اليسار.
كل صراخكم - في هذه اللحظة الراهنة - لا يساوي تكبيرة جندي سعودي يقف على الحد مواجها الموت دفاعا عنكم جميعا.
اهجروا منابركم الصغيرة - ولو لفترة محدودة - وقفوا على منبر الوطن.
أجلوا حروبكم الصغيرة التافهة.. فهنالك على الحدود حرب أكبر وأخطر.
قفوا في خندق الوطن..
ولتكن الأقلام: بنادق.
ولتكن الكلمات: رصاص.
وعطروا مقالاتكم برائحة البارود.
فقوة «الخارج» تحتاج إلى «داخل» متماسك.. فلا تجعلوه مهزوزا بحروبكم المؤدلجة ذات المصالح الضيقة!.
20:53 | 17-02-2016

خرزة زرقاء، وخمار أسود، وزئبق أحمر!

(1)
أظن أن القصيدة الشهيرة (قل للمليحة بالخمار الأسود) هي أول إعلان تجاري عرفته البشرية، فالحكاية تقول: أن أحد التجار كسدت بضاعته -وغالبيتها خمار أسود- وانقطع عنه الزبائن فلجأ لصديقه الشاعر ليجد له حلا في أزمته الاقتصادية.. فكان الحل:
قل للمليحة بالخمار الأسود / ماذا فعلتِ بناسك متعبد...
وما هي إلا أيام قليلة.. تنتشر القصيدة ويزدحم المحل بنساء المدينة.
والجمهور يصدق ما يقال له ويطرح عليه: منذ إعلان «الخمار» الأسود إلى آخر إعلان تلفزيوني.
جاهز لاستهلاك أي شيء: من مشروب فواكه جديد أو شامبو يقضي على القشرة، إلى «فكرة» جديدة تقضي على رأسه.. وواقع جديد يعتاد عليه بعدما كان يرفضه.
الفن -هنا- يعمل لصالح الاقتصادي ويخدم رأس المال.. وهو جاهز للعمل لأي جهة أخرى!
(2)
الخرافة تفعل نفس الأمر: العرب واليهود - والكثير من الشعوب تصدق أن «الخرزة الزرقاء» تحمي الإنسان من الحسد!
لو بحثت في الأمر ستجد أن تاجر حلي ومجوهرات ابتكر هذه الكذبة وصدقها ملايين الحمقى ليتخلص من بضاعته.
الخرافة -هنا- تعمل لصالح الاقتصادي وتخدم رأس المال.
(3)
الخرافة تخترق التاريخ: نفس الكذبة تتوارثها الأجيال.
الخرافة تخترق الجغرافيا: هل تتذكرون ماكينة «سنجر»؟.. وكيف أنها تحتوي على «الزئبق الأحمر»!.. بدأت الكذبة في الأردن، وصدقها المئات، وصلت الكذبة إلى السعودية وامتلأت الأسواق بمكائن الخردة، وصلت الكذبة إلى قطر وصارت تباع الماكينة الواحدة بخمسين ألفاً!
(4)
في المجتمعات المتحضرة، يوجد شيء اسمه: أمراض نفسية.
في المجتمع الجاهل لا يوجد سوى: عين.. سحر.. حسد..
في المجتمع المتحضر يوجد: طبيب نفسي.
في المجتمع الجاهل لا يوجد سوى: راقٍ شرعي.. مفسر أحلام.. والكثير من المشعوذين والمشعوذات!
(5)
في المجتمع الجاهل المتخلف تتم السيطرة على القطيع بسهولة.
القطيع يركض وراء «الكذبة».. لا يسأل من الذي ابتكرها، ولا يربكه توقيت ظهورها وأسبابه، ولا يسأل: لماذا؟.. وكيف؟.. ومتى؟!
قلت سابقا.. إن آفة الآفات، ومصنع الطغاة الأول، هو: الجهل.
لا توجد صفة أقبح من «الجهل» لأنها بإمكانها أن تجر وراءها العديد من الصفات القبيحة: بإمكانك أن «تستعبد» الجاهل.. ورغم هذا يظن أنه حر!
تريد أن تنزع قيوده.. يظن أنك تريد نزع ملابسه!
تريد أن تدله على الطريق.. ينظر إليك بريبة ظنا منه أنك ستضيعه عن الدروب التي اعتاد عليها!
20:42 | 10-02-2016

جعفر وعمر !

(دخول إلى النص)
سبق لي أن سألتكم:
هل سمعتم عن قط قام بحرق قط آخر؟!
هل سمعتم عن نمر أو أسد قام بتثبيت المسامير في جمجمة نمر أو أسد؟!
هل سمعتم عن دجاجة قامت بفصل رأس كتكوت بريء بسبب الغيرة والحقد الذي تكنه لدجاجة أخرى.. أو بسبب الغيرة على أحد الديكة؟!
هل سمعتم، أو شاهدتم، أو قرأتم عن أي (كائن) قام بإبادة كائنات من نفس نوعه.. باستثناء هذا الكائن الذي يسمونه: «إنسان»؟!
(1)
يحدث في هذه المنطقة من العالم أن يقتل شخص اسمه «عمر» لأن اسمه «عمر»، ويقتل شخص آخر لأن والده سماه «جعفر».. وربما أن «جعفر» و«عمر» أحدهما يقتل الآخر. كلاهما: قاتل.. وقتيل!
ربما لو أن «جعفر» و«عمر» عاشا في منطقة أخرى ــ دولة مؤسسات وقانون وحقوق إنسان ــ ستجدهما على طاولة واحدة.. يحتسيان القهوة ويتبادلان النكات.. ربما ستحب ابنة أحدهما ابن الآخر وتتزوجه.. ربما سيكون ــ جعفر وعمر ــ جدين لطفل واحد.
جعفر وعمر لهما نفس فصيلة الدم.
ونفس الملامح.
ويتحدثان بنفس اللغة.. ونفس اللهجة. ويطربان لنفس الأغاني ونفس القصائد.
وربما يلتقيان بنفس العشيرة.. ومن المحتمل أنهما يلتقيان بنفس الجد التاسع.
وكلاهما يرى أنه «مسلم»..
وكلاهما يرى أن «الخير» في كراهية الآخر!
وكلاهما يفكر وبحماسة: من سيقتل صاحبه قبل الآخر!
(2)
جعفر وعمر لم يشعرا طوال حياتهما بـ «الدولة»!
لم يكن أيا منهما يحمل هوية «المواطنة» التي لا تفرق بينهما.
سقطت الدولة ــ التي تظن نفسها «دولة» ــ فجأة.. تفتت «الهوية» المزيفة..
صارا يبحثان في الهويات الصغرى عن هوية تجعلهما يشعران بالانتماء..
صار كل منهما عضوا في «مليشيا» مهمتها: قتل جعفر وعمر!
(3)
جعفر وعمر.. معلقان بالتاريخ، ولهذا لا يريان المستقبل!
(4)
خبر عاجل:
مقتل جعفر وعمر في انفجار نفذه مجهول!
(خروج عن النص)
آلاف السنوات التي مرت على البشرية من الحضارة والتقدم، آلاف الأنبياء والمصلحين والفلاسفة والمفكرين والشعراء.. وملايين الكلمات الطيبة: لم تستطع أن «تؤنسن» هذا الإنسان..
ما يزال الإنسان كائنا متوحشا.. أنزع عنه قشرة الحضارة، واستفز عرقه أو معتقده أو الطائفة التي ينتمي إليها، ليخرج لك هذا المارد خلال لحظة غضب.
الإنسان: كائن متوحش.
وحدها الدولة الحديثة: تحكمه كما يجب.
والقانون: يروضه.
والحضارة والعلم والمعرفة: تهذبه.
لا بد من (مواطنة) تذوب فيها اختلافاته ومعتقداته، ويختلط فيها لونه مع بقية الألوان، و(قانون) صارم يطبق عليه وعلى غيره ليحميه منهم ويحميهم منه.
ومع هذا، لا أضمن لك أنه لن يلغيك أو يسحقك أو يقتلك، باسم جديد: الوطنية!
20:35 | 3-02-2016