أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author
--°C
تحميل...
⌄
لوحة القيادة
خروج
الرئيسية
محليات
سياسة
اقتصاد
فيديو
رياضة
بودكاست
ثقافة وفن
منوعات
مقالات
ملتيميديا
المزيد
الرياضات الإلكترونية
سعوديات
ازياء
سياحة
الناس
تحقيقات
تكنولوجيا
صوت المواطن
زوايا متخصصة
مركز المعلومات
⌄
لوحة القيادة
خروج
الرئيسية
محليات
سياسة
اقتصاد
فيديو
رياضة
بودكاست
ثقافة وفن
منوعات
مقالات
ملتيميديا
المزيد
الرياضات الإلكترونية
سعوديات
ازياء
سياحة
الناس
تحقيقات
تكنولوجيا
صوت المواطن
زوايا متخصصة
مركز المعلومات
الرياضات الإلكترونية
سعوديات
ازياء
سياحة
الناس
تحقيقات
تكنولوجيا
صوت المواطن
زوايا متخصصة
مركز المعلومات
تصفح عدد اليوم
حسن النعمي
كلنا أرقام
يحمل الإنسان المعاصر على عاتقه هويتين، إحداهما اجتماعية والأخرى رقمية. وبين الاثنتين تباين صارخ. فالهوية الاجتماعية تحدد عرق الإنسان وطبقته ودينه، مختزلة في اسمه إلى حد كبير، وهي قديمة قدم الإنسان منذ ميلاد البشرية. أما الهوية الرقمية فهي هوية حديثة أملتها التطورات المدنية ورغبة السلطات العالمية في التحكم على نحو أكبر في حركة الإنسان وتحديد هويته بشكل عملي لا لبس فيه. وعليه فهي هوية رسمية اختارت الأرقام مدخلا لتحديد هوية الأفراد.
الأرقام هي الأصدق في التعاملات التجارية قديما وحديثا، فبها تضبط الحسابات وتعرف المصروفات، وتتحدد المكاسب والخسائر. والرقم يمثل خلاصة للتجارب، فالحديث عن نتائج المعارك رقمي من حيث عدد الجيوش وعدد الخسائر البشرية. السؤال بكم، سؤال جوهري في حياة الإنسان. فلترغيبه في العبادة يجد في الغالب الجواب رقميا، ولترغيبه في السلعة يطبع الرقم عليها بشكل جذاب يلفت انتباهه قبل السلعة ذاتها.
الأرقام هي التي تحدد تفوقنا أو عدمه في مسيرتنا التعليمية، فبها يتفاضل الطلاب، وهي علامة تفوق أو خلافه بصرف النظر عن دقة استخدامها فتلك مسألة أخرى.
تحولت الأرقام إلى هوية مع التطور المدني. فمع تطور المجتمعات فتحت السجلات لتسجيل المواطنين في كل بلد، وتم ترقيمهم حتى يسهل التعرف عليهم في تعاملاتهم اليومية وأثناء تنقلاتهم من بلد لآخر. إذا وقفت بباب أمني يسألك عن رقم هويتك أو جواز سفرك قبل اسمك. اسمك الذي تعتد به اجتماعيا يأتي لاحقا، وإن جاء أولا فمن باب المجاملة الاجتماعية، فالاسم بالنسبة لأجهزة الأمن لا يحدد هويتك بدقة. اسمك لك والرقم للأمن. هوية اسمك سلاحك الاجتماعي تناضل به، إذ به تنتسب لعائلة أو قبلية أو هوية مذهبية. هذه الاعتبارات تسقطها الهوية الرقيمة، فلا اعتبار لمن أنت اجتماعيا أو مذهبيا. فأولا من أنت رقما، وليس بشحمك ولحمك، وليس أنت بعائلتك أو قبيلتك أو مذهبك إلا بعد تحديد هويتك من خلال رقمك. هوية الرقم أصدق أنباء من هوية المجتمع الذي تتشابه فيه الأسماء وتتعد فيه المرجعيات القبلية والمذهبية.
كلنا أرقام هذه حقيقة تجرنا لحقيقة أخرى، وهي أننا أمام بوابات الأمن سواء، لا فضل لقبلي على غيره ولا فضل لمذهبي على خلافه، ولا فضل لعربي على أعجمي. هوية الرقم أولا، وبعدها البحث في الهوية الاجتماعية. الهوية الاجتماعية مخترقة، ومرتبكة، والأخطر أنها فضفاضة. الهوية الاجتماعية علامة سيميائية معلنة، تفضح أكثر مما تستر، تصنف وتستدعي الهويات الأخرى، ويمكن أن تكون هوية قاتلة لصاحبها ولغيره.
الهوية الاجتماعية قدر، فليس للإنسان حرية في اختيارها، لكن له حرية في استخدامها، فيمكن أن يستخدمها بعقلانية، ويمكن أن يسيء استخدامها. وكذلك الهوية الرقمية ليست حرا في اختيارها فهي تنظيمية تنزل منزلة الضرورة، لكنها محايدة. فالإنسان يولد برقم ويموت ورقمه باق في السجلات. يدخل المدرسة أو المستشفى أو السجن برقم يحدد هويته. والهوية الرقمية لا تدعو للتفاخر مطلقا، لأنها هوية صماء.
الإنسان في هذا العصر يعيش على الأرقام وبالأرقام، عملته النقدية، وسفره، وسجلاته الأمنية، كل شيء رقمي. المفارقة أن هناك من يسعى لتمييز نفسه بالأرقام، وخاصة إذا عـز أن تعرفه هويته الاجتماعية بما يكفي، فيشتري رقم هاتف ليميزه، ويشتري رقم لوحة سيارة لتميزه، وهذا استلاب رقمي يقيد الاسم، ويصبح المرء معروفا برقم لوحة سيارته أو رقم هاتفه. هذه درجة من درجات الاستلاب الرقمي التي تجر بعض الناس إليها دون شعور منهم..
بين الرقم والهوية الاجتماعية خيط رفيع، رقمك الأمني خاص بك، بينما هويتك الاجتماعية خاصة بك وبغيرك، فاسمك يقدمك للناس. وخلفيتك الاجتماعية والمذهبية هي قدرك الذي يصنفك الناس على أساسه، وخاصة في البلدان ذات التفكير الأحادي الذي لا يقبل التعايش مع الغير. أما رقمك فهو الخلفية الضمنية لمفهوم المواطنة التي تأتي فوق الهويات الاجتماعية، الهويات التي قد تكون في بعض السياقات قاتلة. الرقم الأمني هو الاسم الألطف للهوية الوطنية. وهي المنطلق الذي من خلاله يتم التعامل مع أفراد المجتمع. القليل من الوعي يجعلنا نقترب أكثر من فهم معضلة الهويات الاجتماعية، ونقترب أكثر من تفهم معنى المواطنة في حياتنا.
halnemi@gmail.com
22:08 | 8-11-2014
لماذا نخاف من الآخر؟!
يمثل الآخر في ثقافتنا تحديا للذات الدينية والاجتماعية. ففي منظور البعض كل آخر ما هو إلا مشروع تخريبي. من طبيعة الخوف أنه مرتبط بعدم الثقة التي تتسلل للنفوس. فكلما كان الإنسان واثقا من تاريخه، ومن دينه، ومن تقاليده، سهل عليه التعايش مع الآخر، بل يصل الأمر إلى حد التطلع للقائه على أرض متكافئة.
من هو الآخر الذي نخاف منه؟
هل هو الغربي بكل حمولاته الإيديولوجية؟
هل العربي المختلف مذهبيا؟
هل هو فقدان الإحساس بالمواطنة، فكل من ليس من عشيرتي، فهو مشروع مختلف في النهاية؟
الإشكالية في الاقتناع لدى البعض بتمام المعرفة، وهو شعور نزود به أبناءنا من خلال المناهج، ومن خلال الإعلام، ومن خلال الخطب المنبرية الحماسية. فموقفنا من الغرب أن الله سخرهم لخدمتنا، وموقفنا من العربي أننا أكمل تدينا منهم، وموقفنا من بعضنا أن بعضنا أقل أصالة من غيره. وما زلت أذكر الطرفة التي تداولها الناس بين شخصين يعددان نواقص العالم، بدءا من الغرب ومرورا بالعرب، وأبناء الوطن، وأبناء القبيلة، وأبناء المدينة، وأبناء القرية، حتى أكد في النهاية أحدهما أنه أفضل من صاحبه.
ممارسة الإقصاء بهذه الطريقة ضد طبيعة الحياة، وضد تصور الدين. والقرآن ينص صراحة على مبدأ التعايش رغم الاختلاف: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم). فالرهان يقوم على التعايش الذي يستدعي حسن المعاملة، وأمر التفاضل بين الناس ليس من لوازم تقييم العلاقات بين الناس، وليس في مقدور أحد أن يدعي أفضليته في أمر دنيوي، أما وضع الآخرة فأمرها لله وحده. في هذه الآية يتحقق المعنى الإنساني الأكبر وهو تبادل المنافع الحضارية التي من غيرها لا تقوم الحياة.
قبول الآخر لا يعني تخلي الإنسان عن دينه، وثقافته، وكينونته الاجتماعية، فقط هو مطالب بإسقاط الريبة الاجتماعية التي تعتريه عندما يرد الآخر في سياق تجربته. ويمكن أن نستشهد بتجربة الهند الحضارية التي لم تستنكف من الآخر، ولم تتخل عن هويتها. أخذت من الآخر بقدر ما حافظت على شخصيتها. ومن تابع أولمبياد دول الكومنولث قبل سنتين تقريبا فتحت للعالم صدرها، لكن أشعرت القادمين أن هناك تقاليد وأعرافا للبلاد يجب أن تحترم. لم تقل الهند إن هناك قوانين يجب أن تحترم، فهذا أمر ملزم ومعمول به في كل الدول، لكن سياق العادات والتقاليد أمور عرفية من الضرورة احترامها واستيعاب معانيها. فانتهاكها لا يؤدي إلا إلى الانتقاص من قيمة الشخص نفسه الذي قد ينظر لهذا الانتقاص على أنه نزعة عنصرية.
رغم حالة الرهاب التي تنتابنا من الآخر، فإننا منغمسون في الاستفادة منه نستقبله ونندد به، نستفيد منه، ولا نشركه في تجربتنا الإنسانية والاجتماعية. هناك من يأتي لبلادنا ويعود منها دون أن يعرف كيف يعيش مجتمعنا، نحن معزولون عنهم في بيوتنا المسورة. يتعامل البعض معهم بفوقية غير مفهومة. مع أننا لا نستطيع أن ننهض بمصالحنا دون وجودهم في حياتنا. رتبنا أمورنا على أن نتفرغ للاستهلاك، وندع غيرنا يعمل من أجلنا. غرتنا حالتنا المادية التي نعتقد أنها ميزة لنا، في الواقع أنها أضرتنا من حيث لا نشعر، وأتاحت لغيرنا أن يستفيد منا دون أن نستفيد منهم. لم نستفد من تجاربهم بيننا أيا كانت هذه التجارب، لأننا عمقنا صورة المستهلك الذي لا يهمه وطنه، بل يهمه كيف ينجو بنفسه، كيف ينكفئ على ذاته الاجتماعية.
مجتمعنا ــ بالنسبة للآخر ــ مغر ومحرض على المتابعة. أتدرون لماذا؟! لأننا ندعي التفوق والخصوصية ونأتي بالعجائب. هناك من يرصدنا لأننا نرى أن لنا خصوصية يجب أن نبتعد بها عن الآخر، حتى لو أدى الأمر أن ندعي عكس ما نظهر. حول هذا التصور تمحورت مقولات جاهزة تصف كل فعل لا يواقف مزاجنا العام، على أنه صادر من قلة، لكن هذه القلة تكبر كل يوم.
الآخر الذي نخاف منه سيرانا كما يشاء ولن تنفع معنا عملية التمويه والمواربة. نحن مجتمع لنا أخطاؤنا مثلما لنا إيجابياتنا. يجب أن نقول للخطأ خطأ ونعمل على تعريته وتصحيحه، حتى لو مس هذا الموضوع أكثر الأمور حساسية في حياتنا. ولنبدأ بقراءة مناهجنا قراءة دون أن نستحضر الآخر، نقرأها من أجل بناء ثقافة وطنية تفيض إنسانية، بعيدا عن تكريس ما يمكن أن تفهمه أجيالنا على أنه موقف سلبي من الآخر. الآخر الغربي الذي نخشاه لن يغير عقيدتنا إلا إذا كان لدينا استعداد لذلك، الآخر العربي لن يحبنا إلا إذا أشعرناه أن الاختلاف لا يفرقنا، الآخر المحلي لن يجد أفضل من الإقرار بمبدأ المواطنة بوصفها مرجعية يستظل تحتها الجميع.
18:48 | 1-11-2014
رجال ألمع بين النور والظلام
تقع محافظة رجال ألمع في الجهة الغربية من منطقة عسير، حيث تمتد بين جبال عالية وأودية كثيفة النباتات، جوها ليس ببرودة أعالي الجبال، وليس بحرارة منخفضات السواحل والسهول، ومن زارها يدرك اعتدال مناخها في كافة تغيرات الظروف المناخية.
رجال ألمع تتألف من عشر قبائل لها حضور تاريخي عريق منذ معركة القادسية في العام الخامس عشر الهجري حيث شارك حوالى سبعمئة من رجالها في جيش الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص.
وتحظى محافظة رجال ألمع بكثافة سكانية تزيد على مئة وخمسين ألف نسمة يسكنون في قرى على حواف الأودية أو في أعالي الجبال.
في مسيرة تنمية المحافظات تأخرت رجال ألمع في أخذ نصيبها من التنمية المتوازنة التي تتكامل فيها الخدمات وتتطور تبعا لمرور الزمن. فمن حيث الرعاية الصحية تفتقـر رجال ألمع لمستشفى مركزي يتناسب مع الكثافة السكانية، والاحتياجات الصحية. والمستشفى القائم حاليا الذي أقيم قبل أكثر من ثـلاثين عاما لم يعد ملائما لتطور المحافظة وتزايد الكثافة السكانية. كذلك تحتاج المحافظة لخدمات كثيرة منها الطرق والمياه، والاتصالات، والتعليم الجامعي.
ولعل خدمات الكهرباء هي من أهم الخدمات التي رغم وجودها لم تحل مشكلة المحافظة مع هذا الاحتياج الحيوي. عنونت المقال (رجال ألمع بين النور والظلام) وهو عنوان ليس على سبيل المحسنات البديعية، بل يجب أن يحمل على سبيل الحقيقة المؤلمة. فأن تملك شيئا ولا تنتفع به كأنك لا تملكه. وهذا حال سكان المحافظة مع الكهرباء التي ما أن تعمل حتى تتوقف، ما أن تنير المكان حتى تعتم القلوب غيظا وكمدا. وكأن الكهرباء تعمل لتمارس هوايتها في الهرب بعيدا من أعين القوم. عندما يأتي نور الكهرباء يترك الفرح خارج المنازل لسبب بسيط، لأنه سيغادر بعد دقائق من حضوره. فلماذا يفرح الناس طالما أنهم سيغرقون في الظلام حالا ؟!.
من تجارب الناس مع انقطاعات الكهرباء ما لا يعد ولا يحصى ؛ بعضها مؤلم وبعضها يدخل في باب الطرائف. شكا أحدهم أن الكهرباء انقطعت أثناء تجهيز جنازة والدهم، فأطبق ظلام الكهرباء على ظلام الحزن حتى لم يعد أحد يعرف هل يحزنون لفقد أبيهم أم لفقد الكهرباء. وروى أحدهم أن عرسهم تحول إلى فلاشات الجوالات بعد أن أقسمت شركة الكهرباء أن لا تشاركهم أفراحهم. وذكر أحدهم أن أمه دعت لشركة الكهرباء عندما أعادت التيار لمنزلهم، (بأن ينور الله عليهم)، لكن الشركة ردت لها جميل الدعاء بقطع التيار وإشاعة الظلام في منازل القرية.
انقطاع الكهـرباء في رجال ألمع ليس منهجيا، بمعنى أنه لا يحدث في ساعة محددة من نهار أو ليل، عندها يمكن أن يستعد الناس، وربما يتقبلون ذلك، وربما يحرصون على إغلاق أجهزتهم حماية لها من التلف. تحدث الانقطاعات في أوقات مختلفة من ليل أو نهار قد تصل إلى خمس مرات في اليوم. قد تطول لساعات، وقد تقصر لدقائق، لكن الضرر قد حل نفسيا وماديا.
بحت أصوات الأهالي استغاثة بالشكوى وشركة الكهرباء لا تجيب، طالبوا بمولدات إضافية تتناسب مع حجم المحافظة، وتتناسب مع زيادة النمو السكاني، لكن يبدو أن المشروع لم يمر عليه أي تحسين أو إضافات منذ إنشائه قبل عدة عقود.
يشتكي المواطنون هناك أن شركة الكهرباء لا تبرر انقطاعات الكهرباء، ولا تعتذر، وكأنها تقدم الخدمة بالمجان. إن كانت شركة الكهرباء تجهـل فن التعامل مع المستهلكين من حيث الرد على استفساراتهم، أو المبادرة بالاعتذار، وتقديم مبررات منطقية تحترم عقول الناس، فتلك مصيبة. وهذا التجاهل تعدٍ على حقوق الأهالي والمقيمين في المحافظة. فمن أدبيات التعامل لا بد من التجاوب وشرح الموقف الذي بات عبثيا. لقد وصل الأمر ببعض الناس إلى إحضار مولدات خاصة في مناسباتهم تحل مشكلة الانقطاع المفاجئ ، وتحد من الأضرار المعنوية والمادية.
التنمية لأي منطقة ليست هبة، بل حق واجب النفاذ وبأعلى مستوى. والكهرباء حياة كاملة، نختصرها في الإنارة، لكنها تدخل في كل شؤون حياتنا. وهذه الخدمة ليست مجانية حتى تقصر الشركة، بل هي خدمة مدفوعة حتى لو روجوا أنها خدمة تقدم بأقل من سعر التكلفة، هذا الأمر لا علاقة للمستفيدين به. إن كانت لشركة الكهرباء أولويات في توزيـع الكهرباء على المناطق المختلفة، فهذا لا يستقيم مع مبدأ تساوي المواطنين في الحقوق والواجب، الحق من المواطن مستحصل، والواجب من المواطن قائم، ولا يعني أنه يحب أن تهضم حقوقه. أقول قولي هذا عن رجال ألمع، وأنا أريد به أيضا جاراتها في القرب أو البعد، أريد به المعاناة مع الكهرباء ومع غيرها من الخدمات.
22:14 | 25-10-2014
المـرأة .. المعادلة الصعـبة !
استثناء المرأة بالحديث يبدو مكررا، لكن الحوادث التي نسمعها عن تعنيف المرأة وتعذيبها، والفهم الضيق للوصاية عليها من قبل وليها الرجل يجعل الموضوع أخطر مما قد يبدو أنه مجرد حالات فردية، أو مجرد قضايا لا يقاس عليها. إن ذلك يعد انتهاكا لحقوق المرأة التي أقرها الإسلام أولا لها، وأكدتها مدونات حقوق الإنسان العالمية ثانيا. وللأسف كل ذلك لا قيمة له عند الكثير من رجال مجتمعنا، وأقول الكثير دون تحفظ. فما يطفو على السطح من سوء تعامل الرجل مع المرأة قليل لا يعني محدودية العنف اللفظي والبدني ضد المرأة، فالكثير من النساء يمنعهـن الخجل والخوف للتقدم بشكاوى تفضح وتعري زيـف المجتمع الذكوري. كل ذلك دال على تعامل وقسوة ممنهجة في ظل غياب قانون المحاسبة.
ومعلوم بالضرورة أن للمرأة في الإسلام وضعا إنسانيا طبيعيا، لها حقوق وعليها واجبات. وهو وضع يضعها في موقف الواثق من نفسها، قادرة على أن تمضي بحياتها وفق نصوص واضحة المعالم. إضافة إلى كريم تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع زوجاته، من حيث تقديرهن ومن حيث الأخذ بمشورتهن كما حصل مع أم سلمة رضي الله عنها في صلح الحديبية، هذه دوال على حسن تقدير الإسلام للمرأة.
للمرأة خصوصيات تختلف عن الرجل بحكم طبيعة تكوينها، لكنها تتساوى مع الرجل في التكليف الديني. وهذا التساوي دال على أن خصوصياتها ليست نقيصة، بل ضرورة لها ولمجتمعها. فعاطفتها التي تؤخذ عليها هي قوة لها من حيث قدرتها على التكوين النفسي لأبنائها بالتوازي مع الجوانب المادية الأخرى التي قد يوفرها الرجل لأبنائه. حكمة الله تعلو كل تأويل بائس. فليست ناقصة لا في عقلها ولا دينها إلا عند من يجهل أو يتجاهل الأسرار الإلهية في خلق المرأة بالصورة التي هي عليها.
استنادا لهذه الخلفية، والمنهج الواضح نجد صورة مختلفة في واقعنا، جرى تكوينها وقولبة المرأة فيها، وتربت أجيال على هذه الصورة النمطية للمرأة وبوصفها خلقت لراحة الرجل، فهي مجرد متاع في نظر معتنقي هذه الثقافة، وهي عيب عند استحضار اسمها، وهي عيب عند التلويح بوجودها، وهي عيب عند نزولها للأسواق، وهي عيب عند حملها للمستشفى. وهي عيب في كل حركاتها وسكناتها.
تعاني المرأة من قضايا كثيرة منها؛ العضل وزواج القاصرات، والإهانات اللفظية، والتعذيب الجسدي والنفسي. وهذه كلها تنتقص من آدميتها. فهناك من يمنع المرأة من الزواج، أو يكرهها على ذلك، وهو انتقاص لحقها في القبول أو الرفض. وهناك من يستغل صغيرات السن للمتاجرة بزواجهن دون أن يكن واعيات بهذه الممارسة. وهناك من يتعمد الإهانات اللفظية والجسدية لإكراه المرأة بقبول رأيه مهما كان فاسدا.
ما الذي يجعل الرجل وقد تعلم وعرف موقف الإسلام من المرأة يصر على هذه الصورة النمطية للمرأة؟ يلعب التكوين القبلي والعادات الاجتماعية وبعض الاجتهادات الفقهية، إضافة لإذعان المرأة واستسلامها دورا بالغ الخطورة في تكوين هذا الموقف عند الرجل. فالنزعة القبلية بما لها من عادات تضع المرأة في تكوين أدنى من الرجل. هناك من الرجال من لايزال يصر على قول أكرمكم الله عند استحضار المرأة اسما أو معنى. هذه ثقافة نتنة من مخلفات جاهلية العقول التي لم يحررها الدين.
الأمر لازال فيه سعة للتصحيح، ولكن ليس قبل الاعتراف بالخطأ. والخطأ في التعامل مع المرأة خطأ مزدوج، خطأ مؤسسي تتحمله الجهات المعنية بشؤون المرأة، وقد بدت ملامح تصحيح الوضع آخذة في التشكل منذ تم سن قانون بطاقة الأحوال للمرأة، وتدرج التطبيق حتى وصل ذروته الآن من حيث عدم قبول أي إجراء رسمي للمرأة إلا بحصولها على بطاقة، وهذا يشير إلى السلطة الاجتماعية التي تحد من ممارسة المرأة لحقوقها الطبيعية، ومنع الحصول على البطاقة هنا مجرد رمز لتغييب المرأة بحجج واهية.
أما الخطأ الثاني فهو مجتمعي، تركيبة المجتمع القائمة على ثقافة العيب التي لا أصل لها في الإسلام الذي حدد الأمور بحرمتها أو حليتها وما سوى ذلك تخرصات اجتماعية تسن في الدين ما ليس فيه. فما هو حرام بالقطع لا أحد يجادل فيه، وما هو حل من طيبات الحياة التي يحصرها البعض في الأطعمة فحسب، مع أن الأمر يتعدى ذلك إلى التعاملات الحياتية بأكملها..
فلا تجعلوا المرأة في ثقافتنا المحلية خارقة لنواميس الحياة، عند من لا يراها شيئا يطمسها، وعند من ينظر لجزئية التفوق عند بعضهـن يدعي بكمال حضور المرأة من حيث إنها مسؤولة وطبيبة ومعلمة، هذا جيد، لكن المهم ما هي الظروف التي تعيش فيها غالبية النساء، وهنا يقوم القياس وتصح قراءة أحوال المرأة.
halnemi@gmail.com
21:24 | 18-10-2014
لماذا تأخر الأدب السعودي ؟!
سؤال وجهه لي أحد المهتمين في تويتر، كان السؤال صادما، لكن بعد تأمل وجدت أنه من الأفضل أن أقدم مقاربتي لهذا التساؤل البعيد عن التداول في مقال يسمح بالتوسع في عرض الموضوع لعله يحظى بمزيد من النقاش. لن أكون هنا مدافعا أو مؤكدا على التأخر بالمعنى المباشر. غير أنني سأقدم رؤيتي حول الأدب العربي من حيث هو كل واحد تغذيه آداب الأقطار المختلفة.
أعتقد أن النظر لأي أدب محلي بمعزل عن بقية الأقطار الأخرى يحمل رؤية ضيقة لا مبرر لها إلا الانصياع للإيديولوجيات السياسية، فالأدب العربي جاءنا بوصفه مكونا واحدا، نقرؤه في سياق تطور مشترك لعوامل مختلفة فنية وبيئية. وعليه سأعرض رأيي في عدة نقاط:
1ــ أرفض النظرة المحلية للأدب العربي، فهو أدب سابق على التسميات، قارئه عربي اللسان والثقافة.
2 ــ الوضع السياسي العربي في البلدان العربية أوجد حالة تنافسية غير إبداعية، أذكاها الإعلام وصدقها المنتفعون والغافلون.
3 ــ الأدب العربي يستقي تطوره من مؤثرات واحدة تظهر قوتها في مناطق دون أخرى لأسباب سياسية لعل من أهمها عدم حرية تبادل المعرفة بين أدباء العربية وقرائهم، مرة بمنع الكتب، أو بتهميش الأدباء نفسهم.
4 ــ ينظر للأدب العربي في الغرب على أنه مكون ثقافي لا سياسي من هنا جاءت معظم دراساتهم عن الأدب العربي منحازة للأدب دون قطريته.
5 ــ حضور الأدب في بعض الأقاليم على حساب غيرها يعود لأسبقية الانفتاح على المشهد الثقافي العالمي، وخصوصا في مصر والشام.
6 ــ مسألة التباين في مستوى الإبداع مسألة نسبية.
7 ــ ما يقدمه المغرب العربي من خدمة للأدب العربي عبر الترجمة من الفرنسية وإليها لم يقل أحد إنها مجرد خدمة للأدب في المغرب العربي، بل عم فضلها كل الوطن العربي.
8 ــ إسهام آداب الجزيرة العربية، بما فيها الأدب في السعودية، جزء أصيل من تطور الأدب العربي، بكل ما يقدمه من استحضار المكان وعوامل البيئة من إضافات استثنائية يرصدها المعنيون بقراءة الأدب العربي في سياقاته العامة، وليس من خلال المنظور القطري الضيق.
9 ــ في تجربة دول الجزيرة العربية، وبخاصة النفطية منها، هناك صراع عنيف بين قيم الاستهلاك المادي وقيم المثالية الأدبية، فالأدب يعيش غربته وخصوصا الشعر، حيث يرتهن الشعراء للبحث عن النقاء ومناهضة قيم الاستهلاك، من خلال استحضار رموز الصحراء، والأسطورة، والموروثات الشعبية. وهو في النهاية موقف يحسب للأدب، إذ لم يستسلم لقيم الاستهلاك. هذه حالة لم يعشها الأدب العربي في بقية الأقاليم المختلفة، وعليه فهي جزء من فسيفساء اللوحة العامة للأدب العربي تضاف إليها لتكمل المنظور العام للأدب العربي. ولعل تجربة الشاعر المبدع محمد الثبيتي لا تقل أهمية عن تجربة محمود درويش في عمقها الإنساني وأسئلتها الوجودية، إضافة إلى نضجها اللغوي والجمالي، ولو حظي الثبيتي بجزء من الإعلام الذي حصل عليه غيره لملأ أدبه الآفاق العربية. وإذا كان الثبيتي قدر رحل ــ رحمه الله ــ فإن أدبه باقٍ، ومسؤوليتنا الرسمية والشعبية في نشر إبداعه قائمة.
10 ــ أما الأدب السردي، وخاصة الرواية، فمشروعها الراهن قائم على نقد التجربة المدنية في مجتمعات الخليجي، ورصد أزمة الإنسان المعاصر في الجزيرة العربية. وهي تقوم بهذا الدور بفنية عالية استحقت معه الجوائز، واستقطبت دور الترجمة العالمية. وللتذكير فقط، فقد فاز بجائزة البوكر العربية للرواية ثلاثـة روائيين اثنان من السعودية، عبده خال ورجاء عالم، وواحد من الكويت هو سعود السنعوسي، إلى جانب روائيين من مصر والعراق والمغرب.
11 ــ حركة النقد العربي استفادت من جهود الناقد الدكتور عبدالله الغذامي الذي كان أحد أهم الرواد في تقديم النظرية البنيوية من خلال كتابه الخطيئة والتكفير، وهو كتاب يدرس في معظم الجامعات العربية.
12 ــ تدريس الأدب العربي الحديث في الجامعات العربية يركز على الظواهر الأدبية، مع إعطاء تركيز خاص على الآداب المحلية لمزيد من إلقاء الضوء وليس لتكريس العزلة أو الانفصال عن سياق الأدب العربي.
السؤال عن تأخر الأدب في السعودية سؤال في غير محله، سؤال ينطوي على منظور محلي يرى الأدب في إطار حدوده السياسية الضيقة. هذا الأدب ملتصق بالأرض والإنسان أكثر من أي مقوم آخر. أتصور أن السؤال المنطقي هو: أين موقع الأدب في السعودية من الأدب العربي؟.. فمقدمات السؤال المنطقية تفضي إلى مقاربة ثقافية سليمة. وعليه، فكل أدب محلي يعد جزءا مكملا للصورة العامة للأدب العربي. فلا تفاضل لأدب محلي على آخر طالما أنها كلها أجزاء مكملة لصورة واحدة. إن ما يوحدنا، ويربط بيننا ليس سوى لغتنا وثقافتنا وما ننتجه من أدب يعبر عن قضايانا، ويعكس احتفاءنا بالقيم الجمالية والإنسانية من حولنا.
19:00 | 11-10-2014
الفقراء من الأدباء
حسن النعمي
منذ سنوات ليست بالقليلة اتصل بي أحد الأدباء يشكو حاله، ويأسف أنه لم يجد من يساعده في مصاريف علاجه التي أرهقته وأرهقت أسرته من بعده. حكى كيف أنه تواصل مع وزارة الصحة يطلب أن تمنحه فرصة للسفر للعلاج في الخارج، لكن أحدا لم ينظر في طلبه. مثل صاحبنا العشرات من الأدباء الذين احتاجوا دعما في شيء أساسي في حياتهم فلم يجدوه عند حاجتهم. فهناك من أحوجته الحياة لتأمين مسكن لأسرته ولم يجد ما يقدمه لهم سوى المزيد من الكتابة التي لا تسمن ولا تغني عن حاجة في مجتمعنا.
تفخر الأمم دائما بأدبها وأدبائها، إذ من خلالهم تباهي المجتمعات بإنسانيتها وقدرتها على بناء مجتمع أكثر استيعابا للحياة. رحلة المجتمع العربي مع الأدب والأدباء متناقضة، ففي الوقت الذي نحتفي فيه بالأدب ننسى أن وراء هذا الأدب أدباء أشقتهم الحياة حتى أصبح من يتعاطى الأدب (مسكين)، ويتندر به القوم على أنه ممن أدركته حرفة الأدب.
حرفة الأدب حرفة وهمية في عالمنا العربي، لكنها غير ذلك في العالم المتقدم. ويعود ذلك لقدر هائل من حفظ الحقوق التي يفتقدها الأديب العربي. فمهما أبدع وكتب الأديب العربي فلا ينتظر أكثر من الثناء إن حصل عليه، إذ قد تقوده موهبته إلى ما وراء الشمس، لكن تلك مسألة أخرى تتعلق بضيق الحريات التي تخنق الإبداع ولا تسمح بهواء الاختلاف أن يمر للعقول.
حرفة الأدب في العالم المتقدم حرفة لها أصولها وقواعدها التي إن لم تجعل الأديب غنيا، تجعله يعيش بأمان ليبدع أكثر. بينما في عالمنا العربي لا أصول للحرفة ولا حقوق فكرية تحفظ له أدبه. إذ تمن عليه دور النشر أن طبعت كتبه وقدمتها للقراء. وإذا لم تأخذ دور النشر من الأديب مقابلا للنشر ضمانا لربحها مقدما، فيعتبر الأديب نفسه منتصرا ويمكنه أن يتباهى أن دار النشر هذه أو تلك قد نشرت مؤلفاته مجانا. إلى هذا الحد وقع الأدباء في البؤس.
يذكر نجيب محفوظ أنه كان يستطيع أن يعيش حد الكفاف من دخل كتبه حتى منتصف الستينات الميلادية عندما أخذت دور النشر اللبنانية تطبع مؤلفاته دون إذن منه. يومها، يقول محفوظ، كان علي أن أتكيف مع هذا الواقع الجديد. ولم يسع نجيب محفوظ للمطالبة بحقوقه لأنه يعرف أن حقوق الأديب مهدرة، ولا طائل للمطالبة بها طالما أن هناك من يعتبر أن الأدب من الزوائد والكماليات الاجتماعية، إن حضرت جملت وإن غابت لم تفتقد.
يعتقد البعض أن تكريم الأدباء من خلال الجوائز تكريم لهم، وهذا اعتقاد مجانب للصواب من وجهة نظري. فالحقيقة أن الجوائز تخدم أصحابها سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات أكثر من الأدباء أنفسهم. فهي جانب تسويقي على حساب الأدباء، إذ من يظفر بها قلة من الأدباء وفي ظروف بعضها من خارج سياق الإبداع. وفي أحسن الأحوال قد تكون الجوائز منفعة متبادلة.
منذ عقد مؤتمر الأدباء السعوديين الأول في رحاب جامعة الملك عبدالعزيز في عام 1394هـ/1974م، جاءت التوصية برعاية الأدباء والاهتمام به، وتخصيص صندوق للأدباء لرعايتهم عند عجزهم أو مرضهم، واستمر هذا النداء بأعلى صوت في المؤتمرات الأخرى، لكن دون أثر أو استجابة عملية، لا أحد يرفض، لكن لا أحد ينفذ.
عند مجيء وزارة الثقافة استبشر الأدباء خيرا وظنوا بها ظنا حسنا، ما لبث أن تلاشى هذا الظن، إذ لم يكن من اهتمام الوزارة ولا في مقدورها التنظيمي أن تقر شيئا مثل ذلك. تفهم الأدباء بصبر هذا المأزق القانوني والتنظيمي، لكنه عتبوا على الوزارة أنها لم تقم بمبادرة حقيقة لاستصدار تشريعات وتنظيمات تخص صندوق الأدباء. فإذا لم تحرك وزارة الثقافة ساكنا في هذا الشأن فلا يجب أن ينظر لغيرها بعين العتب.
تقدمت لمجلس الشورى مع نخبة من الأدباء بطلب تأسيس اتحاد للكتاب يمثل الأدباء ويدافع عن مصالحهم وحقوقهم. حظى الطلب بنقاش في إحدى لجان المجلس، لكن الأمر لم يتجاوز عتبة المناقشة.
لنعد للب الموضوع، هناك أدباء أسهموا في التنمية الثقافية للمجتمع، ولظروف مختلفة وقع بعضهم في العجز والفقر والمرض. واجب الحكومة ممثلة في وزارة الثقافة أن تدعم الأدباء بطريقة تحفظ لهم كرامتهم عبر آليات واضحة وسهلة. ويمكن أن يكون الإسراع في تبني التوصية المتكررة وتفعيلها بإنشاء صندوق للأدباء فرصة لتعويض ما فات.
halnemi@gmail.com
21:36 | 13-09-2014
بنية التطرف
للتطرف مظاهر كثيرة جدا، منها التطرف في الدين، والتطرف في التربية، والتطرف في العلاقات الاجتماعية، وحتى التطرف في العلاقات الدولية. فكل أمر ذهب إلى أقصاه فهو تطرف مخالف لطبيعة الأشياء. فعندما نحب دون حساب فهو تطرف، وعندما نكره دون اعتبارات فهو تطرف، وأن نربي طموحا يفوق قدراتنا فهو تطرف. ويتأسس على ذلك كل سلوكياتنا الاجتماعية وممارساتنا الدينية. فكلما ذهبت ممارساتنا بعيدا في حركتها، ضاعفت مسؤوليتنا تجاه أنفسنا وأمام الآخرين.
ديننا وهو منهج كلي، سواء ما كان منه عبادة، أو ما كان منه سلوكا اجتماعيا، ركز كثيرا على مبدأ التوسط والاعتدال. وربما كان الإسلام يؤسس خطابه على خلفية البيئة التي نشأ فيها بدءا، وهي بيئة صعبة كان فيها غلظة وتطرف. فإزهاق الأرواح كان حاضرا لأدنى الأسباب. من هنا أنشأ الإسلام قيمه على خلفية التسامح. ورغم إنسانية هذا التوجه فقد انحرف السلوك البشري للمسلمين عن ذلك.
حذر الرسول الكريم من الإيغال في العبادة تجاوزا لسنته صلى الله عليه وسلم، فأنكر على من زعم عدم الزواج، وأنكر ملازمة الصيام، وأنكر على من زعم عدم النوم بحجة ملازمة الصلاة. وهذه ألوان من التطرف لم يقبلها الرسول لخطورتها. والزيادة في الدين مثل النقصان فيه، وهو تطرف في الحالتين. ومن الشواهد التي استنكرها الرسول ما أنكره على الأعرابي الذي لم يكن يقبل أبناءه، وعدها الرسول غلظة لا مبرر لها إلا وحشة القلوب وجفافها.
اختلافنا في الآراء إلى حد الإقصاء تطرف مرده تربية غير متوازنة ترى الأشياء بلونين لا ثالث لهما. من هنا تتصعد آليات الإقصاء حتى تصل لأبشع أنواع الإقصاء. مرت في المجتمع الكثير من التجارب التي أفضت للعنف والتطرف بأشكال مختلفة، منها تطرف ضد المرأة من حيث إقصاؤها من الحياة الاجتماعية بحجة حمايتها، فأدى الأمر للتضييق عليها في عملها وخياراتها، وحتى اختيار شريك حياتها أو الخلاص منه عند استحالة الحياة.
كلما زاد التطرف في مجتمع زاد الخوف من الحياة، وزاد استحضار الموت للآخرين بحجة البقاء. من هنا يمكن أن ننظر لحركات التطرف الديني مثل القاعدة وجبهة النصرة وداعش، وغيرها من الحركات الأخرى في بلاد المسلمين. خطورة هذه الحركات الدينية تكمن في نزعة العنف والتطرف التي تمارسها هذه الحركات بوتيرة القتل العشوائي، والإبادة الجماعية، وإزهاق الأنفس بدم بارد. التطرف هنا عقيدة وليس مجرد سلوك طارئ، لأن السلوك يمكن تهذيبه وتغييره، لكن عقيدة التطرف نزعة متأصلة في النفوس تترسخ يوما بعد يوم حتى يرى المتطرف موت الآخرين حياة له ولعقيدته.
عندما تغدو عقيدة التطرف هي المهيمنة تتلاشى المسافة بين الوعي والجنون، الوعي بخطر الآخر والجنون في إقصائه. وبأي معنى فالتطرف بنية لها جذورها في بيئة لا ترى من الألوان إلا أبيضها أو أسودها. والعلة دائما في توريث الشعور بالكراهية تجاه كل مختلف، وتأسيس دواعي الريبة في القول والعمل. ودائما خطاب التطرف هو النقاء، وهو الأفضل على ما سواه، وهو التأكيد على الذهاب للخير دون ما عداه من خطابات مجاورة. من هنا فتشبع المتطرف بهذه العقيدة تجعله لا يراجع نفسه، ولا يرى للآخرين وجها من وجوه الخير. يمعن في غربته الداخلية حتى يفيض إناؤه عنفا وتدميرا وخرابا بحجة الانتصار للفضيلة التي يراها ويؤكد أن الآخرين لا يرونها ولا يعرفون طريقها.
التطرف يخرج من كونه ممارسة شخصية ليتحول إلى منظومة اجتماعية سياسية تستمد خطابها من الدين، فتعيد تدوير النصوص الدينية وتأويلها لتلائم عقيدة التطرف. وينظر البعض للتطرف على أنه مجرد سلوك متطرف، أكثر منه اعتقادا مذهبيا. وفي الحقيقة لا يوجد سلوك متطرف من غير عقيدة يتكئ عليها. من هنا لا يجب أن ننظر لممارسات داعش، على سبيل المثال، على أنها مجرد أفعال همجية، بل هي فكر ومعتقد يجب مقاربته وفهمه وفهم منابته حتى يمكن التعامل معه على هذه الخلفية. لأن الفعل أو السلوك الخارجي قد يكون في لحظة ما دفاعيا، لكن عن أي شيء يدافع المتطرف. بالتأكيد يدافع عما يراه صوابا ويرى الآخرين غلاة في تجافيهم عما يرى. وعليه، فالمأزق فكري بالدرجة الأولى. فالتطرف سمة وملمح من ملامح البيئة التي يكثر فيها ضجيج (هذا خطأ لا يمكن التساهل معه)، حتى صار الشغل الشاغل تقويم خطأ الآخرين على حساب خطأ من يرى فساد الآخرين!!.
halnemi@gmail.com
21:16 | 6-09-2014
الرواية والمجتمع المحافظ
واقع الرواية في المملكة اليوم غيره بالأمس. فالرواية اليوم أكثر جرأة في التناول، وأكثر تجاوزا من الناحية الفنية، وأعمق في توجيه الأسئلة ذات الدلالات الاجتماعية الحادة. غير أن هذا التباين بين رواية الأمس ورواية اليوم لم يتأت للرواية إلا بالاستفادة من معطيات خارجية وأخرى ذاتية. فالتحولات الاقتصادية الاجتماعية والتعليمية التي أصابت المجتمع منذ منتصف السبعينيات الميلادية، إضافة إلى الأوضاع الإقليمية والدولية التي أحاطت بالمنطقة، كلها عوامل لامست وجدان المجتمع، فقبلها من قبلها وأعرض عنها من أعرض، غير أن المجتمع لم يسلم من رشات رذاذها. أما العوامل الذاتية التي أكسبت الرواية قيمة فنية فهي تكمن في المواهب الجريئة التي قدمت الرواية بمعايير فنية تفوق ما كانت عليه الرواية عند كتاب الأجيال الماضية. ففارق التعليم والانفتاح على الآخر، وتعدد التجارب والخبرات الذاتية أسهمت كثيرا في تعزيز صورة الرواية فنيا وموضوعيا.
الرواية اليوم ولدت في هذا الجو المتحرك. وجدت أمامها سيلا من القضايا، فانبرى لها الكتاب والكاتبات، فجاءت المحصلة رواية جريئة في تناولها، متطورة في معالجتها الفنية. غير أن الرواية وهي آخذة في التطور، لم تسلم من المعوقات، ولعل أهم المعوقات هو نمط الاستقبال السائد. فاستقبال الرواية من قبل المجتمع متعثر، ومحبط، وبل وغير مشجع. فعن أي استقبال نتحدث، وعن أي ثقافة نتحدث؟
طبيعة الرواية، أي روية، أنها ناقدة في الأصل، لا تسعى إلى تجميل الصورة الاجتماعية، بل إلى قراءتها، ومحاولة تفكيك ملامحها. وهذا النوع من الرواية يهـز رصانة الصورة الاجتماعية المختزلة في أذهاننا. وعليه، فإن أي صورة تقدمها الرواية لا تطابق الصورة الاجتماعية السائدة، وعليه تنظر إليها الثقافة المحافظة على أنها صورة مغلوطة، بل ومتجنية، وخارجة عن آداب المجتمع. هذا النمط من الاستقبال عادة ما ينشأ في المجتمعات المحافظة اعتدادا بتقاليد الصورة الظاهرية، مع يقين المجتمعات المحافظة بأخطائها. لكنها غير متسامحة مع أي وسيلة تكشفها وتفصل في مشكلاتها. ذلك أن الثقافة المحافظة هي الحارس الأمين على الصورة الاجتماعية المتوافق عليها. فالثقافة المحافظة تنظر للأدب عامة، والرواية خاصة نظرة غير متصالحة، نظرة تحسب مكاسبها من استقبالها للأدب، من حيث تطويعه لأنساقها وخطاباتها. ولذلك تضع الثقافة المحافظة محدداتها واشتراطاتها في علاقتها بالأدب مسبقا.
ولا يجب أن ينصرف البال إلى أن المحافظة تهمة أو عيب بحد ذاتها، كما أن عكسها من الانفتاح وعدم المحافظة ليس إيجابية مطلقة. فالمحافظة في المحصلة النهائية أمر نسبي. فما يراه البعض شكلا من أشكال المحافظة، قدر يراه آخرون تجاوزا وكسرا للمألوف من السياقات المحافظة. غير أنه يجب أن نقر بحقيقة رواج فكرة المحافظة في مجتمعنا، أو بمعنى آخر، علينا أن نختبر صدقية الادعاء بأننا مجتمع محافظ. السؤال الآن، ما هو شكل هذه المحافظة وما أبعادها؟ هل هي محافظة دينية محضة، أم محافظة فكرية لها منظومة من الأعراف والتقاليد، هل هي محافظة قبلية ذات نزعة انعزالية أو استعلائية؟ هل هي مزيج من هذه وتلك؟ هل الادعاء بالمحافظة أمر ظاهري سطحي، أم أن حقيقة المجتمع عكس ذلك من حيث قدرته على مواكبة الحياة في شتى أشكالها. وأخيرا، هل المحافظة حالة سائدة، أم أن هناك تباينا في مدى اقترابها أو بعدها عن السياقات الاجتماعية والفكرية التي تحضر فيها؟
أعتقد أن المحافظة السائدة في مجتمعنا محافظة مركبة ذات بنية معقدة، فيها من الديني بقدر ما فيها من شأن العادات والتقاليد ذات الصبغة القبلية. فهي في النهاية محافظة ذات بعد إيديولوجي تكونت وفق ظروف موضوعية نتجت من عوامل مختلفة منها المادي ومنها المعنوي. وكأي حالة اجتماعية أو فكرية فإن لها مسلماتها واجتهاداتها في فهم المعطيات من حولها. وبوصفها محافظة ذات بعد إيديولوجي، فإنها تحمل منظومة من الأفكار التي تؤمن بالرؤية الواحدة، غير مستعدة لبناء وجودها على فرضية الاختلاف. إنما الأصل لديها هو نقاؤها المطلق. هذه المحافظة هي حاصل تحول المجتمع من وضع اقتصادي محدود في سنوات ما قبل الطفرة إلى الطفرة وما واكبها من تغيرات اقتصادية وسياسية وصعود التيارات الصحوية مع استعداد طبيعي لدى المجتمع لتقبل المزيد من التشدد والميول إلى نزعة الخوف والتوجس من الحديث عن الذات على نحو علني.
كيف يمكن أن يكون استقبال الرواية في مجتمع محافظ؟ لعل الإجابة على هذا السؤال تقتضي النظر لتجارب بعينها خاضتها الرواية السعودية في احتكاكها مع المجتمع. فما يمكن أن ينتج من الأدب الروائي وغيره في ظل الثقافة المحافظة لا يخرج عن نوعين؛ نوع منقاد لاشتراطات الثقافة المحافظة، مستظلا بهيمنتها حتى يغدو تابعا من توابعها، بل ولسان حالها، وإما أن يكون مشاكسا، ومتحديا، وكاشفا لأدواتها وزيف أنساق الهيمنة في خطاباتها..
والقارئ المتابع لتطور الرواية يستطيع أن يلحظ التحول الكبير في علاقة الرواية بالمجتمع المحافظ منذ منتصف التسعينات الميلادية مع نبرة النقد العالية التي صدرت في روايات غازي القصيبي وتركي الحمد وعبده خال، وما بعدها من أعمال جاء في الغالب استكمالا للمشاكسة وعدم المهادنة.
halnemi@gmail.com
21:15 | 30-08-2014
جدل التأنيث والتذكير
هل يمكن أن تكون اللغة محايدة فيما يتعلق بهوية الإنسان وما يفعل؟ هل يمكن أن توصف المهن التي يقوم بها الإنسان على أساس إنجازه لا على أساس هويته؟
للأسف اللغة العربية منحازة، هكذا جاءت وهكذا ارتضينا صيغها الجنوسية. فللرجل خطابه وللمرأة خطابها. هل اللغة كائن منحاز؟ هل اللغة تكوين مسبق على الحالة الثقافية، أم أن الحالة الثقافية للأمم والمجتمعات هي التي تصنع اللغة وتوجه خطابها، وتقنن علاقتها الجنوسية بالمرأة والرجل؟.
لا أستطيع الجزم بأن اللغات الأخرى لها تميز في هذا الجانب على اللغة العربية، وهو ما يجعل الموقف من المرأة يبدو موقفا شائعا في الثقافات والتجارب اللغوية في المجتمعات الإنسانية.
غير أن هناك لغات كاللغة الإنجليزية تسعى إلى مخاطبة الواحد بصفة لا تحتمل التذكير أو التأنيث. وهذا الخطاب أخذ حضوره مع مد الحركات النسوية منذ السبعينات الميلادية من القرن الماضي. إذ بالإمكان تطويع اللغة إذا تغلبت على الثقافة.
ولعلي هنا أجادل بأن الثقافة هي التي تصنع اللغة وليس العكس كما يعتقد البعض. فالثقافة الذكورية توجه وتقترح وتتبعها مناهج التعليم بإنقياد مفرط، وغير مبرر.
في أبواب النحو تأتي أبواب التأنيث لاحقة لغيرها، فدرس المذكر يأتي قبل درس المؤنث، وجمع المذكر السالم يأتي سابقا على جمع المؤنث السالم. قد يبدو الأمر عاديا، لكن لو تجرأ أحد من القائمين على المناهج وقدم باب المؤنث على باب المذكر تكريما للمرأة، فماذا ستكون ردة الفعل؟ أعتقد أن الغضبة ستكون عالية، وأن المنكرين من الذكور كثر. إذ من يتحكم في صناعة اللغة هي ثقافة ذكورية لا تقبل الخلط والاختلاط في مسائل الجنسين. بل أشعر ــ من باب المبالغة ــ لو أمكن إقصاء أبواب النحو المتعلقة بالتأنيث، لكن خيرا عند البعض ممن يرى في المرأة كائنا طارئا على اللغة والثقافة.
في مناهجنا المعنية باللغة العربية قدر من التمييز في توزيـع المهن على الجنسين. وفي شواهد مادة القراءة للصفوف الأولية ما يدل على انحياز واضح ضد المرأة، والغالب أنه انحياز بفعل هيمنة الثقافة السائدة التي تؤمن بتراتبية التذكير والتأنيث. فالأمثلة المعطاة تدل على تسلل الثقافة في عمق المنهج الدراسي الذي يجب أن يكون منهجا متوازنا، يقود لتنوير العقل وبناء منظومة من القيم التي تعلو على ما هو سائد في الثقافة الشعبية.
من الأمثلة التي تحضر في مناهج القراءة نجد: (مريم تخيط، وتطبخ، وتكنس) في المقابل نجد أحمد (يقود، ويكتب، ويقرأ)، وغيرها. هذه الأمثلة تدل على تصنيف مسبق، ولا أحد يسائل من وضع هذه الأمثلة لأن الذهنية الثقافية تسوغ هذا التصنيف المنحاز. فإذا كانت اللغة تنحاز ضد المرأة مرة، فإن الثقافة تنحاز ضدها مرات. أتساءل لماذا لم يتم اختيار المثال ذاته في الحالتين؟ هل يقبل المجتمع الذكوري أن نقول مثلا: (أحمد يخيط، ويطبخ، ويكنس)، ورغم أنها أفعال واقعية يمارسها الرجل في الحياة اليومية، لكن الثقافة لا تقبل تدوينها والترويج لها علنا، بل تبقى في الاستثناء. وإذا كانت الحالة بهذه الصعوبة، فلماذا لا تمنح أفعال الرجل للمرأة، كأن نقول: (مريم تقود، وتكتب، وتقرأ). في الفعل الأول، نعلم أن فعل القيادة محظور على المرأة ثقافيا واجتماعيا فكيف يتجرأ واضعو المناهج على اقتراف ذنب كهذا !! من لوازم المنهج الموضوعي أن يحدث الفارق، أن ينير العقول، أن يتجاوز مسلمات الثقافة، لا أن تصبح تحت رحمة الثقافة السائدة. إننا بهذه الطريقة نعلم الذكور من أبنائنا الانحياز ضد أخواتهم من البنات. ونشعر البنات أن دورهن فقط يكمن في خدمة مطلقة للرجال في مستقبل أيامهن، أليس هذا ما يتعلمنه في مدارسنا؟!.
أما حرمان المرأة من فعل القراءة والكتابة فهو استتباع لهذا التصنيف الثقافي المعوج، وغير الإنساني. ومن يتسحضر تاريخ التعليم في بلادنا يستشعر بالمشكلات التي صاحبت إقرار تعليم الفتاة، حيث لم يبق رجل من ذوي الفكر إلا اختصم مع غيره حول تعليم المرأة، بينما المرأة صاحبة الشأن غائبة ومغيبة.
ولعلي أختم بشيء من طرائف الثقافة التي تطوع اللغة لتلبية مقتضياتها. فعندما نقول للرجل أنت مصيب وهو وصف إيجابي، ففي المقابل تصبح المرأة مصيبة، وهو وصف يحتمل معنيين؛ الإجادة والسوء في آن واحد. فتصبح المرأة مصيبة في فعلها وسلوكها حسب منطق الثقافة واللغة المنحازة ضدها.
18:58 | 23-08-2014
وماذا عن حاضر جدة يا معالي الأمين ؟!
هنأ معالي أمين محافظة جدة، من خلال تويتر، سكان المحافظة بخبر انضمام جدة القديمة إلى قائمة التراث العالمي، وخبر مثل هذا يستحق أن نفرح به وأن نستشعر أهميته، فخبر مثل هذا طال انتظاره، وخبر مثل هذا يعني أن ما تبقى من جدة القديمة أصبح تحت نظر العالم، بل منظمة اليونيسكو بالتحديد، وعليه ستحظى برعاية عالمية تستحقها. باركت لمعالي الأمين مثلما بارك له الكثير من محبي مدينة جدة. وأذكر أنني قرنت تهنئتي بملاحظة أحسبها جوهرية، وذكرت أن فرحتنا بالاهتمام بماضي جدة لا يجب أن ينسينا حاضرها، وتوقعت من معالي الأمين وهو المنتشي بهذا الفوز المستحق، أن يبادر في طمأنة المتسائلين عن حاضر جدة، وقد لا يكلفه ذلك أكثر من بضعة حروف في تغريدة عابرة، لكنه فضل الصمت، ولعل الصمت استراتيجية تتنافى مع وسائل التواصل الحديثة، فما دام أن معاليه قرر أن يتخذ من تويتر منبرا للتواصل مع سكان جدة، فعليه أن يتجاوب مع كل تساؤل أو ملاحظة أو اقتراح، لا أن يتوارى خلف صمت غير محبب.
اختيار المسؤول، أي مسؤول، للتواصل عبر وسائل التواصل الحديثة يعني قبوله علنا التواصل عبر منظومة مختلفة، ليس فيها حاجب أو سكرتير أو خط مشغول يمنع الناس من الوصول إليه. أما اللجوء للصمت فليس من أدبيات وسائل التواصل الحديثة. إذا أراد المسؤول أن يكون وفيا للمحافظة الإدارية من حيث تمسكه بتقنين تواصله مع الجمهور، فعليه أن لا يدخل عالم الشبكة الحديثة، ويبقى خارجها. أما إذا قدم نفسه عبر هذه الوسائل، فعليه أن يخضع لشروط التواصل، ويبدي مرونة مختلفة عما هو سائد في أنظمة المكاتب التي دونها أبواب متراصة لا يلج المواطن من باب إلا وقد وجد أمامه بابا آخر يسد طريقه، وهكذا حتى ينتهي به الحال إلى فراغ موحش، حيث لا مسؤول ولا حاشية.
لم ابتئس بعدم تواصل معالي أمين جدة مع تغريدتي، فإذا كان هناك من أحد يجب أن يبتأس فهو معاليه؛ لأنه خرق عرف التواصل عبر تويتر حيث لا طبقية، ولا سلطة، ولا صمت. ما يقلقني هو عدم إفادتي عن واقع وحاضر جدة، فإذا كان معاليه يزف هذه البشرى عن جزء صغير من جدة، فما أحوجنا أن نسمع منه أجوبة شافية عن جدة ونظافتها، عن جدة وشوارعها، عن جدة وحدائقها، عن جدة وعشوائياتها، وعن جدة وشخصيتها التي بدت تتوارى.
جدة تعاني من سوء النظافة رغم وجود شركات نظافة بعقود مالية ضخمة. نظافة جدة ليست فقط في جمع النفايات في الحاويات ورميها، بل الانتشار في الأحياء والتقاط المخلفات بشكل مستمر، واستصدار تنظيمات تلزم السكان بالنظافة أمام منازلهم، واستصدار تنظيمات تعاقب من يرمي مخلفات أثناء سير المركبات، ومن نافلة القول فإن شخصية المدينة في جمال ونظافة شوارعها وأحيائها. فأين جدة من كل ذلك!
شوارع جدة تعاني من سوء السفلتة، حفرها تتلف المركبات، وأرصفتها تعاني من الإهمال. الملاحظة التي يرصدها سكان المدينة أن الأمانة تباشر سفلتة شوارع ليست بحاجة للسفلته، بينما هناك شوارع أحق بها، لا أدري من يقرر هذه الأولويات. هناك أحيانا حملة على بعض الأرصفة التي لا عيب فيها، ولا يفهم المواطن لماذا يتم جرفها ورصفها مرة أخرى مع أن غيرها أولى بالعناية.
الملاحظة الأبلغ هي التمايز في الخدمات بين ما يقدم لشمال جدة على حساب جنوبها وشرقها، مع أن الأمانة تقع في جنوب المدينة! السؤال أليست الخدمات منظومة متكاملة؟ (سبق أن كتبت مقالا بعنوان .. انقطاع الحوار بين شمال جدة وجنوبها، في 20 مايو 2013) ولم يكن هناك تجاوب كما هو معتاد. طالبت في هذه المقالة بالتوازن في توزيع الخدمات إذا كنا نرى المدينة بنية واحدة. فليس من مصلحة المدينة أن يجتمع الاهتمام والإهمال في سياق واحد. ومدينة بهذه الحال مثل الوجه الذي يعاني من حروق في جانب، ونضارة في جانب آخر، للأسف الجانب المحروق هو الذي يخطف البصر ويورث النفور في القلوب والعيون.
وقد سنت الأمانة سنة محمودة، إذ خصصت رقما للشكاوى (940)، لكنه للأسف غير فاعل، مجرد زخرفة إعلامية، إذ لا يتم التعامل مع البلاغات بسرعة واحترافية وتقدير لمن يتقدم بالشكوى، بل تهمل الشكاوى أو تتأخر الاستجابة كثيرا حتى ييأس من قدم البلاغ، وحينها يردد المرء: يا ليل ما أطولك!
معالي الأمين، أثق أنك لست بحاجة للمدح، بل بحاجة إلى صدق القول، ومهما تبذل من جهود، فالمدينة مثقلة بالمشكلات، وتحتاج إلى استراتيجية إنسانية تقف على مسافة واحدة من كل الأحياء، من كل السكان. تحتاج جدة إلى فروع بلدية فاعلة تملك صلاحيات حقيقية تكون عين الأمانة على الأحياء. كما ينبغي تحديد الأولويات وتنفذها بتوازن دقيق. مدينة جدة مدينة حضارية شاخت، فهل الأمانة قادرة على تجديد روحها وشبابها. إذا أرادت الأمانة أن تتحدث إعلاميا، فعلى الأقل يجب أن يسبق فعلها كل قول وخطاب.
19:04 | 16-08-2014
اقرأ المزيد