أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author
--°C
تحميل...
⌄
لوحة القيادة
خروج
الرئيسية
محليات
سياسة
اقتصاد
فيديو
رياضة
بودكاست
ثقافة وفن
منوعات
مقالات
ملتيميديا
المزيد
الرياضات الإلكترونية
سعوديات
ازياء
سياحة
الناس
تحقيقات
تكنولوجيا
صوت المواطن
زوايا متخصصة
مركز المعلومات
⌄
لوحة القيادة
خروج
الرئيسية
محليات
سياسة
اقتصاد
فيديو
رياضة
بودكاست
ثقافة وفن
منوعات
مقالات
ملتيميديا
المزيد
الرياضات الإلكترونية
سعوديات
ازياء
سياحة
الناس
تحقيقات
تكنولوجيا
صوت المواطن
زوايا متخصصة
مركز المعلومات
الرياضات الإلكترونية
سعوديات
ازياء
سياحة
الناس
تحقيقات
تكنولوجيا
صوت المواطن
زوايا متخصصة
مركز المعلومات
تصفح عدد اليوم
شتيوي الغيثي
حادثة الأحساء .. التعايش يغلب التطرف
في البداية، نعزي أهلنا وإخواننا في قرية الدالوة بالأحساء على مصابهم الجلل، ونعزي أهل الضحايا الذي سقطوا بأيدي التطرف والإرهاب، ونقول لهم: إن مصابكم مصابنا، وجراحكم هي جرح للوطن بعامته وخاصته.
لقد كانت الأحساء طيلة قرون مثالا لذلك التعايش بين الطائفتين: السنية والشيعية حتى على مستوى الحارة الواحدة، ولم تكن هناك أي مشكلة، وجريمة الإرهاب التي وقعت إنما جاءت لتحاول ضرب عمق التعايش المذهبي، ولكن جاء الاستنكار والتعاطف المجتمعي مع أهل الأحساء دليلا على قيمة التعايش وفرض الأمن على كل من يفكر في تهييج الطائفية، وخرج بيان هيئة كبار العلماء ليدين العملية الإرهابية ويعتبرها جريمة في حق المواطنين.
المجتمع السعودي بعامته عانى من مشاكل الإرهاب. هذه المرة توجهت يد الإرهاب لتغتال إخوة لنا في قرية الدالوة بالأحساء، فحينما عجزت عن زعزعة الأمن بعملياتها الإرهابية منذ 2003 ها هي تحاول أن تحرك المسألة الطائفية، لكن المجتمع السعودي يرفض ذلك، ويتذكر كيف أن الجميع عانوا من التطرف والإرهاب. وقد شدد عدد من المثقفين في المنطقة على أن الحادثة لا صلة لها بالمذهبية، وإنما هي يد الإرهاب التي عانى منها الجميع، وهذا الموقف يتكرر لدى عدد كبير من المواطنين الشيعة ومثقفيهم الذين نعرفهم، كما ثمن علماؤهم بيان هيئة كبار العلماء، ما يعني أن التعايش ما زال باقيا في هذا المجتمع، ولن تضيره بعض الحوادث القاسية، بل إن أمن المواطنين يكاد يصبح ثابتا من الثوابت الوطنية لهذا المجتمع.
لا يمكن أن يتنازل المجتمع السعودي عن قيمة الأمن مهما اختلف في تياراته وثقافته ومذاهبه، فالأمن خط أحمر، والدليل أن المجتمع بمختلف أطيافه قام بدحض الإرهاب، ووقف بكافة تياراته ضده، حتى يمكن أن يكون هو المشترك الوطني الأكبر إلى جانب مشتركات أخرى بين كافة المختلفين في هذا المجتمع.
هذا المجتمع كما ركز على قيمة الأمن بعد الحادثة وأهمية التلاحم الوطني، مما عزز الوحدة الوطنية أكثر بين مختلف المذاهب، الأمر الذي جعل القضية تنقلب على الإرهاب، بحيث تحول المجتمع بكافته إلى غير ما أراد هؤلاء الإرهابيون من تأجيج الطائفية في السعودية، بل بالعكس زاد تلاحمهم ووقوفهم ضد هذا العمل المشين ــ أقول: كما ركز المجتمع على قيمة الأمن بعد الحادثة، فإن التركيز من قبل كافة الأطياف الفكرية والاجتماعية أكثر على مسألة التعايش، وإعطائه قيمة أعلى، فإن كل مشاكل التطرف، عند البعض، سوف تنخفض إلى أقل مستوياتها، فالتعايش يضرب في أساسات التطرف، ويكسر تلك القاعدة التي يتكئ عليها المتطرفون في بث رؤاهم.
المجتمع السعودي مجتمع متعدد الأطياف، وإن غلب عليه شكل واحد، وهو المحافظة؛ إلا أن هناك الكثير من الأفكار والتيارات والطوائف الموجودة والمتعايشة على المستوى الفعلي منذ سنوات طويلة، وليست بالجديدة على الناس إلا صور نمطية من السهولة أن نتجاوزها مع التعايش اليومي والفعلي وعلى أبسط المستويات، فما بالك بالمستويات العليا التي عادة تثبت قيمة التعايش كما ظهر في البيانات التي ذكرناها عاليا.
إن قيمة التعايش قيمة اعتبارية في مفهوم الدولة الحديثة، وتتكئ عليه غالبية المجتمعات، ومجتمعنا من ضمنها، على مستوى الممارسة دون التنظير. فقط نحتاج إلى قانون يجرم العنصرية بكافة أشكالها، بحيث نقطع على التطرف أي طريق يمكن الدخول إليه في زعزعة أمننا واستقرارنا ووحدتنا.
19:26 | 6-11-2014
تونس الدينية .. تونس المدنية
بعد تراجع حزب النهضة الإسلامي أمام حزب نداء تونس في الانتخابات التشريعية الأخيرة، بدا واضحا أن الشعب التونسي يعيد الحسابات بعد وهج الثورة خلال الأربع السنوات الماضية، كما عاد الصراع بين الأحزاب الدينية والمدنية في العالم العربي من جديد بين رافض للانتخابات ومتقبل لها، خلاف النهضة الذين تقبلوا النتيجة بكل رحابة صدق، وهنا تكمن المفارقة، فالمعنيون بالأمر كانوا أكثر هدوءا من الذين لا يعنيهم الأمر لا من قريب ولا من بعيد، إلا كصراع تيارات متخاصمة منذ أمد.
نجاح التجربة التونسية كان مربوطا بوعي المجتمع التونسي لمفهوم الديمقراطية، ومفهوم أحزابه لها، وهو ما جعل الأمور تسير بشكل جيد طيلة الأربع سنوات الماضية، على الرغم من أنه لم يكن هناك أي تغيير حثيث على مستوى الدولة ولا على مستوى الأفراد، وبالتأكيد تجربة أربع سنوات ليست كافية لأي حزب، سواء كان مدنيا أو دينيا لكي يرتب الأمور، وباستثناء الحرية السياسية فلم يحصل شيء يذكر، وهذا شيء متوقع لسببين: الأول: قصر عمر التجربة الديمقراطية لكل الأحزاب بلا استثناء، والثاني أنه لا برنامج حقيقيا على أرض الواقع من قبل هذه الأحزاب جميعها، وإنما غالبية برامج الأحزاب تهدف إلى السلطة وليس إلى رفاهية الشعب، إضافة على تأثيرات ما يسمى بالدولة العميقة التي يرى البعض أن حزب نداء تونس أحد إفرازاتها، وها هي تعود مرة أخرى، ومهما يكن حقيقة الأمر، فبالتأكيد أن تونس تجاوزت غالب مشكلات العرب بأحزابهم لتعطي تجربة تستحق القراءة والتوقف فتصالح الإسلاميين والعلمانيين فيها تجربة تونسية خاصة ربما لا مثيل لها في العالم العربي، ويجلس الخصمان: النهضة ونداء تونس، تحت قبة واحدة، كونهما الحزبين اللذين حازا أكثر الأصوات مع تراجع الحزب الأول لصالح الثاني، فهل تسير الأمور بشكل سلس، أم أن تتحول إلى أزمة سياسية طويلة؟ هذا ما سوف تكشف عنه الأحداث لاحقا إن تصديقا أو تكذيبا.
كتب قبل نحو ثلاث سنوات في غير هذا المكان أن «الديمقراطية أحد أهم الإفرازات العلمانية، ويمكن القول: إن أي دولة ديمقراطية هي بالضرورة دولة علمانية مهما حاول البعض الفصل بين المفهومين، وعلى هذا الأساس يصبح التيار الديني المستنير الذي يريد الوصول إلى الحكم مع الحفاظ على حقوق الإنسان المعترف بها في معظم الدول وهي مبادئ أساسية في مفهوم الدولة الحديثة أقول يصبح تيارا (دينيا ما بعد علماني)، أي أنه لا يمكنه تجاوز الحقوق التي تأصلت وفق الفضاء العلماني العام، ومن هنا جنح إلى قراءة إسلامية مستنيرة للدين والدولة على حد سواء كمحاولة توفيقية بين ما هو ديني/ مقدس وما هو دنيوي/ تاريخي».
قد لا يتفق معي الكثيرون حول ربط الديمقراطية بالعلمانية، لكنها بالتأكيد أحد أهم إفرازاتها في العصر الحديث، وإن كان العالم العربي يخلو تماما من أي دولة عربية علمانية صريحة في علمانيتها، إلا أن الكثير من أعمال الدولة القطرية تأخذ جانبا من جوانبها أو تطبقها بشكل أو بآخر مع بعض اللمسات الدينية من هنا أو هناك، وها هو المجتمع التونسي ينحاز إلى بعض التيارات العلمانية ليتراجع التيار الإسلامي أمامها رغم اعتداله وتصالحه مع قيم الدولة الحديثة، لكن تفرز الديمقراطية شروطها الخاصة التي غالبا ما تذهب إلى الحرية والفردية، وهذا التراجع لعله يوضح أن المنطقة العربية بدأت تتخلى عن شعار الأسلمة لأسباب كثيرة لم يخصص المقال لها، ولعلنا نكتب عنها لاحقا.
19:16 | 30-10-2014
أسئلة القـيـم في المجتمـع السعـودي الشاب
مرت السعودية بتحولات عديدة منذ بدايات توحيد هذه البلاد إلى ما بعد الثورات العربية، وأزمة الصراع العربي/ العربي الحالي، كما تكشفت كثير من الأمور عن كثير من الأسئلة على كل المستويات: الدينية، والسياسية، والاجتماعية، والقيمية، في المجتمع السعودي، فعلى مستوى القيم مثلا فقد تشكلت على مفاهيم ما قبل قيم المجتمع المدني التي تتناسب مع مراحل نشوء مفهوم الدولة الحديثة ، لاسيما في الدول العربية منها ولم تتطور إلا قليلا فضلا عن تراجعها كما يتصور البعض والتي تتمثل في ضغط العامل الفكري أكثر من غيره بعد فترة انفتاح نسبي، فهو مجتمع ذو بنية فكرية تقليدية في غالب تصوراته.
وإذا ما اتفقنا مع الرؤية المادية لمسيرة التاريخ على أن الماديات هي المحرك التاريخي، فإنه كان من المفترض أن يتشكل المجتمع وفق معطيات التحولات الاقتصادية؛ خاصة بعد ظهور النفط كمحرك اقتصادي خطير، لكن ما الذي حصل هنا؟. الذي حصل أن تجارب الأجيال السابقة خاصة، جيل ما قبل الطفرة، الذي كان من المفترض أن يؤسس إلى رؤية ثقافية جديدة، لم تنتقل إلى الأجيال اللاحقة، فضلا عن عمليات الارتداد الثقافي، التي حصلت فيما بعد، طيلة ثلاثين سنة ماضية من جيلنا الحالي، وهنا نتفق مع المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري في أنه «من الظاهرات الفاجعة في الحياة العربية الحديثة أن البناء الفكري والاجتماعي لا يتراكم طبقة فوق طبقة، ومرحلة بعد مرحلة، بل ترى كل جيل يصاب بالخيبة في قناعات الجيل السابق ويضطر إلى هدمها وإعادة التجربة حتى نقطة البدء. ثم ما يلبث أن يفجع في قناعاته ذاتها فلا يسلم شيئا ثابتا للجيل الذي يليه غير مرارة التجربة» (تحولات الفكر والسياسة : ص 91) ، وهذا ما يمكن ملاحظته في واقعنا السعودي من خلال تراجع حداثة الثمانينات والخيبات التي حصلت للكثير من رموزها، مما جعل التجربة تتأخر كثيرا لصالح قوى الفكر التقليدي. كما أن هذه الحداثة كانت شبه معزولة عن تجربة ما سبقها، أي فترة النهضة، إذا كانت هناك من نهضة حقيقية لدى الرواد، وكأن الثقافة السعودية، ومجتمعها، عبارة عن جزر متفرقة تأتي الواحدة بعد أن تستهلك الأولى ذاتها في عمليتي المد والجزر. وهذا ربما ما يحصل لنا نحن أبناء الجيل الجديد، وربما الجيل الحالي، إذ إن هناك شبه انقطاع عن سابقينا (حداثة الثمانينات) مما جعلنا نستوطن جزرا جديدة مع حملنا لكافة إشكالياتنا الثقافية والمجتمعية التي كانت دائرة في الأوساط الثقافية السابقة، من غير أن نجد تراكما معرفيا يمكن أن نضيف عليه شيئا، أو نبتني أساساتنا الثقافية فوقه.
لكن، وهنا مكمن الاختلاف، أن الأجيال الجديدة أكثر حظا من الأجيال السابقة لا على المستوى القيمي، ولا على المستوى المعرفي، فثورة الاتصالات والتحولات الإقليمية تفرض تحولات على المستوى الثقافي والقيمي، على الرغم من كل المشكلات والأزمات الساخنة التي ورثتها الأجيال الحالية من الأجيال السابقة. إن هناك ضروريات أساسية تفرض على الأجيال الجديدة التحولات الكبيرة في الرؤية للكثير من القيم تفترض التفكير جديا في القيم من نوع: التفكير في القيم الأخلاقية. التفكير في القيم الموروثة. التفكير في القيم العصرية الجديدة وتناسبها مع الذات. التفكير في قيمة التاريخ. التفكير في قيم التكوين. التفكير في قيمة المستقبل.. وغيرها؛ فضلا عن محاولة التخلص من إشكاليات العصور السابقة وايديولوجيات القرن العشرين ومرجعياته التقليدية والتعامل مع العصر بمنطق العصر بعيدا عن النظرة الاستهلاكية أو التخلص من الانكفاء على الذات ومعرفة الآخر معرفة إنسانية بعيدا عن تعقيدات المراحل السابقة..
الأجيال الحالية في مرحلة تاريخية مختلفة جدا عن كل المراحل الأخرى كونها استطاعت الانفلات نسبيا من قبضة الوصاية التقليدية التي ربما فرضت على المجتمع طيلة ثلاثين سنة ماضية أو أكثر، لذلك فالتحولات في القيم المجتمعية لدى الأجيال الجديدة تفترض رؤية مغايرة عن رؤية الآباء، وأسئلة أعمق، كون هذا العصر يعطي سعة أفق أمام الجيل الحالي؛ لكن عليه أن يعي أن هذه التحولات يمكن أن تعصف به إلى الوراء إذا لم يستطع التعامل معها بوعي تاريخي مختلف.
19:00 | 22-10-2014
الشعر الإيقاعي جدير بالبقاء: محمد يعقوب نموذجا
كنت كثيرا ما أكرر أن القصيدة العمودية لم تنته حتى بعد تحول كثير من الشعراء إلى قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر، بل الشاعر الجيد هو من يستطيع أن يستفيد من جماليات الشعر الحديث (تفعيله ونثريته) لتشكل عمودية جديدة قابلة للتطور في الرؤية وفي الإيقاع والأسلوب والتراكيب، وهي أمور تتكاتف لخلق عالم شعري يمكن له أن يعيد وهج العمودية إلى مكانها، وانتشالها من حالة الركود والتبعية التقليدية للقديم إلى فضاءات أرحب وأكثر اتساعا. فالأشكال الشعرية تتجاور ولا ينفي بعضها بعضا. وبرأيي أن من لم يجرب، ولو في بداياته القصية الإيقاعية، فإنني ما زلت أشك بشاعريته وقدرته الشعرية. لا مشكلة في التجاوز، ولكن أن يكون تجاوزا عن وعي شعري بضيق أفق الإيقاعية وسعتها مع النثرية.
أحسب أن الشاعر محمد إبراهيم يعقوب (من جازان) من الذين استطاعوا أن يمنحوا القصيدة الإيقاعية بعموديتها وتفعيليتها أفقا شعريا تستحقه، على رغم هدوء حضوره الشعري في الساحة، وربما كان لعمقه الشعري سبب في ذلك. هذا أولا، ولأنه ــ ثانيا ــ جاء في وقت انصراف الناس عن الشعر إلى الرواية والمقالة، ومزاحمة التقنية الحديثة لمواقع التواصل الجديد لهذه الأشكال كالتغريدة وغيرها. في يدي مجموعتان للشاعر يعقوب: (جمر من مروا) عن دار الانتشار والأخرى (الأمر ليس كما تظن) عن نادي جدة الأدبي، وفي المجموعتين يعود الشعر الإيقاعي إلى الواجهة لمنحها الشاعر حضورا تستحقه، إذ يمكن أن تأخذك بعض القصائد إلى عالم من الشعرية الفائقة التي ليست غريبة على أهل جازان، فهم موطن الشعر، ولعل عددا من قصائده مثل: (غيابة الناي) و(أبجدية الطين) و(معراج ) و(الأهلة) في المجموعة الأولى تكفي لرسم شاعرية حقة، حيث تختلط وجدانيات الشاعر بتأملاته، أما في المجموعة الثانية، التي أعتبرها تفوق الأولى شعريا، فتطالعنا القصيدة الأولى (سوى اعترافك بي) لتكشف عن شاعرية طافحة بالوجدانية والعمق الشعرية والسيرة الذاتية معا، فضلا عن القصائد الأخرى مثل (خاتمة لروح متعبة) و(ما لم يقله الرمل)، وهي قصيدة تنظر للوطن بعين الغواية الشعرية، و(تمائم الورق) التي هي بحق قصيدة عميقة تشف عن مرحلة جديدة ربما لدى الشاعر في الرؤية الشعرية.
محمد إبراهيم يعقوب أحد الشعراء الذين سيكون لهم صوتهم الشعري الفريد إن كان النقاد السعوديون يثقون بشعرية هذا الجيل ولا يكتفون بشعراء الثمانينات.
18:41 | 19-10-2014
أزمة القيم .. لماذا ؟
بعد ظهور أدوات التواصل الحديثة، أصبحت الأزمة القيمية تظهر بشكل أكثر جلاء، إذ يمكن القول إن البعبع الأخلاقي خرج من مخبئه لتظهر علينا قيم جديدة لم تكن في الحسبان، ولتضعنا في سؤال أمام ذواتنا المفكرة: هل كنا مجتمعات فضيلة فيما سبق؟ أم أن القضية لا تعدو كوننا مجتمعا يتشابه مع كل مجتمعات العالم، فبقدر ما فيه من قيم فاضلة، فإنه في المقابل لديه قيم ليست كذلك، فما بين الأفكار المثالية أو الطوباوية والسلوكيات البرجماتية كان مجتمعنا يعيش حياته اليومية وفق هذه الازدواجية التي نراها في كل مكان.
في رأيي أن أزماتنا القيمية ناتجة عن كوننا نعيش مجتمع البين بين، كما يقول المفكر المغربي عبدالسلام بنعبدالعالي؛ أي أننا مجتمعات تعيش بين عصرين: عصر ما قبل الحداثة أو التقليدية بشكل أكثر توصيفا، وعصور الحداثة التي اكتسحت كل حياتنا إلى الدرجة التي استطاعت اختراق الكثير من خصوصياتنا، إذا كانت لنا خصوصيات مجتمعية، فقيم ما قبل المجتمع الحديث ليست هي قيم المجتمعات الحديثة، ولعل أحدها ــ مثالا لا حصرا ــ بروز قيمة الفردانية، والتي خلقت تأزما للمجتمعات التي لم تدخل في الحداثة إلا شكليا، وبقدر ما تحقق من رخاء اقتصادي فقط دون أن تطال البنى الفكرية، فبروز النزعة الفردانية، ولو على مستوى الثقافة والفكر فقط، جعل المجتمع أمام قيمة جديدة تضرب في أساس تكوينه الثقافي الذي كان متأصلا لمصلحة الجماعة، وهنا تحل قيمة محل قيمة أخرى بفعل التحولات الاجتماعية، ومن هنا تبرز التأزمات القيمية في المجتمعات التقليدية، ومجتمعنا أحدها. والإشكالية هنا ليست في حلول قيمة مكان قيمة أخرى، وإنما في مدى قابلية هذا الحلول لدى المجتمع التقليدي، فالأجيال الجديدة، والتي ظهرت مع وجودها التحولات في القيم، هي ــ في رأيي ــ أكثر انسجاما مع معطيات عصرها، فهي تتمثل عصرها من غير الإحساس بالأزمة القيمية التي تعيشها الأجيال السابقة عليها، كونها استطاعت التصالح مع ذاتها، لكن تبقى إشكاليات الأجيال السابقة تلاحق الأجيال الجديدة لتؤثر على حراكها المجتمعي، إلا إذا استطاعت أن تصنع قطيعة معرفية مع تفكير السابقين.
19:08 | 17-10-2014
نوبل والعرب وأدونيس
يختلف الكثيرون حول أشهر جائزة عالمية للسلام وللأدب والعلوم (نوبل) فما بين من يشكك بها وبنوايا أصحابها ذوي التوجهات السياسية المختلفة، وآخر يعتبرها أهم جائزة على الإطلاق والحصول عليها هو بمثابة التتويج للجهود العظيمة التي عمل عليها عدد من الحقوقيين أو السياسيين أو الأدباء والعلماء، وما أن يحصل عليها اسم من الأسماء حتى تثور عاصفة من الجدل حول الشخصيات التي اختارتها اللجان سواء على جائزة السلام أو الأدب أو العلوم. والمشكلة تكمن في الخلط بين التوجهات السياسية والعلمية والأدبية في الجائزة، فإذا كانت جائزة السلام تحصل عليها بعض الإشكاليات، بحكم أهواء السياسيين والتوجهات السياسية المختلفة، فإن جائزة الأدب وجائزة العلوم خارج هذه المشكلة كونها أقرب إلى الموضوعية منها إلى جائزة السلام، فالسياسيون غالبا ما كانت اختياراتهم خاضعة إلى شروط المسألة السياسية، وهي مسألة تتحكم بها المصالح أكثر من غيرها خلاف الأدب والعلوم التي تخرج عن هذا الإطار عادة، لذلك تكون جائزتا الأدب والعلوم أقرب إلى المصداقية من جائزة السلام.
كان للعرب نصيب من جائزة نوبل ولكنه في جانب جائزة السلام أكثر من جائزة الأدب والعلوم، وحصل جدل في استحقاق الأسماء التي فازت بها من العرب بدءا من السادات وانتهاء في توكل كرمان، وسواء اتفقنا أو اختلفنا على الأسماء التي حازت عليها من العرب؛ إلا أنها كانت ذات جدلية سياسية أكثر منها في الأدب إذ يشهد المنصفون استحقاق نجيب محفوظ جائزة الأدب واستحقاق أحمد زويل جائزة العلوم في الكيمياء، وهذا راجع إلى ما قلناه في الفقرة السابقة من قرب جائزة الأدب والعلوم من المصداقية خلاف جائزة السلام. فالعرب على كثير من مشاكلهم السياسية والثقافية والعلمية حصلوا على جزء لا بأس به منها (من المفارقة العجيبة أن يحصل العرب على جائزة السلام أكثر من جائزتي الأدب والعلوم)، وليس صحيحا أن العرب لا يستحقونها ــ كما هو رأي الكاتبة سوسن الأبطح في الشرق الأوسط قبل أيام ــ فلدينا عدد من الأسماء التي أثرت الساحة الأدبية والعلمية، لكنها بالتأكيد ليست بحكم التأثير العالمي على المسيرة العلمية والأدبية، لذلك جاءت جائزتا الأدب والعلوم لتعطينا حجم مساحتنا في التأثير الثقافي على العالم. (لست ممن يحب جلد الذات ولكن أيضا لست ممن يعطي لثقافتنا وتأثيرها حجما أكبر منها).
في سؤال وجهه لي الزميل أحمد عايل فقيهي عن عدم نيل العرب جائزة في الأدب بعد نجيب محفوظ ذكرت بأن الإشكالية تكمن في ضعف الحضور الثقافي والعلمي وقوة التراجع الحضاري في العالم العربي، فالأدب صدى للواقع، وهو واقع للأسف لا ينم عن قوة فعلية إلا من بعض الأسماء التي لا تشكل تأثيرا على الحركة الثقافية في المنطقة ككل، كما أن الواقع العلمي مترد ترديا لا مثيل له في تاريخنا العربي، ولذلك لم يحصل العرب إلا على جائزة في الأدب وجائزة في العلوم رغم أني أتصور زويل في الأساس كان قد جاء من داخل الإطار الغربي وتأثيراته أكثر من تأثيرات الفكر العربي عليه، وعلى هذا يبقى نجيب محفوظ الوحيد الذي خرج باستحقاق جدير به من داخل الثقافة العربية.
أما عن أدونيس، الذي صاحب اسمه ملازما لحضور الجائزة كل عام في عالمنا العربي لتذهب كل مرة إلى غيره، فإنه أحد الشخصيات الجدلية التي يختلف حولها الناس أكثر مما يتفقون سواء على قابليتهم لأدبه أو استحقاقه الجائزة، فهو بالتأكيد من الشخصيات الأدبية المهمة في الوطن العربي؛ لكنه ــ في رأيي الخاص ــ ليس الأهم بحيث نصنع من أجله مناحات ثقافية لعدم فوزه، أو يثور حوله جدل في استحقاقه الجائزة أو عدم استحقاقه لها. هذا أولا : ثانيا : هناك العديد من الأسماء التي تنافس أدونيس في جدارة الاستحقاق، ولم يلتفت إليها أحد، فلماذا أدونيس بالذات من نصنع له هذه الهالة الثقافية ؟ المغرب العربي مثلا من تونس إلى موريتانيا فيه العديد من الأسماء التي تشتغل بجهد أكبر من جهد المشارقة العرب سواء على المستوى الأدبي أو الفكري، وهي الآن تمثل الثقافة العربية الجادة وتأثيراتها تمتد حتى المشرق، فلماذا التركيز على أدونيس دون غيره؟ لا أنتقص من حجم الرجل، رغم بعض مواقفه غير المشرفة من الثورات العربية الشعبية، ولكن أتصور أنه ليس بذلك الأديب الذي يوازي استحقاق نجيب محفوظ حتى نتحسر على عدم نيله الجائزة كل عام، فهي لن ترفع من قدره في حال نالها، ولن تنقصه في عدم نيلها، لذلك لسنا بحاجة إلى تلك المناحة الثقافية غير المبررة في تبجيل أدونيس أو تبجيل غيره.
على العموم تبقى جائزة نوبل للأدب وللعلوم بعيدة قليلا عنا نحن العرب لما فينا من مشكلات ثقافية كثيرة ليس أقلها غياب حرية التعبير، لتجعل أي عمل أدبي محاطا بكثير من القيود السياسية والدينية، فلا أدب حقيقيا إلا مع حريات حقيقية، والتي ليست في العالم العربي حتى الآن.
19:01 | 15-10-2014
الصحافة الثقافية
بين المثقف والصحافة علاقة وثيقة فهي المنبر الذي كان، ولا يزال، الذي يمارس من خلالها الركض في مساحات التعبير، إذ يحاول المثقف أن يستغلها لصالح طرح رؤاه الفكرية في طيات المجتمع، لذلك ارتبطت الصحافة بالمثقف منذ أول نشأة لها، وربما لولا المثقف لما كانت هناك صحافة في الوطن العربي.
في السعودية تحديدا كان للصحافة رابطها الوثيق في بداياتها، حيث قامت على بعض الأسماء الثقافية التي كانت في وقتها. تحولت لاحقا إلى مؤسسات ثقافية وإعلامية وتجارية بعد اتساع مجالاتها فلا فكاك للمثقف من استخدامها حتى هذا الوقت. صحيح أنه زاحمها كثير من الوسائل إلا أنها بقيت في الصدارة حتى الآن.
لكن تبقى الصفحات الثقافية في صحفنا السعودية مختزلة في جوانب الأدب لا غيره، وهي مشكلة قديمة راجعة إلى بدايات نشأة الصحافة في السعودية، حيث قامت على أيدي أدباء كان اهتمامهم منصبا أكثر على القضايا الأدبية. تطورت لاحقا وتوسعت الصحافة لشمل كل شيء في الحياة العامة.
الآن مفهوم الثقافة أوسع، فكل جوانب الحياة هي في رمزيتها ثقافية حتى في المسائل الرياضية أحيانا. كرة القدم مثلا في جانب منها ثقافة. طبعاً الجوانب الأخرى من الحياة أو الفكر كلها تصب أكثر في القضايا الثقافية: الفلسفة، الدين، الاجتماع، النقد، الفنون، كل جوانب الحياة هي في شكل أو آخر ثقافية، فلم يعد هناك تحديد لإطار ثقافي دون الأطر الأخرى. لكننا نرى الفلسفة في بعض الصحف تفرد لها صفحات في خانة الأفكار. كذلك الدين تفرد له صفحات خاصة في الأقسام الدينية، السينما والفنون البصرية أو السمعية كذلك، كلها لها صفحاتها الخاصة رغم أن كلها تدخل في مفهوم الثقافة الواسع، وهذا راجع كما قلت لمشكلات النشأة الصحفية وارتباط بعضها بالأدباء دون غيرهم. لا مشكلة في أن تنفرد كل ثقافة بصفحة لكن أن يتم اختزال الصفحات الثقافية بالأدب فهذا اختزال ليس في محله ويجعل الصفحات الثقافية هي أضعف ما في الصحيفة للأسف ما هو حاصل الآن في غالب صحفنا.
22:46 | 5-10-2014
قضية جنَى وجناية التطرف
من العجيب أن تأخذ قضية طفلة صغيرة وبريئة مثل جنى الشمري كل هذا الضجيج الاجتماعي بحيث تتصدر القضية جدل وسائل التواصل الجديد كتويتر وكذلك بعض القنوات الفضائية إلى جانب حديث المجالس. وبعد أن هدأت الضجة يكون من اللازم التفكير في هذه القضية وإلى أي مدى أصبح المجتمع متوجسا، حتى من الأطفال، إلى الدرجة التي يتهمونها باتهامات غير صحيحة في صحتها وعمرها، هذا إن سلمت من الاتهامات حول أخلاقها، أو أخلاق والدها، الذي اتهموه زورا كذلك بأنه أخذ مالا لكي يعرض ابنته في الحفل.
ولكوني من منطقة حائل، التي حصل فيها الحدث، فإنني أجزم أن المجتمع الحائلي ليس كما ظهر بأنه يرفض خروج هذه البنت؛ بل بالعكس يتقبل الأمر ببساطة لكونها طفلة صغيرة واعتاد المجتمع على ظهور الأطفال بناتا وأولادا أمام الناس، والدليل على ذلك أن بعضا من رجال حائل ذي المرتبة الاجتماعية العالية من شيوخها مثل الشيخ اللغيصم والشيخ الجبرين، وهما من أشهر شخصيات حائل المعتبرة اجتماعيا، وقفا مع جنى ووالدها ضد كل الكلام المجحف الذي تعرضوا له كما ذكر ذلك والدها في بعض حواراته التلفزيونية مع ابنته حول القضية، وحسنا فعل والدها بأنه يعزم رفع قضية ضد الذين أساؤوا لبنته ولسمعة العائلة حتى يقف المسيئون عند حدهم.
لكن السؤال الذي لابد أن نعيد التفكير فيه هو لماذا حصل كل هذا الجدل رغم وضوح الأمور وجلائها منذ اللحظات الأولى للحدث؟ ما الذي جعل المجتمع بهذه الشراسة أمام طفلة بريئة أرادت أن تقول شعرا للوطن؟
في محاولة للإجابة عن هذا التساؤل يكون من اللازم العودة إلى مرحلة التحولات التي حصلت في المجتمع طيلة الثلاثين السنة الماضية. كان المجتمع أقرب إلى المجتمعات البسيطة العادية التي كانت المرأة فيه تشكل جزءا مهما من المجتمع وتختلط بالرجال في بعض أعمالهم في السوق والرعي والزراعة وباستضافة الرجال كذلك متى ما غاب زوجها لتقوم بواجب الضيافة، وهذا معروف وغير مستنكر. بساطة المجتمع تكمن في أمرين:
الأول: البساطة الاقتصادية؛ إذ كان المجتمع يعيش حالة كفاف في أغلبه، وتشكل المرأة يدا عاملة اقتصادية مهمة في مشاركتها العمل مع الرجل في غالب أعماله، كما يشارك الأطفال أحيانا في أعمال الكبار بناتا وأولادا.
ثانيا: البساطة الاجتماعية في موضوع التدين، والمقصود بها ليس الجهل بالدين كما يحاول أن يصور بعض المزايدين، بل هو التبسيط والعفوية في الأعمال وعدم التكلف بها، فكانت القضايا التي يهتم لها المجتمع لا تتعدى المعروف من الدين بالضرورة، كما هو تعبير الأصوليين، دون الدخول في تفاصيل ضخم حجمها المتدينون لاحقا حتى كادت أن تصير من الثوابت.
حصل لاحقا أن تمت عمليتان: جاءت الطفرة الاقتصادية التي ضخمت المردود المالي للمجتمع؛ صاحبها تخلي المجتمع عن اليد العاملة التي كان يعتمد عليها، فعادت المرأة إلى البيت واختفت عن الرجال؛ إلا في بعض الظروف الصغيرة التي تجبرها على الاختلاط في أضيق حدوده، الثاني: تم تضخيم العامل الفكري لمفهوم التدين في المجتمع، فدخل في كل التفاصيل الصغيرة، التي لم تكن موجودة من قبل بهذا الحجم. أدى هذان العاملان إلى انقسام المجتمع إلى فئات تؤيد الوضع السابق، وفئات تؤيد الوضع الجديد، وحصل الصدام العنيف في المجتمع، حتى وصل العنف اللفظي إلى الأطفال والنساء، رغم أنهم لا علاقة لهم بالموضوع، فهو صراع فئات الرجال وهيمنة بعض الخطابات على بعض، ولعل الصراع حول قضية جنى هو أحد مراحل ذلك التوتر القديم الذي دخل فيه عدد من المتوجسين، الذين لا فهم لديهم لبنية المجتمع، إضافة إلى انخراطهم في صراعات أسبق منهم بسنوات طويلة، فحصل في حائل ما حصل في السعودية كاملة، رغم أنه تأخر قليلا في حائل، فإذا كانت الصراعات في السعودية منذ الثمانينات، فحائل بدأت فيها منذ منتصف التسعينات تقريبا مع تمدد فكر الصحوة. من هنا يمكن فهم قضية جنى ــ فيما أتصور ــ رغم أنها قضية صغيرة أخذت حجما أكبر منها، فكانت الطفلة البريئة وأهلها ضحية جناية تضخم التطرف في المجتمع السعودي.
20:53 | 1-10-2014
أرامكو.. أن تكون قارئا
في الأسبوع الماضي كان لي شرف حضور مسابقة (أنا أقرأ) التي يقيمها مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي في الظهران التابع لشركة أرامكو. وكان من المدهش والمثير للاهتمام ذلك العدد الكبير من أبناء الوطن الذي شاركوا في هذه المسابقة. صحيح أنه تم تصفية القليل منهم ودخولهم في المشاركة، إلا أن العدد الكبير الذي شارك في هذه المسابقة محفز على الفأل الجميل في وجود جيل ناشئ قارئ. هذا الجيل هو ما تبحث عنه أرامكو من خلال مركزها حتى يصل إلى مليوني قارئ في حدود 2020م كما هو مبين في بعض المنشورات التي صاحبت المسابقة. أرامكو هنا تستثمر في الإنسان كما استثمرت في المكان. تستثمر بواطن العقول كما استثمرت بواطن الأرض. في وطننا الكثير من الشباب الذين يمكن أن يصنعوا مستقبلا جميلا لو التفتنا إليهم، وقدمنا لهم برامج ثقافية تناسبهم، كما فعلت أرامكو في هذه المسابقة لعامها الثاني.
يقوم على هذا المركز عدد من الشباب المثقف والواعي والمجتهد، ولكن سوف يطول الحديث لو عددت أسماءهم، وربما ذكرت البارزين وتجاهلت جنوداً مجهولين، لكن يبدو أن العمل كان عملا جماعياً امتد لسنة كاملة ما بين مختلف مناطق المملكة.أما عن الشباب والشابات المشاركين في المسابقة، فقد كانوا مدهشين بحق. تكمن هذه الدهشة من نوعية قراءاتهم الفكرية والروائية؛ خاصة إذا علمنا أن مراحلهم الدراسة تتراوح مابين المتوسطة والثانوية والجامعية. نوعية القراءة تنم عن وعي كبير لديهم رغم صغر سنهم، ولهذا السبب كان تصدرهم في المسابقة ليس مستغرباً.
على مدى ثلاثة أيام كان حضور الشباب والعروض المصاحبة لقراءاتهم مدهشة وممتعة. ليس من السهل أن تجمع بين الثقافة الجادة والمتعة والترفيه. تعودنا أن تكون الثقافة جامدة؛ لكنها مع هذه المسابقة كانت تدخل الترفيه والتقنية في العروض لتقول لنا الثقافة الشبابية الجديدة : نحن هنا.
من اللافت أيضا غياب ثقافة (البشوت) كما يقول الكاتب الزامل في مقال له عن هذه المسابقة. أرامكو متفردة في هذا الجانب. كنتُ دائما أراهن على استقلالية الثقافة عن الإدارات الرسمية في البلد، وهاهي تحقق مع هذه المسابقة التي أشك في قدرة مؤسساتنا الثقافية الحكومية على تحقيقها. أرامكو ليست شركة نفطية وحسب؛ بل يطلعنا تاريخها على حراك ثقافي صنع جزءاً من ثقافة هذا المجتمع، ومن المهم أن تتمدد آليات العمل الإداري والثقافي في أرامكو لتشمل بقية مناطق المملكة.
21:48 | 27-09-2014
معنى أن تكون مواطناً
أكتب هذا المقال في اليوم الوطني، وأنا في القطار متجه من الأحساء، وقد أتيت من المدينة لكون عملي هناك، وأنا في الأصل من أبناء منطقة حائل، هذه الخريطة الكبيرة والتوقيت والاختلاف التضاريسي والأجواء والناس ومذاهبهم وطبائعهم في حدود سياسية واحدة نسميها الوطن جعلتني أحاول أن أفكر في معنى الوطن، ومعنى أن تكون مواطناً!
إذا ما فكرنا في معنى الوطن فيجب ألا تكون هناك ضبابية في معناه أو في مفهومه. هناك جغرافية تمتد من الخليج شرقاً حتى البحر الأحمر غرباً، ومن أقاصي الصحراء شمالا إلى حدود جبال اليمن جنوباً، أرض شاسعة جدا تختلف في تضاريسها ما بين جبال ووهاد وصحارى وبحار ووديان، كما تختلف في أجوائها ما بين معتدلة وحارة. هذه الحدود تشمل ربما أكثر خريطة الجزيرة العربية، وينتشر فيها أكثر من عشرين مليون نسمة، يختلفون في توزيعهم المناطقي والعشائري والمذهبي والأفكار والسلوكيات وحتى الثقافات وربما يتعدى إلى اللغات كما هي بقايا لغة حمير في بعض القبائل التي تعيش في صحراء الربع الخالي أو تلك اللهجات التي نظن أنها عربية ولكنها تمتد إلى أبعد من ذلك. ما الذي يجعلني أسافر من المدينة حتى أصل الأحساء لكي أتفاعل مع رجاله في الاحتفال باليوم الوطني؟ ما الذي يجعلني أستقبل بكل سرور رسالة تهنئة بالوطن من صديق أو صديقة في أقصى الجنوب أو من الحجاز وأنا من أهل الشمال؟ سيكون الوطن هو الذي يجمعني معهم جميعاً لكني بالتأكيد اختلف عنهم في لهجتي وعشيرتي وسحنتي وطبائعي وعاداتي وتقاليدي وتصوراتي، وإن جمعتنا اللغة والدين. لي هويتي الصغرى التي تجاور هوياتهم الصغرى ولكننا نتجمع في الهوية الكبرى. مظلتنا التي تجمع هوياتنا في ظلها.
الوطن هو الإنسان والأرض، كما أحب أن أكرر دائما، هو ذلك الانشداد الذهني والنفسي إلى بقعة جغرافية أو إلى إنسان أو إلى تاريخ في الذاكرة البعيدة أو القريبة حتى وإن كان هذا الانشداد مرهقاً لكوننا نبحث عن الفضل له وبه.
الوطن هو التفاعل المشترك مع كل المختلفين معي تفاعلا يضعنا نبني هذه الأرض، ولا نفسدها بسبب انحيازنا لهوياتنا الصغرى على حساب هويات الآخرين. أن تعتز بهويتك فهذا حق لك، أما أن تضع هويتك كمنافس يلغي الهويات الأخرى فهذه مشكلة كبيرة ربما تؤدي إلى نفي الآخرين كلية هوية وأجسادا بالقتل أو الصراع المميت، وعلى هذا يتحدد معنى المواطنة في كونك تتحرك وفق الاختلاف والوحدة. أي تتحرك بحسب ما تختلف به مع الآخرين لتشكل وحدة أعم مثل الفسيفساء التي تختلف اللوحة فيها بتفاصيلها الصغيرة لكنها تعطيك لوحة فاتنة تجمع كل تلك الألوان المتضادة.
معنى أن تكون مواطناً فهذا يعود إلى كيف تفكر في هذا الوطن. هناك من يريد من الآخرين أن يشبهوه على استحالة ذلك. أن تكون مواطنا لا يعني أبدا أن تلغي المختلفين داخل هذا الوطن. أن تتعايش معهم وليس بالضرورة أن تتفق معهم إلا في ما هو الصالح العام. الصالح الخاص يتراجع كثيراً أمام المصالح العامة للوطن. ربما تضطر إلى تغييب الهوية اختياريا من أجل إنسان آخر في أقصى الجنوب وقع في مشكلة إنسانية لا تخصه هو بحاله بل تعبر عن كل المواطنين، مأساة امرأة في الغربية ستحس بها أخرى في الشرقية، صاحب المذهب يجب أن يحس بمأساة صاحب المذهب الآخر.
معنى أن تكون مواطنا هو أن تكون متعاليا على كل هوياتك الصغرى رغم اعتزازك بها، ومشكلا مع هويات الآخرين مجموعاً وطنياً واحداً، مجموعاً يعرف كيف يختلف وكيف يعتز بهويته دون أن يلغي هويات الآخرين.
19:24 | 24-09-2014
اقرأ المزيد