تحميل...
يحتاج ما حصل في مصر وتونس لسنوات لاستخلاص العبر والدروس. وهي عبر للشعوب بعامتها وخاصتها.فمع الألوان الزاهية التي تطلقها وسائل الإعلام ونتائج الحدث من أفراح حقيقية، يجب أن نعي أن لكل فرحة ثمنا. وهذا الثمن عنوانه الضحايا والجرحى. وتحت هذا العنوان ما لا عد له ولا حصر من التضحيات.لكن النتيجة انقادت إلى حرية وعدل وازدهار فهي دون شك تستحق الثمن بكل آفاقه وأبعاده. وإن انحرفت عن مطامح الناس الصادقة فستؤول إلى مرارة لا مثيل لها.والمؤسف أن ما مر بالعرب من تجارب للخروج من التسلط آل كثير منها إلى ضرر أوسع وكارثة أعم. وما العراق إلا مثال واضح. بات شعبه يتمنى ليلة أمن من ليالي صدام بكل ما حواه حكمه من قهر وظلم.وإذ ندعو أن يجنب الله مصر وتونس ذلك، نؤمن أنه كلما ترابطت قلوب وأيدي المخلصين في كل منهما وتعاهدت مع الله على صدق النوايا نحو خير الشعب ومصالحه فإن الله آخذ بهم نحو الفلاح.ولعل من أبرز إيجابيات ثورتي تونس ومصر على الشعوب العربية الأخرى، أنها كفتها مؤونة القيام بالمثل. لأنه ما من رئيس اليوم إلا (وعى) كما وعى مبارك و (فهم) كما فهم زين العابدين ما حدث. وكلهم يدرس الآن ملفاته ليجتهد في تقديم الأفضل لبلده وشعبه.ربما كان بعضهم يظن الأمر خاصا بتونس فيوجد الأعذار بعدم وصول عدواها. لكن ما أن حل الأمر بمصر أكبر دول المنطقة العربية والأفريقية إلا وأدرك أنه قاب قوسين أو أدنى. وإذا كان الواجب هو استدراك الأمور قبل وقوعها، فإن من أوجب الواجب على الشعوب الأخرى أن تعي أن الله جعل العبرة في غيرها فلا تسعى لتكرار المشهد بقدر ما تترقب وتنتظر ما سيستقبلها من إصلاح وتوفيق بعد العبر التي استخلصها الرؤساء الذين هم أحرص ما يكونون على كراسيهم. ولن يثمر لهم ذلك الحرص إلا بالمصالحة الحقيقية مع شعوبهم عبر الإصلاح ومحاربة الفساد ورفع المظالم. ولتطمئن الشعوب أن رؤساءها أقدر الناس على ذلك إن أرادوا. ربما لم يكن بعضهم يريده كله من قبل. لكنهم اليوم حتما يريدونه وباستعجال بعد موعظتي مبارك وزين العابدين. فالأحرى بالشعوب أن تعي وتدرك ذلك فتعطي فرصة الوقت لمن هو قادر على التصحيح والإصلاح، حتى لا تفرط في مكتسبات ماضيها ولتستفيد من تضحيات إخوتها في مصر وتونس.فالكلمة التي تصدق اليوم للجميع، رؤساء وشعوبا (العاقل من اتعظ بغيره والجاهل من اتعظ بنفسه).