أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/global_files/author-no-image.jpg?v=1

بكري بن معتوق عساس

مكة والزمن الجميل

جميلة مكة بكل تفاصيلها ماضيا وحاضرا.. ولكن يظل لماضيها نكهة مميزة عنوانها: الألفة والتراحم والمسؤولية.
كان الترابط داخل الأسرة المكية قويا جدا، وكان من المألوف أن تعيش الأسرة الكبيرة في بيت واحد، لكل زوجين غرفتهما الخاصة، ولكن الجميع يلتقي على مائدة الغداء والعشاء، الرجال مع الرجال، والنساء مع النساء.
بل كان الترابط على مستوى الحي والشارع، ففي الأفراح والمآتم يقف أهل الحي وقفة صدق مع صاحب المناسبة فيكفونه الطبخ والخدمة والترحيب والرفد وسائر الأمور حتى ليوشك أن يكون مدعوا لا داعيا!
وأكثر من هذا أن الجميع يشعر بمسؤوليته عن الجميع! فحين يغيب بعض المطوفين ستة أشهر عن مكة وهو يطوف ببلدان حجاجه فإن (جيرانه) يقومون لأهله مقام عائلهم، يقضون حوائجهم، ويشترون طعامهم، ويسألون عن حالهم.
وحين يقف الجار على سلوك خاطئ لابن جاره فإنه يباشر تعليمه وتأديبه وكأنه ولده، لا يتردد في ذلك، والابن نفسه يعلم أن كل (كبير) في الحي هو بمثابة والده، فيحترم الجميع ويصغي لتوجيهاتهم.
ومعظم الأسر المكية كانت تأخذ أبناءها بالعمل وتعلم الحرفة منذ سن مبكرة، شعارها في ذلك المثل المكي الشهير: (صنعة أبوك لا يغلبوك). ولذلك كان الأبناء في ذلك الزمن الجميل يتربون على تحمل المسؤولية، ومباشرة الأعمال، ودخول معترك الحياة، وما زلت أذكر أنني في صباي -وأنا ابن التاسعة- كنت أجلس بعد الفجر على جرة الفول في محل والدي حتى إذا حان وقت الدراسة أخذت حقيبتي وانصرفت للمدرسة.
لم يكن هذا العمل صارفا عن التعليم، بل كان جيل الآباء الأمي في معظمه أحرص شيء على تعليم جيل الأبناء، ولذلك ارتادوا المدارس، وتفوقوا، وجالسوا العلماء في حلقات الحرم، وأخذوا عن الكبار، وحازوا على الشهادات العليا، ومع ذلك باشروا عمل السوق، وتدربوا على المهن، وأتقنوا حرفة آبائهم وأجدادهم، واستقلوا بمصاريفهم وهم ما زالوا على مقاعد الدراسة.
ولأجل هذا التوارث في حمل المسؤولية حملت الأسر المكية ألقابا تدل على مهنتها وعملها كالصباغ، والبيطار، والصيرفي، والنجار، والعطار، والقماش ... الخ.
إن مكة كما أسلفت جميلة بحاضرها وماضيها.. ولكن كثيرا من هذه القيم الرفيعة بدأنا نفتقدها للأسف، ضعف التواصل، وقل التكافل، وخف الإحساس بالمسؤولية لدى الأجيال الجديدة، وكلنا أمل أن ترجع الأمور إلى خير مما كانت عليه.
ولا أشك لحظة.. أن لكل مدينة سعودية – كما لمكة – تاريخها الوضيء، وزمنها الجميل، ولكن تظل مكة قبلة الذكريات كما هي قبلة الصلاة.
19:10 | 24-11-2015

مكة والسماء

إن الصلة بين مكة والسماء قديمة قديمة..
بدأت منذ أبي البشر آدم عليه السلام، حين أهبطه الله من السماء إلى الأرض، ودله على موضع الكعبة فبناها أول مرة، فكانت أول بيت: «إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين».
وتجددت هذه الصلة مرة أخرى حين أرشد الله إبراهيم عليه السلام إلى مكان البيت بعد أن انطمس أثره: «وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت» فلما عرف المكان بوحي السماء باشر هو وابنه إسماعيل عليهما السلام العمل في البناء: «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم».
ثم تكررت هذه الصلة حين خفق جناح جبريل عليه السلام على غار حراء، وألقى على قلب رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم آيات الوحي السماوي الأولى: «اقرأ باسم ربك الذي خلق».
ولم تلبث هذه المدينة المباركة أن وثقت صلتها بالسماء حين أسري بخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم منها إلى بيت المقدس، ثم إلى السماء السابعة.
ولم تكن هذه كل صلات مكة بالسماء، فقد درج على أرضها عشرات الأنبياء من حملة وحي السماء، قال صلى الله عليه وسلم: «صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا، منهم موسى صلى الله عليه وسلم».
ومع كل هذه الصلات البشرية السماوية، فهناك أيضا صلة ملائكية سماوية، صلة عجيبة ليست إلا لمكة.. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيت المعمور مسجد في السماء بحذاء الكعبة، لو خر لخر عليها، يدخله سبعون ألف ملك كل يوم إذا خرجوا منه لم يعودوا».
فأي صلة سماوية هذه تنفرد بها مكة عن سائر بقاع العالم !!
هكذا إذن ترتبط مكة بالسماء.. فهي منها وإليها.. هبط إليها وحي السماء.. وارتفعت منها إلى السماء ملايين الأدعية والأمنيات يجأر بها المؤمنون بجوار البيت العتيق.
فلا عجب إذن أن تهوي إليها القلوب، «فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم».
لقد أدرك الناس حتى في أزمنة الجاهلية قيمة هذه المدينة السماوية، وقيمة بيتها العتيق المعظم، فبناه العمالقة، وبنته جرهم، وبنته قريش، وكانت قريش خصوصا تعظم الكعبة، فكانت لا تدخلها بحذاء، ولا تبني بجوارها بيتا يعلوها، ولا تستحل الجناية بجوارها، بل كان القرشيون يبنون بيوتهم مدورة لئلا تشبه الكعبة المعظمة!!.
فلما جاء الإسلام زاد من تعظيمها، فجعلها قبلة الصلاة، ومركز الطواف، وحرمها، وجعل تعظيمها آية التقوى: «ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب».
فما يزال المسلمون عبر التاريخ يعظمون هذه المدينة وحرمها، حتى جاءت هذه الدولة السعودية المباركة فلم تأل جهدا في خدمة مكة، ولا ادخرت وسعا في خدمة بيتها الحرام، فكان لكل ملك من ملوكها بصمته الخاصة توسعة أو تصميما أو خدمة أو إنشاء أو بناء.
وأهم من هذا كله أنهم يسروا للناس سبيل الوصول إلى هذه العاصمة المقدسة، فبعد أن كان الحج رحلة محفوفة بالمخاطر، يخرج إليها الحاج مودعا ومودعا خشية ألا يعود، فربما أهلكه جوع، أو غدر به قاطع طريق، أو أضله السبيل، بعد هذه المهالك أصبح الحاج اليوم والسبيل آمنة، والطرق متعددة، والخدمات متوفرة، والحمد لله رب العالمين.
19:58 | 12-11-2015

ولا تسرفوا

في شهر يونيو من سنة 2012 صدرت عن المعهد الملكي للشؤون الدولية بلندن دراسة مفصلة حول استهلاك الطاقة في المملكة، كانت الدراسة مرعبة؛ لأنها قررت أنه إن استمرت معدلات الاستهلاك تتزايد بنفس الوتيرة فإن المملكة العربية السعودية ستتحول عام 2040م من دولة مصدرة للنفط إلى دولة مستوردة! لأن الإنتاج المحلي حينها لن يكفي الاستهلاك.
إن (الإسراف الاستهلاكي) للأسف سمة بارزة في بلادنا، والمشكلة الكبرى أن هذا الإسراف يجري في حقّ ثروات ناضبة غير متجددة، بل كل إسرافنا الاستهلاكي يرجع في النهاية إلى (ثروتنا الأولى): البترول.
فالماء الذي نستهلكه هو نتاج محطات تحلية تعتمد على البترول، والكهرباء التي نستهلكها هي نتاج محطات تعتمد على البترول أيضا، والوقود الذي نستهلكه في سياراتنا هو من مشتقات البترول.
إننا نمارس هدرا فظيعا في ثروتنا القومية الأولى، ونجني بذلك على أنفسنا، وبلادنا، وأجيالنا المستقبلية.
يبلغ معدل استهلاك السعودي للماء 380 لترا يوميا، في مقابل معدل عالمي يقارب 180 لترا يوميا! ويبلغ معدل استهلاك الفرد في المملكة للكهرباء 8.23 ميجاواط/ساعة، وهي ضعف معدل استهلاك الفرد عالميا! مع زيادة سنوية تصل إلى 5%. بل كشفت دراسة نشرتها صحيفة الاقتصادية أن استهلاك الفرد في السعودية يعادل تسعة أضعاف متوسط استهلاك الفرد في أكبر أربع دول عربية من حيث السكان!
هذه الإحصاءات المفزعة مردها إلى سلوكيات مدمرة تعودنا عليها مع مرحلة الطفرة، ويجب الآن معالجتها عبر حزمة من البرامج التوعوية، والقوانين الحازمة، والمشاريع البديلة.
كنا فيما مضى نحمل شيئا من الإحساس بقيمة هذه النعم، كنا نستخدم (لمبة صفر) لأنها توفر الكهرباء، وكنا نتوضأ بإبريق صغير، ونغتسل بنحوِ ذلك، كنا.. وكنا، لست أدعو للعودة إلى الماضي كممارسات طورتها الحضارة اليوم، ولكنني أدعو إلى حمل ذلك الشعور الذي كان يدفعنا إلى تقنين استهلاكنا عن قناعة ورغبة واهتمام.
علينا كسعوديين أن ندرك أن هذه الوفرة في الماء والكهرباء هي من نعمة الله علينا، وهي بعد فضل الله بسبب سياسات الدعم الهائلة من قبل الحكومة، فالحكومة تدفع سنويا ما يقارب 150 مليار ريال لدعم الوقود المستخدم في الإنتاج، إضافة إلى قروض ميسرة لشركات الكهرباء وتحلية المياه، ولولا هذا الدعم لارتفعت كلفة إنتاج الكيلو واط/ساعة من 14 هللة - كما هي الآن - إلى 80 هللة! يدفع منتجو الكهرباء في المملكة 0.43 دولار لكل مليون وحدة حرارية، بينما السعر العالمي لهذه الكمية = 15.43 دولار!!
ولنا أن نتخيل كم ستكون تكلفة الكهرباء والماء على المواطن لو وقف هذا الدعم وتم التعامل بالأسعار العالمية!
إن المحافظة على هذا الوفر وهذا الرخاء وهذه النعمة لأطول مدة ممكنة مرهون بوعينا معاشر المواطنين وإيماننا بضرورة الترشيد، والحرص، والله تعالى يقول: (...ولاتسرفوا إن الله لا يحب المسرفين)، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة).
19:15 | 22-10-2015

الحج .. كيف كان.. وكيف هو الآن؟

من عجيب المروي في أخبار الحج والحجيج أن رجلا مسنا كان يطوف بالبيت حاجا، فسأله طائف آخر: من أي بلد أنت؟ فذكر بلدا بعيدا، فقال له: ومتى خرجت من بلدك؟ فقال: أترى رأسي هذا؟ أفيه شعرة سوداء؟ قال: لا، قال: خرجت من بلدي وما في رأسي شعرة بيضاء وأنا الآن ليس فيه شعرة سوداء!.
لقد أمضى عشرات السنين في طريقه إلى الحج! أبطأ به بعد الطريق، وقلة النفقة، واضطراب الأمن، ووعورة المسالك.
وحتى في البلدان القريبة لم يكن الأمر سهلا، فقد رصد (إسماعيل جغمان اليمني) في كتابه الذي طبعته دارة الملك عبدالعزيز، تفاصيل رحلته من صنعاء إلى مكة للحج سنة 1241هـ قبل أقل من مئتي عام، فذكر أن رحلته استغرقت شهرين كاملين برا وبحرا، كانت مليئة بالمخاطر والأهوال، حتى قال: «أكثرنا من نطق الشهادة»!.
بل إلى ما قبل سبعين سنة تقريبا ورحلة الحج محفوفة بالمخاطر، وقد نشرت جريدة المدينة قبل سنتين مقابلة مع مسن جنوبي حكى فيها قصة حجه، وذكر أن الرحلة من ديرته في (غميقة) - تابعة لمحافظة الليث - إلى مكة كانت تستغرق يومين بالسيارة، وعشرة أيام مشيا! ولصعوبة الطريق فقد كان يتوجب على من يريد الذهاب للحج أن يكتب وصيته، ويجعل أولاده في أيد أمينة! وذكر أنهم في طريقهم إلى مكة وجدوا الطريق مسدودا بالرمال تماما، واضطروا إلى العمل 4 ساعات ليفتحوا مساحة تمر منها سيارتهم!
هكذا كان الحج إلى بيت الله الحرام محفوفا بالصعوبات، محاطا بالمخاطر، يحتسب فيه الحاج نفسه وماله، يخرج ولا يدري هل سيصل أم لا، وإذا وصل هل سيرجع إلى أهله سليما أم لا؟
وكم قرأنا في أخبار الأولين عن المشاق، وقطاع الطرق، ونقص المياه، والتيه في الصحارى، ولدغ الثعابين السامة، وغير ذلك مما تحفظه ذاكرة الحج في الماضي القريب والبعيد.
وقد تغير كل ذلك بفضل الله وما من به على البشرية من تطور، ثم بفضل الجهود الهائلة التي بذلتها المملكة العربية السعودية لتسهيل وصول الحجاج، ولتسهيل أدائهم مناسكهم، ولتسهيل عودتهم إلى ديارهم سالمين.
لقد كان أهم ما وفرته المملكة لحجاج بيت الله الحرام هو (الأمن)، الأمن الذي يجعل الحاج يقطع المسافات الواسعة داخل حدودها دون أن يخاف أذى أو عدوانا، والأمن الذي يجعله يؤدي المناسك مطمئنا على نفسه وأهله وماله.
ثم هي بعد ذلك لم تدخر جهدا في خدمة ضيوف الرحمن، بل تجند كل إمكاناتها المادية والبشرية والعلمية، وكل خبراتها الفنية، في سبيل تيسير الحج على الحجاج، وإنك لتلحظ أن الدولة بكل ما فيها ومن فيها تكون في هذه الأيام مستنفرة لخدمة الحجيج، بإشراف مباشر من رأس الهرم: خادم الحرمين الشريفين.
وهل أكثر من أن ترجئ الدولة احتفالها بيومها الوطني، لا لشيء، إلا تفرغا لخدمة زوار بيت الله الحرام. وهي إذ تفعل ذلك لا تمن به على أحد، بل تراه واجبا عليها تتشرف به وتعتز.
لا يمكن في مقالة مختصرة أن نستوفي عقودا من الجهود المبذولة في خدمة الحج والحجيج، ولكن أدنى مقارنة بين الحج كيف كان.. والحج كيف هو الآن.. ستكشف لكل منصف أن ما بذلته السعودية وتبذله خدمة لهذه الشعيرة هو شيء استثنائي يستحق الذكر والشكر.
19:29 | 30-09-2015

سوق عكاظ .. الرؤية والرسالة

في منتصف المحرم من سنة 1380هـ نشرت جريدتنا الحبيبة عكاظ حديثا للملك الشهيد فيصل بن عبدالعزيز يتحدث فيه عن وقوفه على سوق عكاظ، واستجلائه بعض علاماته مع المؤرخ الشهير محمد بن بليهد، رحمهما الله.
وبعد ثمانية وأربعين عاما من ذلك التاريخ وقف ابن الفيصل الأمير خالد ليعلن انبثاق سوق عكاظ من جديد، قال الأمير خالد يومها: «إن سوق عكاظ غاب عن دائرة الضوء، وطواه النسيان، بل إن موقعه أصبح ميدانا للاختلاف، إلى أن كلف الملك فيصل رحمه الله عددا من المؤرخين العلماء بتحديد موقعه بشكل دقيق، وبعد دراسة الآثار والتعرف على الأودية والجبال، والرجوع إلى الوثائق التاريخية والأشعار تم تحديد الموقع في هذه البقعة التي نجتمع الليلة في طرف منها».
تلك كانت البداية، اهتماما من ملك عظيم، ثم تنفيذا وبعثا من أمير مثقف شاعر فنان.
بيد أن مسيرة الكبار كبيرة دائما ولذلك فإن المشروع الذي بدأ بإحياء سوق قديم انتهى إلى أن يكون - كما قال الأمير خالد في كلمة هذا العام- «رسالة إنسانية وحضارية وتنموية تنطلق للعالم برؤية مستقبلية من أرض الحرمين الشريفين»، إنه «ليس استظهارا للماضي فحسب، بل هو ارتكاز عليه لنبني ما ينفع حاضرنا ويفيد مستقبلنا».
ولذلك اتسعت دائرة السوق لتشمل شرائح المجتمع كافة، وتنوعت برامجه لتشمل الفكر والثقافة والأدب والاقتصاد، وتعددت مناشطه فكان منها المحاضرة والأمسية والمسرح والمساجلة والمعرض والفلكلور الشعبي، والبيع والشراء، كما أصبح السوق محجة ومقصدا لكثير من المثقفين والأدباء، وباتت جوائزه مطمحا لمبدعي العرب في كل مكان.
وإنه ليسر جامعة أم القرى أن يكون لها في هذا العام إسهام واضح في مساق جديد من مساقات سوق عكاظ هو (ريادة الأعمال)، من خلال الندوة التي نظمها السوق بالتعاون مع الجامعة، وانتهت بتوقيع السوق عقدا مع رياديين شابين من خريجي الجامعة من أجل توثيق سوق عكاظ بشكل ثلاثي الأبعاد، وإنتاج نظارات عكاظ ثلاثية الأبعاد.
إن (سوق عكاظ) نموذج حي للمشاريع الحضارية التي تمازج بين الماضي والحاضر، وتؤاخي بين الأصالة والمعاصرة، وتجمع بين وهج المعرفة وحركة الاقتصاد، إنه صورة من صور الطموح الذي يتجسد واقعا، والحلم الذي ينتصب واقفا، والفكرة التي تصبح مشروعا.
ولذلك فإن قيمة السوق الكبرى ليست فقط في مضمونه على أهميته، ولا في مناشطه على نفاستها، وإنما هي في هذه الرسالة (الوطنية الإنسانية الحضارية) التي يحملها، الرسالة التي تقول: إن الآمال على يد الرجال تصبح أعمالا، ولو أن كل صاحب فكرة أو رؤية نافعة فعل بها ما فعل خالد الفيصل بفكرة (سوق عكاظ) لأنبتت بلادنا آلافا من المشروعات والإنجازات، ولأضفنا بذلك إلى فخرنا فخرا، وإلى إنجازنا الوطني إنجازا.
20:03 | 7-09-2015

مثابة للناس

من الأوصاف القرآنية لمكة المكرمة أن الله جعلها (مثابة للناس)، قال سبحانه: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا).
وهذه الكلمة القرآنية الرشيقة لها معان كثيرة، منها: أن زوار هذا البيت لا يقضون منه حاجتهم مهما مكثوا، فإذا انصرفوا، تحينوا الفرصة ليثوبوا إليه، أي: ليرجعوا إليه.
ومن معانيها أن الناس (يثوبون) إلى البيت -أي: يأتونه- من البلدان كلها.
ومن معانيها: أنه مجمع للناس.
ومن عرف مكة حق المعرفة عرف كيف انصهرت في حماها كل الأجناس، وتآلفت في أحيائها كل الأعراق، ودبت على شوارعها ملايين الأصناف من البشر.
إنها (المثابة) التي تجمع كل من آمن بالله ورسوله، وتسوي بينهم، فليس بحضرة البيت العتيق شريف ولا وضيع إلا بالتقوى، فالكل سواء بنص الوحي الإلهي: (والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء). ولذلك فإنك حين تستعرض البيوتات المكية قديمها وحديثها فإنك تجد من كل عرق ولون.
وقد تذكرت هذه المعاني الشريفة حين لقيت قبل أيام قليلة أعضاء الوفدين: الإندونيسي والسنغالي، الذين وفدوا إلى مكة المكرمة ليتعلموا في جامعتها مهارات تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها، لقيتهم، وتحدثت إليهم، واستمعت إلى كلماتهم، فرأيت علائم الشوق، وأمارات المحبة، وآيات الامتنان، لأم القرى الجامعة، وأم القرى المدينة، وأم القرى (الدولة)، أعني المملكة العربية السعودية التي تحتضن هذه المدينة المقدسة وتخدم زوارها.
كانت كلماتهم تفيض لله حمدا، ثم لهذه البلاد شكرا.
كانوا يتحدثون بتأثر بالغ عما وجدوه في هذه المدينة المقدسة من أجواء إيمانية، ونفحات روحانية، وآفاق علمية، مع حفاوة وكرم وطيب معشر.
جدد عندي هذا اللقاء ما لم يغب عني قط من (محورية) الدور السعودي في النطاق الإسلامي، فهذه البلاد المباركة التي منحها الله شرف خدمة الحرمين، وكتب لها السبق في مشروع التضامن الإسلامي، هي اليوم رائدة الدول الإسلامية بلا منازع، وقلب العالم الإسلامي النابض، وبقدر ما يمنحها هذا الدور من شرف، بقدر ما يلقي عليها مسؤولية كبرى، وأعباء جساما، ويجعلها (مثابة) للمسلمين، يلجؤون إليها في نوازلهم، ويستعينون بإمكاناتها ومكانتها في حوادثهم، وما خبر اليمن عنا ببعيد.
إن المقام لا يتسع لاستعراض جهود المملكة الضخمة في خدمة القضايا الإسلامية، وقد سبق أن عقد مؤتمر كامل بهذا الخصوص، وخرجت أعماله في ثمانية مجلدات ضخمة، وهي مع ذلك قاربت هذه الجهود ولم تحصها.
لا مجال إذن لهذا الاستعراض، ولكنني أود التركيز على هذه (المثابة) أو (المرجعية) التي جعلت من المملكة العربية السعودية نقطة الارتكاز في كل قضية من قضايا الأمة.
وانظر اليوم فإنك لا تجد قضية إسلامية، ولا مشروعا دعويا، ولا نازلة عربية، إلا والأعين تتجه إلى المملكة تنتظر منها قولا وفعلا.
إنه قدر رباني.. أن تكون (أم القرى) مثابة للطائفين العاكفين.. وجامعتها مثابة لطلبة العلم.. والدولة التي تحتضنها مثابة للمسلمين.
19:22 | 31-08-2015

أبناؤنا والرحلة إلى الجامعات

منذ وحد الملك المؤسس -طيب الله ثراه- هذا الوطن الممتد وكل بقعة منه كأختها هي أرض وبلدة لكل مواطن، فالسعودي حيثما حل من ربوع هذا الوطن هو في بلده وبين أهله وناسه.
هذه حقيقة ناطقة تاريخا وواقعا، نؤمن بها قدر إيماننا بصدق الوطنية، وجمال الانتماء، وجلال الولاء.
ولكن هذه (الحقيقة) الناصعة لا تلغي واقعا اجتماعيا وجغرافيا قائما على التنوع الإيجابي، وانتشار الكفاءات والطاقات في كل أنحاء الوطن، ولذلك فإن علينا أن ندرك أن دعوة المواطنين لأن يستثمروا خبراتهم وطاقاتهم في مسقط رأسهم، هي ليست دعوة لتجزئة الوطن، أو التفرقة بين مناطقه، بل هي دعوة لتحقيق وحدته الحقيقية من خلال العمل على تنمية كافة مناطقه ومدنه وبلداته وقراه.
في زمن مضى لم يكن لدينا سوى جامعات محدودة، باختصاصات معدودة، فكان راغبو الهندسة يرتحلون إلى جامعة البترول، ومحبو الطب يغادرون مدنهم وقراهم إلى جامعة الملك سعود، وطلبة العلم الشرعي يلقون رحالهم في مكة المكرمة حيث جامعة أم القرى.
كان ذلك الارتحال مفهوما ومبررا ومنطقيا في وقت كانت الخيارات محدودة، والفرص ضيقة. فكان الطالب يحتمل الغربة والمشقة وضيق ذات اليد من أجل أن يتعلم ويكون لبنة صالحة في وطنه.
ولكننا اليوم أمام واقع جديد، نحن أمام ثورة أكاديمية جعلت في كل منطقة جامعة بل جامعات، وفي كل مدينة بابا من أبواب التعليم العالي، فلا تجد بلدا في شرق الوطن أو غربه أو شماله أو جنوبه إلا وفيه أو بجواره مؤسسة للتعليم العالي. هذا الانتشار الجغرافي الواسع كان من أهدافه توطين الكفاءات، وتسوية الفرص، والحرص على تطور كافة مدن المملكة وقراها من خلال أبنائها البررة.
وهذا الواقع الزاهر يجعل من دراسة الطلاب (في مناطقهم) مكسبا وطنيا واجتماعيا ينبغي الحرص عليه. فدراسة الطالب في مدينته تتيح لأهله متابعته، وتخفف عليهم المصاريف والنفقات، وتهيئ له جوا أفضل للتحصيل، وتمكنه من القيام بواجب أهله وخدمتهم وقد يكون فيهم العاجز أو المريض، بل وتعصمه بإذن الله من احتمالات الحوادث المرة التي أهلكت كثيرا من شبابنا.
على مستوى الجامعات يقدم اختيار الطلاب الدراسة في مدنهم فوائد كثيرة، منها تخفيف الضغط عليها في مسألة الإسكان، ومنها تقليل (المقاعد) الشاغرة التي قد تضيع بسبب تسجيل الطالب في أكثر من جامعة، ومنها ملء الشواغر التي نجدها في كليات الفروع بسبب عدم الإقبال عليها، مما يشكل هدرا ماليا يضر بالوطن.
وعلى المستوى الوطني العام يحقق هذا الاختيار موازنة ديموغرافية بين مناطق المملكة، ويحد من الهجرة الكثيفة إلى المدن الكبرى، هذه الهجرة التي تسبب حالة مزعجة من التكدس المروري والاختناق السكاني. وهذه الموازنة تتسبب تلقائيا في تنمية متوازية لأرجاء وطننا الغالي.
الخلاصة عزيزي القارئ.. إنه لا شك لدينا أن من حق أي طالب أن يدرس في أي جامعة يختارها طالما استوفى شروطها، ولكن هذه النظرة الشمولية تجعلنا نقترح على طلابنا بل نلح عليهم أن يفكروا مرارا قبل أن يقرروا مغادرة مناطقهم لأجل الدراسة الجامعية بينما تنتصب في مناطقهم بشموخ مؤسسات تعليمية عالية يفخر بها الوطن.
20:34 | 6-08-2015

حكيم الدبلوماسية

(سعود الفيصل) اسم يختزل كل الألقاب؛ لأنه أعلى منها، معظم المسؤولين الكبار يعرفون بوظائفهم التي يشغلونها، ولكن (سعود الفيصل) من تلك النوعية من المسؤولين الذين تعرف بهم وظائفهم!
لقد بات اسم (سعود الفيصل) مكافئاً موضوعياً لـ (وزارة الخارجية)، بل مكافئاً موضوعياً للحنكة السياسية في إدارة الشؤون الدولية الخارجية.
لست بصدد معلقة في المديح، فقد حظي –رحمه الله- بما هو له أهل من ثناء عاطر جاب الكرة الأرضية شرقاً وغرباً وشمالا وجنوباً، على لسانِ رؤساء ووزراء وأمراء وخبراء ومواطنين بسطاء. ما أنا بصدده هو كشف (سر) هذه الشخصية الفريدة، عل ذلك أن يسهم في صناعةٍ قياداتٍ سعودية مستقبلية تخلص لوطنها بمثل ما أخلصت هي لوطنها.
وأحسب أن عبارة: (الوزير الطائر) هي توصيف يختصر كثيراً من معالم نجاح هذه القامة السياسية الوطنية الرفيعة.
فسعود الفيصل كان في (طيرانٍ) دائم، حتى قال بعضهم: إنه أمضى من حياته في الجو أكثر مما أمضاه على الأرض، وهو دليل السعي الدؤوب الذي لا يتوقف خدمة للوطنِ. فالرجل لا يكاد يعرف الإجازات، ويطير لأكثر من بلدٍ في اليوم الواحد، وظل يخدم وطنه رغم السن والمرضِ، حتى ترجل في نهاية المطاف.
كان سعود الفيصل – رحمه الله- (طائراً) يتنقل في رياض المعرفة، فحاز الشهادات من أرقى الجامعات العالمية، وشفع ذلك بمطالعة واسعة، وعززه بتفوقٍ لغوي نادر، حيث كان –رحمه الله- يجيد سبع لغاتٍ منها: الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والأسبانية والعبرية.
وكان سعود الفيصل كذلك (طائراً) متنقلاً في مواقعِ الخدمةِ الوطنية، بدءاً من وزارة البترول والثروة المعدنية، وانتهاء بوزارة الخارجية، ومروراً بعضوية المجلس الأعلى للبترول، والمجلس الأعلى للإعلام، والهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية، ومؤسسة الملك فيصل الخيرية، وغيرها.
وكان الفيصل كذلك (طائراً) محلقاً في سماء الدبلوماسية، ينظر بعينين كعيني الصقر، ويضرب بجناحين كجناحي النسر، وينقض بسرعةٍ كسرعةِ الشاهين. حتى لقبه البعض بـ (أمير الدبلوماسية)، وقال عنه وزير الخارجية الفرنسي (كوشنير): «هو أكبر الساسة في العالم حنكة وحكمة»، ولذلك حظي بثقة كثير من وزراء الخارجية وكان بالنسبة لهم مستشاراً مؤتمناً.
وكان سعود الفيصل أيضاً (طائراً) عذب التغريدِ، عف الألفاظِ، حلو النغم، ولك أن تتصور كيف أنه مارس الشؤون الخارجية (40 سنة) مر خلالها بكثير من المواقف المتوترة والصعبة والمواجهات الحادة، ومع ذلك لم تؤثر عنه (كلمة) واحدة جارحة، تنبو عن الذوق، أو تخرج عن النص كما يقولون. بينما غيره يظهر مرة واحدة فيفيض بكل قبيح! وكل ذلك برهان على تماسكِهِ وهدوئه وقوة أعصابه، وما أشبهه في هذا بأبيه العظيم الملك فيصل رحمه الله.
وكان سعود الفيصل كذلك (طائراً) دولياً يتنقل من قضيةٍ إلى أخرى، وبصماته ظاهرة في الملفات الحساسة التي تولتها المملكة كالقضية الفلسطينية، والقضية الأفغانية، واتفاق الطائفِ، وغيرها من المسائل الشائكة التي كان للدبلوماسية السعودية فيها دور فاعل.
رحم الله سعود الفيصل، وآجرنا في مصيبتنا، وأخلفنا خيرا.
21:10 | 20-07-2015

المملكة وقضايا المسلمين

منذ أيام قليلة استقبل خادم الحرمين الشريفين -أيده الله- في قصر الصفا بمكة وفد (لجنة الدعوة في أفريقيا)، الذي يضم كوكبة من كبار الدعاة في مختلف دول هذه القارة الخضراء، قدم هؤلاء الدعاة للتشرف بالسلام عليه -حفظه الله- عرفانا بدوره شخصيا ودور المملكة العربية السعودية في خدمة الإسلام والمسلمين في هذه القارة المترامية الأطراف.
إن الجهود المباركة المقدرة للجنة الدعوة في أفريقيا بقيادة سمو الأمير بندر بن سلمان بن محمد تمثل أنموذجا واحدا من نماذج عطاء المملكة وجهودها في خدمة المسلمين، هذا العطاء الذي بدأ منذ انطلاقة هذه الدولة واستمر إلى اليوم وسيستمر بإذن الله، فقادتها كانوا ومازالوا يستشعرون مسؤوليتهم بصفتهم حاملين لراية الإسلام وقضاياه في هذا العصر، وقد قال خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في تقدمته لأبحاث المؤتمر العالمي الأول عن جهود المملكة في خدمة القضايا الإسلامية، قال حفظه الله: «والمملكة إذ تبذل هذه الجهود الأصيلة لتعد ذلك مما يمليه عليها واجبها الأخوي، لا تبتغي بذلك رياء ولا سمعة».
والمتأمل في نشاطات المملكة على امتداد العالم الإسلامي يلحظ أنها تتميز بعدة ميزات:
أولها: العمل في هدوء، وبعيدا عن الضجيج، فما لا يعرفه الناس من جهود المملكة أضعاف أضعاف ما يعرفونه، ومن اطلع على أبحاث المؤتمر المذكور رأى عجبا من الجهود المطوية التي لا يعلمها كثير من الناس.
وثانيها: اتساع ميدانها، وتنوع أشكالها، فتجد إنشاء المنظمات الدولية، والوقوف الصلب مع القضايا الإسلامية العادلة، ودعم البرامج والمشاريع، وتقديم المبادرات السياسية، وبذل الجهود الدعوية، ورعاية المصالحات الوطنية، وتعزيز الأنشطة الاقتصادية، والحرص على القنوات التعليمية، واستقبال طلبة العلم ولاسيما في التخصصات الشرعية. إلى غير ذلك من وجوه العمل الجاد لخدمة الإسلام والمسلمين.
وثالثها: اتساع شريحة العاملين فيها، فنشاطات المملكة في خدمة الإسلام والمسلمين تنتظم طيفا واسعا من أبناء هذه البلاد المباركة، بدءا من الملك شخصيا وانتهاء بالمواطن البسيط، الجميع يسعى لخدمة هذا الدين العظيم، كل بحسب إمكاناته وموقعه.
ورابعها: مصداق قوله تعالى: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا)، فالمملكة تقوم بواجبها، وتعرف أنها تقوم بواجبها، ولا تلتمس على ذلك مقابلا، ولا ترتجي عوضا دنيويا، بل ترى ذلك جزءا من فخرها واعتزازها، ورحم الله صقر الجزيرة الملك عبدالعزيز إذ يقول: «أنا ترعرعت في البادية.. فلا أعرف أصول الكلام وتزويقه.. ولكن أعرف الحقيقة عارية من كل تزويق.. إن فخرنا وعزنا بالإسلام». نعم.. إن فخر المملكة وعزها بالإسلام.. إنه مختصر القول، وعنوان المرحلة، وشعار العطاء.
18:48 | 13-07-2015

مكة المكرمة والمدينة المنورة

إن العلاقة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة علاقة ربانية علوية سماوية فريدة. إنها نـمط فذ من التجاوب بين المدن، والتآخي بين الأماكن.
ينزل الوحي في مكة ثم يستمر في المدينة.
تبدأ الدعوة النبوية في مكة ثم تقوى وتشتد في المدينة.. تنطلق العصبة المؤمنة الأولى من أزقة مكة لتبني دولة الإسلام العظمى في المدينة.
تكبر عصائب المهاجرين في جبال مكة ليـردد صداها تهليل الأنصار في أودية المدينة.
يجهـر النبي صلى الله عليه وسلم بفواتح دعوته على جبل أبي قبيس بمكة، ثم يلفظ وصيته الأخيرة على فراشه بالمدينة.
تتجاوب أصداء مكة في فجر الدعوة بـقوله تعالى: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق) .. ويتـردد في فجاج المدينة في أواخر النبوة قول المولى: ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم).
وهكذا .. يـنظـم ما بين المدينتين خيط ذهبي من الإيمان والتوحيد والعقيدة والدعوة والحضارة.
ومن تأمل الوحيين وجد هذه الصلة ظاهرة بينة ..
قال سبحانه: ( وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ).. و( مدخل الصدق): المدينة،، و(مخرج الصدق): مكة، كما ذكره ابن كثير في تفسيره عن قتادة.
وفي الحديث: (إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها ، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة). وفي الحديث الآخر: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد).
نحن إذن أمام مدينتين عظيمتين تشير إحداهما للأخرى أن سلام عليك إذ كنت للوحي موطنا، وللنور منبعا، وللنبوة مدرجا، وللمؤمنين مثابة.
فأي شرف، وأي بركة، أن تنتهض دولة لخدمة هاتين المدينتين المقدستين، وحرميهما الشريفين معا ؟
لقد أذن الله لبلادنا المباركة المملكة العربية السعودية أن تكون الدولة التي قدمت أجل خدمة للحرمين الشريفين منذ كانا.
فأضخم توسعة للمسجد الحرام شهدتها وتشهدها المملكة.
وأجل توسعة للمسجد النبوي شهدتها وتشهدها المملكة.
ومع التوسعتين كم هائل من البنية التحتية، والخدمات المساندة، والمشاريـع المصاحبة، والتطويرات المحيطة، وحلول المشكلات، وتفعيل الإمكانات، وتوظيف المعارف والمهارات.
إنها ( ملحمة معمارية ) بكل ما تعنيه الكلمة، سواء نظرت إلى ( الـمعمار المادي ) أو إلى ( الـمعمار المعنوي ) ففي كل منهما بصمة سعودية واضحة سيقف عندها التاريخ طويلا، طويلا جدا..
20:00 | 26-06-2015