أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/global_files/author-no-image.jpg?v=1

فؤاد عبدالسلام فارسي *

رؤى الملك ووثيقة العهد....

إن خطاب سيدي الملك سلمان بن عبدالعزيز والذي ألقاه مؤخرا على قيادات الدولة حمل مضامين ومعاني عديدة متعمقة، ولله الحمد، إن القائد الذي ينعم الله عليه بالرؤية الثاقبة والذي يستطيع بفضل الله، أن يقرأ الواقع من خلال خلفية تاريخية عميقة وقوية ويستشف رؤى المستقبل يعطي لشعبه ولبلده الكثير الكثير حتى بعض الأمور التي قد لا تعن الكثير منا...
وبالطبع فإن القراءة المتأنية لخطاب سيدي الملك سلمان تعطي المرء منا الاعتداد بالنفس أن قيض الله للمملكة مليكا بقدرات ورؤى مستمدة من الخبرة الثرية والتاريخ وخبرة الحاكم لسنوات طويلة...
وفي تقديري، إن كل من يقرأ هذا الخطاب الشمولي الرائع ومن قبل كافة الشرائح العمرية للمواطن، سيجد أولا شمولية لطموحاته ورفعة وقناعة بقيادة واعية مستنيرة ذات رؤى عميقة، وسيجد فيه أيضا ما يكون في محيط اهتمامه، فعلى سبيل المثال، المواطن خريج الجامعة سيرى اهتمام القيادة الرشيدة بالتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية والسكن وفوق كل شيء الأمان ولله الحمد.. وسيجد رجل الأعمال ما يحفزه على بذل المزيد لصالح هذا الوطن المعطاء وهكذا... وفي النهاية سنكون أمام خطاب يوضح رؤى الملك في الشأن المحلي والدولي والاقتصادي والاجتماعي والأمني على حد سواء...
ومن النقاط والمفاهيم العديدة بهذه الوثيقة توقفت عند حديثه وفقه الله، عن العدل الذي هو أساس الملك ورفع الظلم وربط ذلك بالمساواة بين المواطنين في كافة أرجاء هذا الوطن الغالي وهذا في تقديري من المفاهيم الأساسية التي تهم المواطن بالدرجة الأولى..
وكما أشرت آنفا، نجد أن شريحة الشباب ستجد الاهتمام بها من حيث التعليم والوظيفة والسكن والرعاية الصحية... ونقول إن التعليم هو ضالة كافة الشرائح العمرية وكذلك ستجد شريحة أخرى هذا الاهتمام الشمولي لشؤون الحكم وفي كافة مناحي الحياة وأهمية التأكيد على مفهوم العدالة - محو الظلم - ونذكر ومنذ بداية عهد الملك سلمان - وفقه الله -، أصدر توجيهاته بأن كل من لديه مظلمة عليه رفعها للمقام السامي الذي عمد كافة مكاتب البريد البرقي بقبولها وإرسالها على نفقته الخاصة فهذه لمسة فريدة تعكس أولا اهتمام ملك البلاد برفع الظلم عن الناس وثانيا إدراكه ملكا للبلاد، بأن هذا الأمر وسيادة العدل يعد من الأسس الجوهرية التي تنهض عليها البلاد هذا إن لم يكن هو الجوهر والأساس.. ولقد تناول العديد من الكتاب والمفكرين، ولا يزالون، هذه الوثيقة التاريخية ولا شك أن تلك المناولة سوف تستمر لما فيها من مضامين وأهداف سامية تخص المواطن والوطن.. وتشعر المرء منا بالفخر والاعتزاز بالانتماء لهذا البلد المعطاء والمليك العادل...
ولعل من يهمه الأمر يسعى بأن تتصدر هذه الوثيقة خطة التنمية للدولة لما فيها من أهداف سامية ومضامين شمولية صالحة لكل وقت وزمان....
وبالطبع لقد تناولت هذه الوثيقة شؤون الداخل والخارج والاهتمام بالقضايا الدولية المعاصرة بشكل شمولي ورؤية معاصرة لصانع القرار في بلادنا الغالية.. ولعل الذي يهم المواطن بالدرجة الأولى هو الشأن المحلي الداخلي مستدركا القول إننا نعيش الآن في عصر تتعاظم فيه أمور الشأنين الداخلي والخارجي على حد سواء وأن إحداث توازن ومواءمة ومراعاة بينهما هو من أسس النجاح والاستمرارية والتطور.. وكذلك نرى اهتمام القيادة الرشيدة بشؤون الدفاع والأمن في بلادنا الغالية هي أيضا من الأساسيات الجوهرية، وكنت قد سمعت مقولة لسيدي الأمير نايف بن عبدالعزيز طيب الله ثراه، عندما كان يتحدث في الشأن العام بأن الأهم الأهم هو «الأمن في الأوطان والصحة في الأبدان»... وفي عالم اليوم الذي نعيشه نرى أن الشأن الأمني والعسكري يظل وسيظل كما كان دوما هو الهدف والمبتغى.. وبالطبع فإننا نرى أن الوجه الآخر لهذه العملة هو المواطنة بمعنى معايشة المواطن وإدراكه بأهمية هذه الأمور له ولوطنه ويكون كما قال أحد عظماء الدولة السعودية من أن المواطن هو رجل الأمن الأول.. وفي منحى آخر، فإن التاريخ والواقع أثبتا أن رقي الأوطان يعتمد في الدرجة الأولى على التعليم بكافة مستوياته وخصوصا التعليم الابتدائي...
ومن أن ثنائية المعرفة الجديدة القديمة هما المناهج والمعلم.. وهذا ولا شك أمر واضح باهتمام الملك سلمان بالتعليم وما وجه به من إعادة هيكلة القطاع التعليمي بالدولة وإن شاء الله رجال الدولة فيهم الخير ويعملون لصالح هذا البلد الخير ومواطنيه.. فإن ملكا نهل كثيرا من كتب التاريخ والسياسة والأدب يدرك أهمية العلم والمعرفة اللذين لهما أثر في الأوطان... ومن الأمور الهامة التي تمس شريحة هامة كبيرة في البلاد وتناولتها هذه الوثيقة هو ما أشار فيها الملك سلمان حفظه الله نحو أهمية تأمين الوظيفة للمواطن وكلنا يدرك وكذلك في كافة الدولة أن الدولة لا تستطيع أن تؤمن الوظيفة المناسبة لكل الخريجين، ولذلك فإن ما أشار إليه المليك من أهمية تعاضد القطاع الخاص مع الدولة في هذا الشأن والذي هو أساس وجوهري نحو السعي لحل مشكلة البطالة بالتدريج.. وبالطبع فإن التدريب يظل عاملا مهما للعمل وخصوصا لدى القطاع الخاص..
وكلنا يدرك بأن العدو الأول لأي تنمية وتطور هو الجهل والذي أخذ أشكالا متعددة ولا يزال والمتمثل في التطرف والتزمت والإرهاب بشكل لم يشهده العالم من قبل وفعلا فإن العالم كله الآن في «حالة حرب» على الإرهاب بكافة صوره وأشكاله وفي كافة أنحاء العالم ومعظم الدول تتصدى له وتحاربه ولكن مع الأسف البعض الآخر يساعده ويدعمه زعما منه بأنه يستطيع من خلاله تحقيق أهدافه وهو بذلك واهم ومخطئ لأنه سرعان ما سينقلب السحر على الساحر ويؤثر الإرهاب عليهم ويقضي على هؤلاء الذين يقفون وراءه. ومن هناك كان ذكر واهتمام سيدي الملك سلمان لهذا الأمر من الأولويات المعاصرة.. ولعل القارئ يلحظ أن وسائل الإعلام تطالعنا يوميا بمقالات وأخبار وأحداث وأنباء تتعلق بالإرهاب وبؤره ومسبباته وأضحى موضوع مكافحة الإرهاب الآن كحرب مسلحة وليس مجرد التصدي لجماعات إرهابية من حين لآخر.. وللقارئ أن يتصور من أين تحصل تلك المنظمات الإرهابية على هذا الكم الهائل من الأسلحة بكافة أنواعها ومن الذخائر والعتاد والوقود والإمداد وطريق التموين والمعلومات الاستخباراتية وأدوات ووسائل الاتصال والرصد المتطورة.!؟ يقول إن هذا الأمر يحدث لأول مرة في العالم على قدر علمي، بهذا الحجم والإعداد والتعبئة، ولذلك فإن هذا الأمر سوف يستغرق وقتا طويلا للقضاء عليه والأهم هو دراسة مسبباته ووجوده لا نتائجه وتجفيف منابعه البشرية والتسليحية والفكرية.. ولعلي أقول أيضا إنه قد يكون من المناسب والأفضل أن تطلق وسائل الإعلام على تنظيم داعش تنظيم الإرهاب فقط حيث إن الإسلام براء من ما يفعلون ويقولون.. وهذه وقفة رأيت سردها والتي أتت في سياق الحديث عن مكافحة الإرهاب.
وبالعودة إلى الوثيقة التاريخية لملك البلاد أعزه الله يستطيع المرء منا أن يخلص إلى العديد من النتائج الأساسية كالتالي:
1- حرص الملك سلمان على الوطن والمواطن كل الحرص وبكل ما يمس مراحل حياته المعيشية واستتباب الأمن والأمان بمعنى أن المواطن والوطن هما قرة عين «أبي فهد» أعزه الله.
2- إرساء أسس العدل والمساواة بين أبناء الوطن الواحد والمتساوين في الحقوق والواجبات.
3- الحرص دوما على هذا الوطن المعطاء ولابد أن يكون كافة أبناء وبنات هذا الوطن يدا واحدة وحصنا منيعا لكل من تسول له نفسه مجرد فكرة النيل من هذا البلد..
4- السعي نحو مجتمع خال من الفساد والتعصب والتزمت وهذا من مؤشرات رقي المجتمعات ولا شك في ذلك..
5- حرص الملك سلمان على الشأن الدولي ومساهمته الفعالة والفاعلة لإرساء قواعد الأمن والأمان لكل دول العالم المحبة للسلام وإدراكه التام لقواعد كل ما يدور في العالم إقليميا ودوليا والسعي نحو قيام المملكة بدورها الفاعل لحماية الوطن وكذلك السعي نحو نزع فتيل النزاعات القائمة من خلال الحوار والتعاون مع المؤسسات الدولية..
6- وأخيرا وليس آخرا حرصه حفظه الله على التصدي لكافة أسباب الاختلاف والقضاء على كل ما قد يؤثر في المجتمع السعودي ويضر باللحمة الوطنية...
19:43 | 17-03-2015

مَلِك ومَلِك

رحل الملك العظيم عبدالله بن عبدالعزيز ــ طيب الله ثراه.. ومهما خط قلمي من كلام عن ملك الإنسانية والحكمة والسلام والسلم، فإنه سيظل عاجزا عن سرد وذكر مناقب ومحاسن وإنجازات الملك الإمام.
العالم كله تحدث ويتحدث عن إنجازاته وإصلاحاته ومساعيه المتميزة لخدمة الإنسانية والتقريب بين أتباع الأديان وجهوده في تطوير القضاء والتعليم والإسكان ومكافحة آفة العصر الإرهاب.. واهتمامه ورعايته للإنسان المواطن السعودي من تعليم وتنمية مستدامة ورعاية أبوية حانية.. وكذلك لا يمكن أن ننسى نهجه الإصلاحي في الداخل وجهوده ومساعيه الخيرة بتوحيد الصف العربي والإسلامي وتوسعة الحرمين الشريفين وما رافق ذلك من مشاريع يسرت على المسلم ــ جسر الجمرات، قطار المشاعر، التخطيط والتطوير المستمر للمشاعر المقدسة..
وكذلك ــ رحمه الله ــ المساعدة للمنكوبين والضعفاء والمقهورين في العديد من دول العالم..
ولقد كان لي شرف العمل تحت إمرة سيدي الملك عبدالله ــ رحمه الله ــ وكان قويا في الحق، لين المشاعر تجاه المظلوم والضعيف.. وأتذكر بعضا من كلمات كان يكررها كثيرا حينما كنت أخدم في مجال الإعلام، أولها أن الملك المؤسس عبدالعزيز ــ طيب الله ثراه ــ هو الأساس.. وكذلك ــ في ذلك الوقت ــ أن الملك فهد ــ طيب الله ثراه ــ فوق الجميع، والثالثة قول الصدق ولا شيء غير الصدق.. رحم الله أبا متعب وأسكنه فردوسه الأعلى بحول الله..
ونحمد العلي القدير أن قيض لبلادنا الغالية سيدي الملك سلمان بن عبدالعزيز رجل الدولة، الحاكم الحازم العادل، رجل الإعلام، رجل السياسة، رجل الأدب، رجل التاريخ ــ بمعنى دولة في رجل واحد ــ ليكمل مسيرة الملوك الكرام البررة من أبناء الملك المؤسس ــ طيب الله ثراهم جميعا.. ولا يساورني أي ظن من أن عهد سيدي الملك سلمان ستعيش بلادنا الغالية ــ بحول الله ــ مزيدا من السمو والرفعة والاهتمام الأهم بالمواطن السعودي، وبالطبع المزيد من التألق في مجال العلاقات الدولية، والتي هو فارسها..
وعلى السمع والطاعة أبا فهد.. سيدي، ويجب دوما أن نستذكر سيدي الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ــ طيب الله ثراه ــ والذي أنجب أبناء وأحفادا بررة، أقوياء في الحق، رحماء في المشاعر، ديدنهم الحفاظ على الكتاب والسنة ومصلحة شعبهم ووطنهم والتعايش السلمي المشترك مع كافة الدول المحبة للسلام.
19:14 | 28-01-2015

الرياض القاهرة.. وصُناع التاريخ

كغيري من الملايين في كافة أنحاء العالم شاهدت وتابعت عبر التلفاز مقابلة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله وفخامة الرئيس المصري السيسي، تلك الزيارة التي قام بها الملك عبدالله كأول زيارة من زعيم عالمي لمصر العربية، ولقد كتب ويكتب عن تلك الزيارة الكثير من رجال العلم والأدب والإعلام والثقافة والتاريخ والفكر، وقيل عنها إنها زيارة تاريخية، ونقول بأن تلك الزيارة صنعت التاريخ من قبل الملك عبدالله والرئيس السيسي.
وفي لغة السياسة والإعلام هنالك لغة يتقنها البعض ويطلق عليها لغة الجسم bady Language بمعنى التي يمكن من خلالها تفسير مزاج المتحدث وما قد يتحدث به المخ.. وفي ذات الاتجاه أقول بأن هنالك لغة المواقف SILVATION Language والتي يمكن للمرء أن يلحظ ويستنتج بأن زيارة الملك عبدالله لمصر الشقيقة والمقابلة التي تمت في القاهرة يمكن أن يقرأ منها ومن خلالها الكثير.. فمن اهتمام مشترك بالغ من زعيمي أكبر دولتين في العالم العربي، بشؤون الوضع العربي، خصوصا ما يحدث في الوقت الراهن.. اهتمام لإنقاذ العالم العربي من براثن الفوضى والشقاق والإرهاب.. اهتمام نحو تثبيت الواقع الراهن في العالم العربي والحرص على القضاء على التوازنات القائمة والحيلولة دون حدوث واقع جديد في المنطقة.
لعل القارئ يدرك منذ سنوات وبكل مرحلة ما يطلق عليها الربيع العربي الذي عاد على تلك الدول بعدم الاستقرار وانعدام الأمان.. نقول إن التحالفات السياسية كانت قائمة على محور أساسي سبق أن ألمحت إليه في مقالاتي السابقة.. بأن هنالك تحالفا على شكل هلال يبدأ من باكستان شرقا ثم تركيا والأردن وسوريا ومصر والسعودية.. وكانت هذه الدول تسعى باستمرار للمحافظة على الاستقرار السياسي في المنطقة بشكل عام، وكذلك الحفاظ على التوازنات السياسية الإقليمية في تلك الدول وبين تلك الدول بهدف الحفاظ على الوضع الجغرافي السياسي الراهن، والحرص على الحق العربي والدفاع عن قضاياها المشتركة.. ولكن منذ وبعد عام 2011، بدأت تلك الاستراتيجية أو التحالف غير المعلن يهتز ويتخلخل لأسباب كثيرة أهمها الحزبية والطائفية وبالطبع كذلك الدوافع الخارجية من قبل الدول الفاعلة ذات العلاقة.. ثم لاحظنا كيف دخل العراق وما زال في دائرة رهيبة من القتال الطائفي والإرهابي بين عديد من الجهات داخل العراق، ثم ما حدث ويحدث في سوريا، وكلا البلدين لهما تأثير مباشر وقوي لما يحدث في لبنان من شلل سياسي والطريق نحو الانفراج أو الانفجار.. وكذلك ما حدث ويحدث في تركيا بشأن الاهتمام الحزبي الإخواني ودعم ذلك الجانب دون التيقن بالواقع السياسي ومصلحة الدول المتجاورة، ولذلك فإن هذا الأمر قد يجعل تركيا خارج إطار التحالف والمحور الاستراتيجي الجغرافي السابق ذكره للحفاظ على استقرار وأمن المنطقة لما فيه مصالح الدول بها دون حزبية أو طائفية.. وللأسف فإن تركيا نأت بنفسها نحو واقع فشل في مصر وفشل في تونس وفشل في سوريا، ولا أحد ينكر أهمية تركيا الاستراتيجية في المنطقة ولكن ما بدر منها يشير إلى أن هنالك دوافع ذاتية للحفاظ على الوضع الراهن داخل تركيا دونما اعتبار لواقع ومصالح المنطقة السياسي ككل.
ونعود إلى لقاء القاهرة بين الملك عبدالله والرئيس السيسي الذي يمكن للمرء أن يقرأ من خلاله لغة العرفان والمودة الصادقة والتقدير المتبادل والحرص ليس فقط على مصالح كلا البلدين بل أيضا الحرص على مصالح دول المنطقة وعالمنا العربي والحرص على استقرار الواقع الراهن في المنطقة العربية والحفاظ على التوازنات الجغرافية السياسية القائمة والحرص على عدم خلق واقع جديد قد يؤدي بالمنطقة إلى المجهول لا قدر الله.
ونقرأ أيضا أن كلا الزعيمين على يقين من ثقل بلديهما في ترجيح كفة العقل والمنطق واستشراف الواقع الحاضر تجاه مستقبل مستقر يحافظ على استقرار وتوازن المنطقة العربية، وكذلك الدائرة الجغرافية التالية لمنطقتنا.. ولعل المرء يلاحظ كيف إذا ألقى حجرا في بحيرة ينتج عنها دوائر متعددة متتالية إلى ما لا نهاية.. فهكذا هي السياسية، بمعنى لا بد أن يحسب لكل فعل ورد فعله وما قد ينتج عنه من نتائج.. ولعل كل مراقب منصف يدرك الإخلاص والحرص والرغبة الصادقة لدى الملك عبدالله والرئيس السيسي في استقرار الأمن في دولنا العربية لإيقاف النزيف السياسي والإرهابي الذي قد لا يدرك المرء منا هدفه واتجاهه.. وهذا بالضبط ما نراه في العراق بشكل واضح وكذلك ليبيا بدرجة أقل، حيث إن التدخلات الخارجية السياسية متعددة في العراق، وإن التعدد الطائفي أذكى نار الصراع الداخلي في العراق، وما يدور كذلك في اليمن من وضع مشابه لما يحدث في العراق والعلة هنا واحدة.. الطائفية.
ولا شك أن هنالك دوافع وجهات خارجية وإلا كيف يمكن على سبيل المثال الاستمرار بآلية تشبه آلية حرب الجيوش، بمعنى من الذي يمد تلك الجماعات مثل داعش والحوثيين في اليمن بالسلاح والذخائر والعتاد والغذاء - الإمداد والتموين - والمال والمعلومة الاستخباراتية.. لكن هذه أمور تعقد الوضع الراهن والذي ينذر بسوء العواقب في تلك المناطق لا قدر الله.
وكذلك لا بد أن القارئ يشاركني باستغراب عن ظهور العديد من هذه الجماعات الإرهابية في العديد من الدول العربية بشكل ملحوظ وبدعم قوي في السلاح والعتاد والمال، بعد أن كانت تلك الجماعات محدودة العدد والعدة في بعض الدول العربية والإسلامية وفي دول أخرى حول العالم.
نقول إن هنالك دفعا قويا خفيا نحو السعي لتغيير الوضع الجغرافي السياسي الراهن في المنطقة العربية والإسلامية والهدف الأساس هو السلطة والسيطرة وخلق واقع جديد، وكما أشرت فإن الهدف الواضح لكل هذا هو الطائفية والحزبية في العديد من الدول ذات النزاع والصراع الداخلي الذي هو مرشح لأن يتجاوز حدود تلك الدول في حال الإخفاق للتصدي لذلك الأمر.. وهنا مكمن الخطر، وبالطبع فإن الدول ذات العلاقة على يقين بما يحدث وترى بوضوح أي اتجاه يسلك، ولا بد من وقفة قوية من الدولة المحبة للسلام والصادقة الرغبة في الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، وبالتالي الحفاظ على تاريخنا وقبل ذلك ديننا وطريقة حياتنا ومجتمعاتنا ودولنا.. ومن كل هذا تأتي الأهمية البالغة لاجتماع القاهرة الرياض بين الرئيس السيسي والملك عبدالله.. اللذين لديهما رؤية أفضل بكثير لما يحدث ولماذا يحدث وكيف يحدث ومن يقف وبيده السلاح ومن الذي يقف ويدعم هؤلاء.
هذه الزيارة التي تصنع التاريخ وتقف بالعالم العربي في منعطف حيوي مصيري، ويحدو الأمل كل مخلص غيور على دينه ووطنه في أن تكلل جهود الزعيمين وكذلك جهود العديد من الزعامات العربية المخلصة في كل من دولة الإمارات والمغرب والأردن لدحر هذا المد الإرهابي المدمر الذي يسعى - لا قدر الله - لتغير الواقع على أرض الواقع.
وفي نهاية هذا المقال يمكننا أن نخلص الآتي:
1 - إن تزايد حدة الصراعات في كل من سوريا والعراق واليمن وليبيا وأثر ذلك على العديد من الدول المجاورة قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، ولابد على كل مسؤول قادر أن يقف مع الدول ذات الرغبة الصادقة للحفاظ على أمن واستقرار العالم العربي لإيقاف هذا الزحف التتاري.
2 - الكثير منا على يقين أن ما يحدث في تلك الدول والآلية الحربية العسكرية المستخدمة في تلك النزاعات لا يمكن أن تكون مجرد آلية إقليمية ذاتية الدفع، وقد يكون ذلك إلى حد ما، ولكن كما أسلفنا فهنالك اعتقاد عن وجود جهة أو جهات خارجية تقف وراء ذلك لتحقيق أهداف جديدة وتغير الوضع الراهن، بل تغير الجغرافية السياسية لبعض الدول العربية والإسلامية.
3 - إن الوقفة القوية الواعية للملك عبدالله مع الشقيقة مصر العربية هي وقفة فارس وزعيم شهم واع لعروبته وإسلاميته وحرصه على استقرار وأمن وأمان المنطقة العربية والإسلامية، وسوف يسجل التاريخ الذي يشارك في صنعه الآن هذه الوقفة العملاقة.. وهذا قدر الملك القائد عبدالله بن عبدالعزيز.
19:00 | 22-06-2014

سياسة الردع.. إلى أين؟

في نهاية مقالي الماضي كنت قد أشرت إلى سياسة الردع وتحدثت عنها بشكل مختصر ورأيت أن ألقي مزيدا من الضوء والمعرفة عن هذه السياسة.
وبالطبع سنبدأ بتعريف «الردع» والمقصود به ثم نتحدث عن الناحية التاريخية بشكل مختصر ثم أهمية سياسة الردع في السياسة العالمية ومدى فعالياتها في الوقت الحاضر. يعرف قاموس أكسفورد الردع لغويا هو الفعل الذي يجعل شخصا ما يقرر عدم فعل ذلك الشيء.. وكذلك الفعل الذي يمكن من خلاله منع حدوث أمر معين أو سلوك معين من أن يحدث.
وسياسيا يعرف قاموس أكسفورد أيضا الردع بأنه السياسة التي من خلالها يطور الكثير من القوة العسكرية حتى تمنع دولة أو دولة أخرى من الهجوم على بلدك.. وفي ذات الإطار ووفقا لـ«ويكيبيديا» فإن الردع هو استعمال التهديد باستعمال العقاب حتى تردع الآخرين عن الهجوم.. ومن أن مفهوم الردع يحتوي على افتراضين أساسيين، الأول هو عقوبات محددة فيما إذا طبقت على المعتدي فإنها ستردعه وتمنعه من ارتكاب جرائم أخرى.. والافتراض الثاني، هو أن الخوف من العقاب سيمنع الآخرين من ارتكاب نفس الجرائم.. وهذا التحليل الأخير كتبه مورجان سمر فيلد عام 2006 في كتابه تقييم الردع. وكذلك تحذر الكاتبة فاليري ارتكا في عام 2010 في بحثها (التقدير الحقيقي ضد العقوبات المشددة)، تحت عنوان كتابها (الردع في قانون العقوبات) بأن مفهوم أو فكرة الردع هي التي تحدد النظام الدولي الجنائي في العديد من المجتمعات الديمقراطية، بالرغم من أن العقوبة والحبس تقليديا لديهما أهداف متعددة بما في ذلك العقوبة المانعة للأهلية وكذلك الردع وإعادة التأهيل.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك بعض الديمقراطيات الغربية فإن سياسة المبادرة في العقوبة غالبا ما تطبق بهدف زيادة عامل الردع.. وأخيرا في إطار التعريف بالردع، حيث إن فهم الأمر يؤدي إلى رؤية أفضل للمفهوم السياسي والعسكري لهذا المصطلح، فإن الموسوعة البريطانية تعرفه على أنه الاستراتيجية الحربية التي من خلالها يمكن لقوة ما أن تستعمل التهديد بالرد الانتقامي بشكل فاعل وذلك لمنع حدوث هجوم من قبل قوة أخرى معادية.. وتشير ذات الموسوعة إلى أنه باكتشاف الأسلحة النووية فإن مصطلح الردع طبق واستعمل بشكل أساس نحو استراتيجيات من قبل القوى النووية وكذلك من قبل الحلفاء الأساسيين ومن أن أساس هذه الاستراتيجية هو أن كل قوة نووية تحافظ على مستوى عال من الجاهزية الآنية الفورية وقوة تدميرية هائلة ضد أي معتد.. بمعنى القدرة المرئية والمصداقية نحو من قد يكون المعتدي حتى تكبده ضررا فادحا لا يمكن احتماله تجاه المعتدي المهاجم بقوة يمكنها أن تقيس أي هجوم مفاجئ.
ومن خلال هذا المفهوم يستطيع المرء أن يدرك ماهية الردع وأهميته في السياسات العالمية ومدى إمكانية الاعتماد على هذه القاعدة الأساسية في السياسة العالمية والأحداث المعاصرة.
ولعل حرص إسرائيل على امتلاك سلاح نووي منذ زمن وكذلك تطوير الهند لسلاحها الذري ثم مقابلة باكستان ذلك بتطوير أسلحة نووية خير مثال على الردع والردع المضاد.
وفي إطار الأدبيات التي كتبت في مجال الجغرافيا السياسية، قرأت مؤخرا في مجلة الإيكونمست ECONOMIST مقالا بعنوان (انحسار الردع) ومن أن أمريكا لم تعد تؤثر في أعدائها وحتى في تطمين أصدقائها.. ومرة أخرى نقول بأن المرء يقرأ.. لكي يكتب أيضا لأن من يريد الكتابة لا بد من أن يقرأ.. ونعود للمقال الذي يبدأ بالإشارة إلى أن حلفاء أمريكا أصبحوا متوفرين، حيث إن روسيا تحصل على مساحات جغرافية في دول أخرى، والصين من جهة أخرى تستفز جيرانها ومن أن سوريا تقتل شعبها والكل يسأل عن الشرطي الدولي.. ويتساءل المقال ما الذي قد يدفع أمريكا لكي تردع المشاغبين وتحت أي ظرف قد تقاتل أمريكا.. وكنت قد أشرت في مقال الماضي عند الحديث عن ضعف قاعدة الردع الدولية، فإن ذلك سيشجع العديد من الدول المارقة على التصرف كما يحلو لها إذا كانت لديها شكوك من أن أمريكا لن توقفها عند حدها.
وخلال رحلته الأخيرة لعدة دول في آسيا سئل الرئيس أوباما مرات عديدة ومن قبل الصحفيين في تلك الدول، ما الذي تخطط له أمريكا لكي تمارس قوتها وفي كل محطة توقف بها الرئيس أوباما فإن نفس السؤال كان يتردد، وفي رده على تلك الأسئلة قدم الرئيس الأمريكي ضمانات جديدة للدول الحلفاء للدفاع عنها. كما حدث في اليابان وكذلك عندما زار الجنود الأمريكيين في كوريا الجنوبية البالغ عددهم حوالي 28 ألف جندي ورد قائلا من أن أمريكا لن تتردد في حماية حلفائها بما في ذلك استخدام القوة العسكرية للدفاع عنهم.
وعند زيارته للفلبين قام الرئيس الأمريكي بتوقيع اتفاقية مع تلك الدولة التي تسهل للقوات الأمريكية، ولمدة عشر سنوات، وبشكل أكبر وأكثر فعالية للحصول على حق استعمال قواعدها العسكرية..
وخلال السنوات القليلة الماضية ظل الرئيس أوباما يردد بأن الناس قد اعتادوا على التفكير بأن المشاكل الخارجية الصعبة ليس لها إلا إجابة واحدة، وهي استعمال القوة العسكرية، وكان الرئيس أوباما يرد بالنفي على مثل هذا الافتراض.. وفي ذات السياق فإن معظم الأمريكيين يرون أن الدفاع عن أمن الحلفاء، حلفاء أمريكا، شيء هام ولكن مع ذلك فإن 6% فقط أيدوا استعمال القوة في أوكروانيا وفق إحدى الإحصائيات هناك.
ومن ناحية أخرى وفيما يتعلق بغزو روسيا للقرم، فإن رئيس استونيا توماس هندرك أشار إلى أن الإطار القانوني الذي يحافظ على حدود أوروبا قد تغير بشكل جذري عندما غزت روسيا القرم ومن أن رد فعل الاتحاد الأوروبي كان ضعيفا تجاه ذلك.. ومن أنه لم يعد هنالك شيء يمكن التمسك به.. وهنا أشير إلى أن العديد من المعلومات في مقالي اليوم تعتمد على مقال الإيكونمست السالف الذكر في الرجوع إليها كلما دعت الحاجة واستمرارا في الحديث عن أوكرانيا والقرم والسياسة الروسية هناك، يشار إلى أن هنالك وعلى المستوى القريب أمرين عسكريين يثيران الاهتمام، الأول هو أن دول البلطيق يصعب الدفاع عنها، حيث إن كافة المجال الجوي لتلك الدول مغطى بشكل كامل تحت تهديد الصواريخ الروسية والثاني هنالك قلق أكبر من أن العدوان الروسي قد يكون متخفيا وغير ظاهر لهدف أساسي كما في أوكرانيا وفي هذا الصدد يقول المستر هازبورج من مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية في باريس «فإن المستر بوتن لا يقوم بهجوم أمامي ولكن يؤدي ضربات جودو..» ولذلك تظل هنالك شكوك قائمة من الوضع في دول البلطيق ومن مساعدة تلك الدول تجاه روسيا لأسباب جغرافية وسياسية وعسكرية..
وفيما يتعلق بسياسة الردع والقوة في التنفيذ فإن منطقة الشرق الأوسط هنالك إدراك أن هنالك سياسة أمريكية حذرة، ويشير مقال المجلة البريطانية بحق من أنه منذ أحد عشر عاما غزت أمريكا العراق خلال أسابيع وعندما سحب الرئيس أوباما القوات الأمريكية من العراق لم يعد هنالك شيء ظاهر بالرغم من البلايين التي أنفقت والكثير من الأرواح التي فقدت ومن أن أمريكا قد تركت خلفها عراقا بالكاد صديقا لها.. ويتحدث ذات المقال أيضا عن أحداث كنت قد أشرت لها في مقالي الماضي عن موقف الولايات المتحدة تجاه أحداث أوكرانيا وتجاه الحرب الدائرة في سوريا واستعمال النظام السوري الأسلحة الكيماوية ضد شعبه، وبالرغم من ذلك فإن رد الفعل الأمريكي كان سياسيا أكثر من أي شيء آخر..
ويشير المقال ذاته إلى أن من يتحدث عن انكماش لأمريكا والقوات الأمريكية في الشرق الأوسط ومن أن سياستها غير قوية.. فهؤلاء مخطئون، حيث إن أسعار النفط مستقرة وهنالك قواعد أمريكية بحرية وجوية كبرى في بعض دول المنطقة ومن أن المحادثات مع إيران بشأن الحد من تطوير قدراتها النووية العسكرية في طريقها نحو النجاح، فكل هذه وغيرها دلائل على الوجود العسكري والسياسي الفاعل القوي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وبالانتقال من الشرق الأوسط إلى الصين يتحدث المقال عن حرب أمريكا في أفغانستان، لأكثر من عقدين من الزمن وأشار إلى أن الرئيس الأمريكي عازم على سحب القوات الأمريكية من هناك والتي يربو عددها على الثلاثين ألف جندي - ولدينا أيضا سابقة انسحاب أمريكا من العراق - لذا فإن افغانستان، ومن وجهة نظر الكاتب ستعود تحت سيطرة طالبان والجماعات التي تدور في فلكها بعد انسحاب أمريكا.
ونعود لذكر الصين واستيلائها على بعض الجزر اليابانية حتما لن يدفع أمريكا إلى الدخول في حرب مع الصين، وبالرغم من تعهد الرئيس أوباما واستعداده لوضع القوات الأمريكية في اليابان - 50 ألف جندي - لدعم اليابان ومن أن مدى اللجوء إلى القوة هناك ما زال تحت الاختبار.
وكذلك أيضا بعض المشاكل بين الصين والفلبين، حيث إن الصين سبق أن استولت على جرف تابع للفلبين ثم انسحبت منه ومن آخر منذ عامين وكذلك يظل الوضع العسكري الخطير بين الكوريتين ما يقلق في إطار الوضع الدولي العام والتوازنات الدولية، حيث إن هناك مخاوف من أن تصبح كوريا موحدة وهذا الأمر بالطبع مقلق للصين.. وكذلك فإن العلاقات بين الأخيرة وتايوان في حالة مد وجزر بالرغم من العلاقات الاقتصادية بينهما إلا أن أكثر من 70% من شعب تايوان يعتبرون أنفسهم تايوانيين وليسوا صينيين.. ومن خلال هذه القلاقل الجغرافية السياسية بين الصين من جهة والعديد من الدول المجاورة لها فإن العديد يرون أنه بالرغم من ذلك فإن الولايات المتحدة لن تحارب الصين في هذا الصدد.. وهنالك مقولة في مقال للإيكونمست محل البحث تشير إلى أن حلفاء أمريكا في آسيا يرفعون من قدرات وكفاءة قواتهم المسلحة، حيث يشيرون إلى أن المظلة النووية الأمريكية التي هم تحتها بها «ثقوب».
وفي إطار هذه المشاكل في الخارج حول العالم والتي لها علاقة بالتغيرات الجغرافية السياسية وزيادة نفوذ بعض الدول مثل روسيا والصين، ودفع ذلك صانعي القوانين الأمريكية رجال الكونجرس إلى مطالبة الرئيس الأمريكي بدور أكثر فعالية في مجال العلاقات الدولية والجغرافية السياسية وخصوصا الجمهوريين من رجال الكونجرس الأمريكي، ولعل العديد يتذكر موقف وزيرة خارجية أمريكا السابقة - هيلاري كلنتون - ووزير الدفاع السابق ورئيس هيئة الأركان في ذلك الوقت الذين كانوا يؤيدون تدخلا أمريكيا في سوريا، ولكن الرئيس الأمريكي وضع «فيتو» على ذلك القرار.
ومن المفيد الإشارة إلى أن مقال المجلة البريطانية يشير إلى أن هنالك فريقين حول الرئيس أوباما، فريق وزارة الخارجية الذي يؤيد أهمية مساعدة أمريكا بأسلحة نوعية لوقف إزهاق المزيد من الأرواح إلا أن هنالك فريقا آخر من وزارة الدفاع وبعض المستشارين يرون عدم إمكانية ذلك.. ويشير المقال كذلك إلى أن الرئيس أوباما يقوم بالتحليل الدقيق لكل خيار حتى درجة الإرهاق، وذلك قبل أن يصل إلى نتيجة أن عدم اتخاذ قرار هو الاتجاه السليم والأسلم.. وفي نهاية المقال يشير إلى أن العديد في أنحاء متفرقة من العالم سوف يسعدهم عدم قدرة أمريكا على ردع المعتدي ولكن أينما يكون هؤلاء فإنهم قد يكتشفون أنه من قد يحل محل النظام القديم أسوأ بكثير ويذكر كذلك في نهاية المقال أن قوة الولايات المتحدة قد لا تخيف بذات القدر في حالة عدم وجودها.
وخلاصة القول، إن مما لا شك فيه أن سياسة الردع في الوقت الراهن، قد ضعفت وانحسرت ولم تعد كما كانت لأسباب عديدة تم ذكرها في مقال اليوم وبالطبع فإن ذلك يفقد النظام العالمي إحدى آليات الحد من النزاع والصراعات المسلحة عن طريق الردع غير المسلح ومن خلال تملك بعض الدول العظمى قدرات عسكرية تدميرية هائلة.. وبالرغم من وجود تلك القدرات لدى العديد من الدول، فإنه مع مرور الوقت، والأحداث العالمية التي سادت العالم لعدة عقود مضت وتغير المزاج والفكر السياسي لبعض الدول العظمى فإن فعالية وتأثير سياسة الردع ليست كما كانت عليه.
وهنالك مقولة لرئيس أمريكي هو الرئيس ثيودور روزفلت الذي حكم من 1901 حتى 1909 ويعد الرئيس السادس والعشرين لأمريكا، الذي من خلال تلك المقولة رسم وحدد الأيدلوجية السياسية لسياسة أمريكا الخارجية خلال فترة حكمه، إذ قال «تكلم بهدوء واحمل عصا كبيرة.. ستذهب بعيدا».
18:53 | 2-06-2014

أمريكا .. مفترق الطرق

نحن نقرأ لكي نوسع مداركنا وكذلك للبحث عن حقائق معينة بحثية أو ذاتية، والبعض الآخر يعشق القراءة والتاريخ وكذلك ربما يكون ذلك لتقوية لغتنا سواء كانت العربية أم الأجنبية وربما كذلك نقرأ لكي نقتل الوقت ولكن بشكل مفيد وأحيانا أخرى للهروب من واقعنا، وأيضا نستفيد من المعرفة ونقلها للآخر وكذلك للاستفادة من تجارب الآخرين..
في العديد من مقالاتي السابقة تطرقت إلى التغيير العالمي الذي حدث ويحدث والذي وضعت أسسه وإطاره الجديد الولايات المتحدة الأمريكية..
فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى تحرير الكويت وتدخل الحلفاء في كابول ودخول القوات الأمريكية بغداد، لعبت أمريكا الدور الأساس والجوهري سياسيا وعسكريا في الشؤون الدولية، وكانت تأخذ زمام المبادرة وتسعى لتحقيق مصالحها سياسيا أو عن طريق التدخل العسكري، ولا أحد ينكر أبدا الدور الفاعل والمحوري الذي لعبته أمريكا في ترجيح كفة الحلفاء لكسب الحرب العالمية الثانية ودعم أوروبا لاحقا.. وقبيل الحرب العالمية الثانية، من جهة أخرى، ولفترات طويلة كانت أمريكا تنتهج سياسة العزلة السياسية وكان كل ما يهمها في ذلك الوقت هو الفناء الخلفي لها، أمريكا الجنوبية..
وكما أشرت، بعد الحرب الثانية أخذت أمريكا دور بريطانيا العظمى عالميا في تسيير شؤون العالم والتدخل عند الضرورة لتحقيق مصالحها ثم مصالح حلفائها في شتى بقاع العالم.
ولكن منذ أن تولى الرئيس أوباما رئاسة الولايات المتحدة، حدد نهجا جديدا لها في الشؤون الدولية وهو النأي بها عن النزاعات المسلحة وأن تكون لغة الحوار والتفاوض هي اللغة الدبلوماسية المعتمدة لأمريكا، ولعل العديد من الأحداث العالمية تؤكد ذلك وأسطعها سياسته تجاه سوريا ثم نهجه الحالي تجاه للأحداث في أوكرانيا..
ونعود لموضوع القراءة المفيدة، حيث أطلقت مؤخرا على مقال في مجلة الإكيوغست البريطانية - عدد الثالث مايو الحالي - ويتناول المقال أساس ما قدمت له في بداية هذا المقال عن التغير السياسي الأمريكي الراهن تجاه الأحداث العالمية.. وعنوان مقال المجلة البريطانية الغرب الذي يضعف وفي سبيل ماذا قد تقاتل أمريكا.
وفي البداية أود أن أشير إلى ملاحظتين، الأولى أن الكاتب لا يقصد من عنوان المقال اليوم أن أمريكا في سبيلها للضعف والعزلة، وليس هذا مقصد الكاتب حيث إن المقصود هنا هو التغير السياسي والفكري لها.. والملاحظة الثانية، أن كل من يلاحظ التطور الهائل الذي وصلت إليه الصين والهند وروسيا تقنيا وعسكريا مقارنة بالقوة الأمريكية، فلا يساورني شك بأن الولايات المتحدة هي الأقوى والأكثر تفوقا، علميا وتقنيا وعسكريا، وربما تكون في حالة ركود اقتصادي إلا أنها لا تزال تمثل العمود الفقري للاقتصاد العالمي.
وفي حقيقة الأمر وعن استقراء التاريخ المعاصر واستشراف الحاضر، أقول إنني أفضل العيش في عالم تتفوق فيه أمريكا دون أي دولة أخرى..
ونعود لموضوع مقال الإيكوغست والذي تتساءل فيه المجلة من الذي قد تحارب أمريكا من أجله، ومن أن هنالك شكوكا متكررة تؤدي إلى تآكل في النظام العالمي، وبالرغم من ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية تتجاهل ذلك.
ويذكر المقال بأن الرئيس الأمريكي أوباما كبل فكر الشعب الأمريكي حاليا وما يريده وهو البعد عن النزاعات المسلحة والدخول في حروب مدمرة وهو الأمر الذي يؤذي أمريكا بالدرجة الأولى، ومن أن هناك إحصائية للرأي العام عن مركز بيو للأبحاث تفيد بأن 52 % من الشعب الأمريكي يرغب أن تنأى أمريكا بنفسها عن أي تدخلات دولية.. وبالتالي فإنه من الملاحظ أنه حينما يتحدث الرئيس الأمريكي عن الحذر due Coution - فإنه يضع بذلك التساؤل مدى رغبة الولايات المتحدة في التدخل العسكري..
وهنالك مواقف متعددة ذكرها المقال عن تردد أمريكا خلال السنوات الماضية في الدخول في نزاعات منها تدخلها الفاترفي ليبيا ومالي ثم تراجعها الواضح في الشأن السوري جعل العديد من حلفاء أمريكا في المنطقة يتساءلون عن مدى إمكانية التصدي للأعداء وخصوصا بعد ما حدث في أوكرانيا.. ويتحدث المقال عن ما يدعى غرفة الصدى في السياسات العالمية EC HO -CHAMBER OF global Politics بمعنى أن الفكرة عندما تصدر وتتردد في غرفة السياسة العالمية تكتسب قوة، ويذكر المقال بأنه عندما سلمت أوكرانيا أسلحتها النووية، حصلت الأخيرة على وعد من روسيا وبريطانيا وأمريكا بأن حدودها ستظل آمنة وسليمة..
ويتذكر بعض الحلفاء من دول البلطيق العديد من الخطوط الحمراء التي تم تجاوزها في سوريا وبعضهم أيضا يلاحظ التكرار هذا المبني على الشكوك بين الأصدقاء والأعداء على حد سواء من أنه في ذلك اليوم الكبير ربما ببساطة أن لا تكون الولايات المتحدة راغبة في التدخل..
ويسترسل المقال متحدثا عن الردع والذي كان يمثل أحد أهم عناصر السياسات الخارجية بعيد الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة وفي سقوط الاتحاد السوفيتي فإن المقال يشير إلى أن هنالك دوما عنصر شك في سياسة الردع ومن أن عدم التدخل الحاسم في بعض الأحداث العالمية الخطرة والهامة فإن ذلك فيه مخاطرة في جعل العالم أكثر خطورة وسوءا، أضف إلى ذلك الأمر الذي قد يدفع ببعض الدول الإقليمية إلى محاولة السيطرة على جيرانها متعللة في سعي الصين للسيطرة على بعض المناطق في إطارها الجغرافي وكذلك ما فعلته روسيا في أوكرانيا وكذلك محاولة إيران بأن تصبح دولة نووية.. وهذا الأمر وتلك الأحداث قد تدفع الدول للتزود بمزيد من الأسلحة لأنه مقابل كل رئيس يستنكر ما حدث في روسيا فإن هنالك رئيس دولة في المقابل يحاول تقليد ما حدث في أوكرانيا..
ويستطرد المقال في الإضافة بأن مثل هذه السياسات المترددة للغرب في بعض مناطق النزاع الاستراتيجية قد تؤدي إلى دفع الأخيرة الغرب - الثمن غاليا لمثل هذه السياسات.. فعلى سبيل المثال وفي إطار العادات الدولية المألوفة INTER,L NORMS.. فإن حركة الملاحة الدولية ستضعف وستشعر العديد من الأغلبية في كثير من الدول بحرية أكبر لاستغلال الأقليات فيها وبشكل سيئ والتي بدورها ستهاجر وتهرب كما يحدث في كافة مناطق النزاع وأبرزها سوريا.. وكذلك فإن التجارة العامة الدولية، كحرية التبادل التجاري سيكون من الصعب استمرارها ولذلك فإن المعاهد الدولية ستضعف وتخبت.. كل هذا سيؤدي إلى خلل في التوازنات الدولية وسيؤدي بالتالي إلى إمكانية السيطرة لدولة على أخرى وهكذا.. ومما لاشك فيه أن كلمة سمو ولي العهد الأمير سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - خلال مؤتمر وزراء دفاع دول مجلس التعاون بحضور وزير الدفاع الأمريكي استشرفت العديد من مكامن الخطر عالميا.. وفي عالم اليوم حيث أشار سموه في كلمته إلى «أن التحديات الأمنية سواء كان مصدرها أزمات داخلية أو تطلعات غير مشروعة لبعض دول المنطقة لها تداعيات ليس على دول المجلس فحسب وإنما على الأمن والسلام الإقليمي والعالمي مما يجعل مسؤولية أمن الخليج ودوله مسؤولية مشتركة بين دول المجلس والمجتمع الدولي. ونخص بالذكر الولايات المتحدة الأمريكية نظرا للترابط الاقتصادي والأمني بينها وبين دول المجلس.. وشدد بأن المواقف الشجاعة هي دائما التي تحدد مسار التاريخ وتنقذ الأمم.. وشدد الأمير سلمان على أن التطورات الأمنية الجديدة في منطقتنا تتطلب صياغة سياسات ومواقف مشتركة تستجيب للتحديات الأمنية في مختلف أنواعها (و) الولايات المتحدة الأمريكية والتي نأمل أن تأخذ في حساب معادلاتها الأمنية والسياسية التطورات المتنامية لأمن الخليج ودوله، بما في ذلك مساعي بعض دول المنطقة لتغيير توازن القوى الإقليمي لصالحها وعلى حساب دول المنطقة..» وفي كلمة سمو ولي العهد حفظه الله هذه الشاملة العميقة الدلالة والمعاني، وبالرغم من أن سموه الكريم كان يتحدث بشكل أساسي عن دول مجلس التعاون فإنما كان سموه يقرأ ويستشرف ما يحدث في مناطق عديدة من العالم بكل بلاغة ودقة وخصوصا الفقرة أعلاه المؤشر دونها بخط.. وفي فقرة أخرى من فقرات مقال الإيكوغست، تشير إلى أن البعض يدافع عن قرارات الرئيس أوباما ومن أن أمريكا لا تستطيع بمفردها تحمل تبعات الحفاظ على النظام الدولي العام بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.. ومن جهة أخرى يرى المقال بأن الرئيس أوباما كسر القاعدة الأساسية العالمية الخاصة CARDINAL RULE .. بردع القوة العظمى ويجب على الدول العظمى المحافظة على كلمتها وعلى سبيل المثال فإن الرئيس الأمريكي كان قد رسم خطا أحمر للرئيس بشار في سوريا وأنه سيعاقب إذا استعمل الأسلحة الكيماوية ولكن الأسد استعملها ولم يفعل الرئيس أوباما شيئا..
وهذا هو المقصود به كسر قاعدة الردع الأساسية بقوة عظمى، ويستمر المقال في الإشارة إلى أن الرئيس الأمريكي وبسبب نهجه لتلك السياسات فإن مصداقية الولايات المتحدة مع أصدقائها قد قلت على حد قول المجلة... وفي ذات السياق.
وهنا لا بد أن نشير إلى كلمة وزير الدفاع الأمريكي تشك هيجل خلال مؤتمر وزراء دفاع دول مجلس التعاون والتي ذكرت الجميع بمواقف الولايات المتحدة الحاسمة والقوية تجاه قضايا العالم الخطيرة، والتي قد تؤثر في موازين القوى والاستقرار العالمي، ولقد أشار الوزير هجيل إلى «إن التزام بلاده بأمن واستقرار الخليج لا يتزعزع»... وأضاف «بلادنا لا تزال ملتزمة بقوة بالتعاون المشترك في مجال الدفاع مع دول المجلس».. وكذلك «أوضح وزير الدفاع الأمريكي أن التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة تحتاج لاستجابة جماعية لمنع أي تعد أو عدوان إرهابي وتحقيق الاستقرار الدائم...».
ويتحدث البعض من جهة أخرى وعبر بعض وسائل الإعلام من أن الولايات المتحدة الأمريكية قد بدأت تفقد عزمها، ولكننا على يقين من أن أمريكا القوة العظمى وستظل كذلك ولابد أن تعرف متى تستعمل هذه القوة كما كانت تفعل للدفاع عن الحريات والقضايا العادلة وكما فعلت خلال وبعد الحرب العالمية الثانية من الحفاظ على استقرار النظام الدولي العالمي وكذلك تدخلها في العديد من الأماكن للدفاع عن العدل والحرية كما فعلت في حرب تحرير الكويت..
وأختم مقال اليوم وأقول بأن من أهم مقومات نجاح فعالية الدول العظمى هي المصداقية والتواتر في اتخاذ القرارات التي تفيد وفي الوقت المناسب وكما يقال في علم الصحة العامة من أن درهم وقاية خير من قنطار علاج فإنه في أحيان كثيرة في إطار العلاقات الدولية وفترات الأزمات يكون الردع القوي الصادق في قوة المعركة ذاتها والأمثلة على ذلك عديدة في تاريخ العلاقات الدولية، ولذا سيكون مقالي القادم عن سياسة الردع بحول الله..
19:33 | 18-05-2014

إيران وإسرائيل.. تبادل المواقع...؟

قرأت خلال تواجدي خارج المملكة مؤخرا، مقالا في جريدة نيويورك تايمز الدولية -التي تغير اسمها مؤخرا من إنترناشيونال هارولد تريبون- إلى الاسم الجديد، في العدد الصادر في 12/13 أبريل مقالا مثيرا للاهتمام في موضوعه وكتابه، حيث لم يسبق لي الاطلاع على فكرة مماثلة تتناول إيران وإسرائيل بهذا المضمون والتحليل.
وموضوع المقال، هل إيران وإسرائيل يتبادلان المواقع أو الأماكن بقلم كل من عباس ميلاني، وإسرائيل وايزمل مانور.
ويبدأ الكاتبان بأنه بالرغم من أن كلا من إسرائيل وإيران في حالة حرب لعقود طويلة إلا أن كليهما لديه الكثير من القواسم المشتركة والتشابه.
وبداية يقول الكاتبان إن كليهما لديه تاريخ وحضارة قديمة وإنهما ليستا دولتين عربيتين في محيط عربي.
ويستطردان قائلين: إن كلا من الشاه السابق محمد رضا بهلوي وديفيد بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل الأسبق كانا من أكبر المدافعين والمعتنقين للعلمانية الوطنية SECULAR NATIOLOLISM والأول مارس التمدن السلطوي AUTHORITARIAN MODERNIZATION بينما طور الثاني وقدم الصهيونية اللادينية. وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 والتي اعتنقت الإسلام المتعصب وخبتت العلمانية السياسية في إيران، وقال كلا الكاتبين إن كلا من إيران وإسرائيل بدآ في الدخول إلى مرحلة تحول حاسمة في علاقاتهم بالخارج.
وكما نعلم فإن مجلس الأمن قد فرض عقوبات على إيران بهدف إيقاف برنامجها النووي ويشير المقال إلى أنه ولسنوات، فإن الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد بدأ تحامله ضد «الشيطان الأكبر» ومن جهة أخرى فإنه بالرغم من أن آية الله علي خامنئي لا يزال ضد محاولات الإصلاح إلا أنه من الظاهر أن البعض من المسؤولين داخل إيران قد أدركوا مؤخرا بأن استمرار سياسة التعنت والعدائية ستؤدي إلى مزيد من العقوبات والتي ستؤدي بدورها إلى نتائج اقتصادية كارثية.
وفي هذه المرحلة من المقال أود الإشارة إلى أن الكاتب يعتمد بشكل أساسي على هذا المقال كمصدر للتحليل ونقل الأفكار التي احتواها، حيث إن فكرة هذا المقال أصيلة، ولذا فإن الكاتب حين يقوم بالترجمة حينا والتصرف في الصياغة حينا آخر، فلا بد من الرجوع إلى مصدر المقال الذي وددت أن أشارك القارئ العربي في هذا الموضوع المثير للجدل وأهدافه ونتائجه.
ويشير الكاتبان إلى أنه عندما بدأت التغيرات تحدث في إيران بدأ الديمقراطيون العلمانيون في إسرائيل من جهة أخرى يفقدون قوتهم وتعددهم لصالح المتعصبين الدينيين وكذلك لليمين المتطرف الذي أصبح لا يتوانى عن مهاجمة ونقد الولايات المتحدة الأمريكية، الحليف الأساس لإسرائيل.
والأمثلة على ذلك النقد الإسرائيلي اللاذع، ذلك الذي تفوه به وزير الدفاع الإسرائيلي تجاه جون كيري وزير الخارجية الأمريكي وكذلك النقد الذي وجهه وزير الاقتصاد الإسرائيلي للسيد كيري على حد سواء. ويشير المقال إلى أن هناك قلقا متزايدا من قبل الديمقراطيين العلمانيين والمقصود هنا بكلمة علماني هو «لا ديني»، ومن أن هنالك تشابها غير مريح لم يحدث في إسرائيل وبما حدث في إيران في الماضي القريب.
ومرة ثانية يتحدث الكاتبان، بأن الذي مكن إيران من الاستمرار بسهولة ويسر وبقاء القيادة الحالية منذ قيام الثورة هي موارد الثروة البترولية، ولكن منذ سنوات قليلة بدأت العقوبات الدولية تضيق الخناق على الاقتصاد الإيراني وكافة مناحي حياة الشعب الإيراني..
ولقد أتت الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة بالرئيس روحاني والذي يطلق عليه بأنه رجل عملي PRAGMATIC عوضا عن الرئيس السابق أحمدي نجاد الذي كانت خطبه وتصريحاته تتسم بالعدائية اللفظية.
وكان الرئيس روحاني قد تعهد خلال حملته الانتخابية بإصلاح الاقتصاد الإيراني المتداعي وإعادة العلاقات مع الغرب.
ويضيف المقال أن المرأة في إيران أصبحت ومنذ فترة تحتل مكانا علميا في مجال الهندسة والعلوم بالإضافة إلى أن البعض منهن يعملن في أبحاث النشر ومجال الهندسة والعلوم بالإضافة إلى العمل في القطاع الخاص والمشاريع الخاصة. ويجب ألا يغيب عن الذهن، أن معظم القيادات التي تولت إدارة إيران منذ عهد الخوميني من رجال دين كبار السن ولكن الآن، يطالب العديد من المفكرين والمثقفين الإيرانيين والذين كانوا مع الحكومة الإيرانية ذات الاتجاه الديني، أصبحوا يطالبون بمزيد من الإصلاحات التي تماثل بعض الأنظمة الغربية.
وذكر الكاتبان، بأن حوالى الستين في المائة من الشعب الإيراني الآن هو دون سن الثلاثين، ومعظمهم ينادون بالحرية الفردية في المجتمع.
وفي ذات السياق، فإن آية الله علي خامنئي أشار في أحد اجتماعاته مع رجال الدين هناك -ووفق ذلك المقال- إلى أن أكبر ما يقلقه الآن هو الغزو الثقافي غير الإسلامي لبلاده.. وقياسا فإن العديد من الإيرانيين المعتدلين وبعض القيادات، وبحذر، أصبحوا ذوي ميول غربية ونهج عملي.. ومن جهة أخرى، نجد أنه في إسرائيل، أضحى العديد من المواطنين يبتعدون عن ذلك النهج.. وإذا كانت إسرائيل وخلال العقود السابقة قد شهدت تحولا من الصقور إلى الحمائم والعكس، حيث كان ذلك يعتمد على الأيدلوجية السياسية السائدة في تلك الأوقات تجاه الحرب أو السلام.
والذي يتحدث عنه كل من المؤلف ميلان ومانور من تحول جديد غير ذي سابقة في إسرائيل وهذا التحول ديني ومن خلال التركيبة السكانية الاجتماعية في إسرائيل ولأول مرة بهذا الشكل، ولذا فإن كليهما يرى أن هذا التحول هو تحول نوعي.. وبالرغم من أن الأحزاب الإسرائيلية الأرثوذكسية -بمعنى المحافظة دينيا- اليهودية ليست طرفا في الحكومة الحالية في اسرائيل الا ان الاحزاب اليمينية الاسرائيلية تحتل ما نسبته حوالى 25% من المقاعد لدى الكنيست الإسرائيلي، ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن الأحزاب الأرثوذكسية، في مجال التحول الديمغرافي الكبير في إسرائيل، كانت نسبة المواليد بها 6.2% طفل مقارنة بباقي شرائح الشعب الإسرائيلي بنسبة 2.6% طفل، الأمر الذي يرى فيه المؤلفان أن الأحزاب الأرثوذكسية قد اقتربت من تحقيق أهدافها من خلال الزيادة العددية وبالتالي زيادة التمثيل النيابي في الكنيست وبالتالي الأغلبية.
وبمقارنة نسبة المواليد في إيران مع إسرائيل، وجد الكاتبان أن نسبة المواليد في إيران في هبوط.. والذي قد يفرز الاستنتاج بأن التوجه أصبح ينحو نحو دولة علمانية لا دينية في إيران!.
ويستنتج الكاتبان أيضا أن إسرائيل، على الصعيد السياسي، إذا استمر بها هذا التحول واستمرارها في بناء المستوطنات من جهة وعدم المضي في التفاوض الجدلي مع الفلسطينيين نحو الحل الشامل فإن النتيجة الحتمية ستكون وخيمة على إسرائيل وليس ذلك بسبب تطوير إيران لقدراتها النووية بل بسبب العقوبات التي سوف تفرض على إسرائيل، والعزلة التي وضعت نفسها بها، حيث إن هنالك ومنذ زمن اهتماما متناميا لحقوق الإنسان في الدول الغربية وأمريكا ومن أن خرق حقوق الإنسان ومنها الاحتلال يعد خرقا للعادات والقيم الغربية.. لدرجة أن بعض الأمريكيين من ذوي الديانة اليهودية أشاروا إلى أن هنالك قلقا وشدا جوهريا بين قيمهم الليبرالية وبين السياسات الإسرائيلية الحالية، أضف إلى ذلك فإن فناء الجيل القديم من اليهود الأمريكيين وزيادة التزاوج بين الأديان المختلفة في أمريكا يعني بأن اللوبي الإسرائيلي المؤيد لإسرائيل في أمريكا لن يكون بذات الحجم السابق ولن يبقى موحدا كما كان في السابق.
ومن الجدير ذكره هنا في نهاية مقال اليوم، وكما ورد في مقال البحث هنا، أن العديد من رؤساء أمريكا بدءا من ليندون جونسون، (وكاتب المقال يعتقد أنه ومنذ عهد الرئيس هاري ترومان) وحتى عهد الرئيس أوباما، قد أعلنوا مرارا وتكرارا، بأن التزام الولايات المتحدة تجاه إسرائيل منبثق من المصالح الاستراتيجية بينهما وكذلك مشاركتهم في نفس القيم.. ويزيد الكاتبان هنا من أنه بعد جيل أو أكثر لن تبقى سوى المصالح!! بمعنى أن القيم المشتركة بين كل من إسرائيل وأمريكا بدأت مع مرور الزمن والاختلاف الأيدلوجي والديمغرافي، قد بدأت تنمحي وتتحلل.
وبالانتقال إلى البعد الإيراني، يشير المقال إلى أن هنالك أكثر من خمسة إلى سبعة ملايين إيراني يعيشون في المنفى وأن إنجازاتهم الثقافية والعلمية والأكاديمية أصبحت معروفة في أمريكا الآن وأضحوا يركزون أنفسهم بشكل كبير في المجتمع الأمريكي، ويضيف بأنه كما ساعد يهود الشتات DIASPORA دولة إسرائيل في النهوض والنمو والتصنيع، فإن ايرانيي الشتات أيضا سوف يساعدون يوما إيران ويقومون بنفس الدور.. وإذا ما فشل المعتدلون في إيران في دفع البلاد نحو الإصلاح من جهة وإذا فشلت إسرائيل من جهة أخرى كدولة علمانية في كبح التحول من الديمقراطية العلمانية نحو THEOCRACY -حكومة دينية- فإن كليهما -إيران وإسرائيل- ستجدان نفسيهما وبشكل متزايد تحققان نبوءتهما الحتمية.
وبنهاية هذا المقال فإن الكاتب يسرد بعض النتائج والاستنتاجات كالتالي:
1- من المثير للاهتمام أن هذا المقال قام بتأليفه كاتب إيراني، كما يبدو من اسمه، وكاتب إسرائيل وكلاهما يدرس في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا بأمريكا ولا بد أن أشير إلى أن توقيت كتابة هذا المقال لا يخلو من التساؤل..
2- مهما حدث من إصلاحات في إيران فإن وجود المرشد الأعلى والحرس الثوري سيحول دون حدوث أي تغيير جوهري في سياسات وتوجهات إيران وقد يكون ما تقوم به إيران حاليا هو مجرد «مساحيق» للتجميل ولكن يبقى الأساس في إيران وفق ما خطه ووضعه آية الله خوميني..
3- وأما فيما يتعلق بإسرائيل ومن أن الجهة المسيطرة على مجرى الأحداث في إسرائيل هم المتطرفون الدينيون واليمين المتطرف فهذا صحيح... وسيستمر لردح من الزمن، الأمر الذي سيحول دون حدوث افتراق اسكاني بالمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، ومن جهة أخرى سيزيد أيضا من احتمالات نزاع مسلح بين إسرائيل وإيران.
4- يجب على الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية أن تدرك أن كلا من إسرائيل وإيران تتماثلان في عدم الرغبة في إصلاح الوضع الراهن، وكلاهما بسبب الأيدلوجية الدينية لهما ومن أن التعصب سواء أكان سياسيا أم دينيا لن يؤدي إلى نتائج عقلانية ترضي جميع الأطراف.
5- مما لا شك فيه أن كاتبي المقال تناولا موضوعا جديد المنحى والتحليل والاستنتاج، وبحسب علمي هي رؤية متعمقة في الشأن الإسرائيلي والإيراني ولعل كون كل منهما ينتمي إلى كل من إيران وإسرائيل، مع وجود الخلفية الأكاديمية والرؤية لواقع الأمور في كلا البلدين وكذلك البعد التاريخي والسياسي، أعطى هذا المقال قدرا كبيرا من الجدية، الأمر الذي دفعني أن أكتب عنه وأشارك القارئ في معلومات هذا المقال الهام..
6- وأخيرا أتذكر بأنني كنت قد كلفت بمرافقة رئيس وزراء إحدى الدول الآسيوية وكنت بجواره في الطائرة وأتى الحديث عن إيران، وقال لي بأنه لا يوجد في العالم دولة تماثل إيران، فقلت كيف؟ قال إيران هي الدولة الوحيدة التي بها حكومتان، وجيشان وسلاحا طيران وبحرية وجيش تقليدي وجيش ثوري والاستخبارات كذلك وكافة مناحي الحياة في إيران..!
18:46 | 12-05-2014

«الناتو» .. عائد من التاريخ

أتناول اليوم بالبحث موضوع حلف شمال الأطلسي وما يعرف اختصارا بـ«الناتو»، تاريخه، سبب تكوينه، عدد الأعضاء وزيادتهم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ثم مدى فعاليته بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة التي أضحى بعدها أحادي القوة؛ الولايات المتحدة الأمريكية..
ولعل المنصف يدرك بأن الحلف قام بجهد فاعل خلال حربي الصرب والبوسنة ولا شك أن السلاح الجوي الأمريكي مع سلاح الناتو كان له الدور الفاعل في إنهاء مجازر الإبادة في ذلك الوقت.
وكذلك لعبت قوات الناتو دورا فاعلا في ليبيا ودمرت قوات القذافي.. ومرة أخرى كان للسلاح الجوي الأمريكي من خلال قوات الناتو الدور الأساسي، يليه دور قوات السلاح الجوي الفرنسي في منع تقدم قوات القذافي نحو بنغازي ومنع حدوث مجزرة هناك ودحر تقدم قوات القذافي وباقي الأحداث معلومة لدى القارئ..
ومما لا شك فيه أن الأحداث التي أدت إلى نشوء حلف الأطلسي كانت بعيد الحرب العالمية الثانية، وبعد ضم الاتحاد السوفيتي العديد من دول أوروبا الشرقية في فلكه، فكان يتعين على الغرب إعداد جبهة قادرة على الردع والهجوم لمنع الاتحاد السوفيتي من الانتشار غربا..
وكما أشرت بعد انتهاء الحرب الباردة والردع والردع المضاد من قبل الدول العظمى الأخرى، بدت جدوى وفعالية حلف الناتو محل نظر.. ولكن مؤخرا وبعد أحداث أوكرانيا وضم القرم من قبل روسيا الاتحادية، أعادت هذه الحادثة الحياة إلى حلف الناتو..
ومن المفيد العودة إلى أسباب نشوء الحلف وتاريخه وكما ورد في بعض المصادر الغربية هو حلف عسكري مكون من عدة دول بناء على المعاهدة التي وقعت بينهم في الرابع من أبريل عام 1949. وتتكون هيكلية الحلف من نظام دفاعي جماعي والذي وافق فيه الأعضاء على التصدي لأي هجوم على إحدى الدول من طرف خارجي ويتألف الحلف من 28 دولة في أوروبا وشمال أمريكا ومن الأعضاء الذين انضموا حديثا للحلف ألبانيا وكرواتيا في عام 2009. ويعد الأعضاء المؤسسون للحلف 12 دولة عضوا، وثلاث منها لديها قدرات نووية وهي أمريكا وفرنسا وإنجلترا، وذكرت بعض المصادر أن إجمالي الإنفاق الحربي العسكري للدول الأعضاء في حلف الناتو يوازي 70% من إجمالي الإنفاق العسكري الدفاعي...
وبعد انهيار حلف وارسو الذي أنشئ في العام 1955 بكل من الاتحاد السوفيتي والدول المرتبطة به، ساورت الشكوك بعض الدول وكذلك الدارسين الأكاديميين عن جدوى وجدية حلف الناتو وبالرغم من ذلك استمر الحلف في الوجود، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاتحاد الأوروبي في ديسمبر عام 2002 عقد العديد من الاتفاقيات مع حلف الناتو من خلال مجموعة Berlin Plus agreement والذي خول للاتحاد الأوروبي الحق في استعمال إمكانات حلف الناتو في حال ما قررت دولة من دول الاتحاد الأوروبي التصدي بمفردها لأي تهديد محتمل وكان ذلك الحق مشروطا بأن لا يكون لدى حلف الناتو الرغبة في التدخل وهذا ما أطلق عليه «الحق الأول للرفض»..
ومرة أخرى نعود إلى بداية حلف الناتو الذي تكون من خلال التوقيع على معاهدة تكوينه في أبريل عام 1949 في واشنطن دي سي والذي صوتت عليه الولايات المتحدة لاحقا في أغسطس من ذات العام!. وكما أشرت كان الدافع الأساسي لإنشاء هذا الحلف هو نتائج الحرب العالمية الثانية وظهور الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى، الأمر الذي دعا أوروبا وأمريكا لتكوين ذلك الحلف لدرء خطر القوة العسكرية العاتية لروسيا في ذلك الوقت ووقف ضم دول أخرى من شرق أوروبا لفلك الاتحاد السوفيتي وكذلك لمنع ظهور المد القومي العدائي من الظهور مرة أخرى في أوروبا كما حدث في ألمانيا من قبل هتلر..
وفي عام 1991 بعد حل حلف وارسو الذي أزاح بشكل واقعي العدو الأول لحلف الناتو، وهو الأمر الذي دفع حلف شمال الأطلسي لإعادة تقييم استراتيجيته وأهدافه مع التركيز على القارة الأوروبية، الأمر الذي أدى إلى توقيع اتفاقية حول الأسلحة التقليدية في باريس بين حلف الناتو والاتحاد السوفيتي والتي ألزمت تخفيضا عسكريا وفي الأسحلة في كافة القارة الأوروبية والذي استمر حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في ديسمبر من عام 1991، الأمر الذي أدى إلى خفض الإنفاق العسكري في أوروبا للدول الأعضاء في الناتو من 34% حتى وصل في عام 2012 إلى 21% والمصدر هنا هو مجلة الايكونوست في مقال بعنوان مستقبل الناتو، توقيت سيئ في 31 من مارس 2012.
وعند هذا الحد من مقال اليوم أود الإشارة إلى أن الهدف الأساسي ليس فقط الحديث عن حلف الناتو، من حيث التكوين والأسباب، ولكن أيضا وبشكل واضح عن جدوى استمرارية هذا الحلف بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء حقبة الحرب الباردة.. وأقول كذلك إنه في فترات وحقب من التاريخ يكون لزاما على بعض من الدول القادرة - بمشيئة الله - على إحداث تغيير حقيقي في سير الأحداث عالميا وإرساء قواعد أساسية لما يجب أن يكون عليه عالم الأمس واليوم.. وللحق والتاريخ، فلقد كان ذلك قدر الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، في القيام بهذا الدور المحوري الجوهري الأساسي في سير الأحداث.
وأود أن أشير في هذه الجزئية من مقال اليوم إلى أن الحرب العالمية الثانية استمرت لوقت طويل من الزمن في مد وجزر بين الحلفاء ودول المحور وتكبدت دول أوروبا وغيرها خسائر فادحة في البني الأساسية - المدن - والأرواح والاقتصاد والعتاد العسكري.. ولكن لم يحدث التغيير الحقيقي في سير المعارك في الحرب الثانية إلا بعد هجوم اليابان على «بيرهار» في عام 1941 وبالتالي إعلان أمريكا الحرب على دول المحور ودخولها الحرب الثانية بكل قوتها.. وبدأت كفة الحلفاء ترجح وكان مقدرا بالرغم من ذلك استمرار الحرب الثانية لولا استعمال أمريكا لقدراتها الذرية لأول مرة في التاريخ، الأمر الذي أعطى عنصرا واقعيا ونفسيا لدى القدرة العسكرية الأمريكية وبالتالي انتهت الحرب، وبعد انتهاء الحرب الثانية - وبكل تجرد - لعبت الولايات المتحدة دورا حاسما اقتصاديا وعسكريا في إعادة وتعمير أوروبا، وكذلك حالت دون وقوع كل من تركيا واليونان في براثن الاتحاد السوفيتي والذي كان وشيكا خصوصا بالنسبة لليونان في ذلك الوقت.
وفي ذات السياق في مارس من عام 1947، بعيد الحرب الثانية أطلق الرئيس الأمريكي هاري ترومان في خطاب، عقيدة سياسية عسكرية أمريكية جديدة عرفت باسم «عقيدة ترومان» the truman doctorine والذي أشار إلى أن الولايات المتحدة ستدعم كلا من اليونان وتركيا من خلال مساعدات عسكرية واقتصادية - دون إرسال قوات أمريكية - حتى تمنع وقوع كل منهما في فلك الاتحاد السوفيتي ونفوذه.. ولقد اعتبر بعض المؤرخين أن التاريخ السالف ذكره كان بداية الحرب الباردة من جهة وكذلك بدء سياسة الاحتواء containment من قبل أمريكا والاتحاد السوفيتي من جهة أخرى... وأعطى الرئيس ترومان حينذاك وعدا بأنه سوف يكافح المد والنفوذ الشيوعي في أوروبا وأي مكان آخر، وأصبحت عقيدة «ترومان» هي الأساس للسياسة الخارجية الأمريكية للرئيس ترومان في تلك الحقبة ووضع الولايات المتحدة في دور الأساس عالميا.. ولقد كان السوق الأمريكي لتركيا واليونان الدور الفاعل في إنقاذهما من الانهيار الاقتصادي والسياسي، ومن الجدير ذكره هنا أن كلا من تركيا واليونان أصبحتا أعضاء في حلف الناتو..
وأصبح مبدأ أو عقيدة ترومان في ذلك الأساس الذي اعتمدت عليه أمريكا خلال حقبة الحرب الباردة في أوروبا والعالم وغيرت سياستها تجاه الاتحاد السوفيتي من سياسة تقليل الأزمات والسياسة الهادئة إلى سياسة احتواء نفوذ الاتحاد السوفيتي والحد من التوسع السوفيتي عالميا.
وهنا نشير إلى بعض المصادر التي استمد منها الكاتب بعض المعلومات وهي الرسالة الخاصة إلى الكونجرس بخصوص اليونان وتركيا: عقيدة ترومان، مكتبة ترومان، الأوراق العامة 12 مارس 1947 - وكذلك كتاب دينيس مييريل بعنوان عقيدة ترومان: الاعتدال واحتواء الشيوعية، الدراسات الرئاسية الفصلية مارس 2006 الجزء (1) 326 الصفحات 27 - 37..
وبشكل متواز وفي ذات السياق قامت الولايات المتحدة بمبادرة منها إطلاق برنامج إعادة إعمار أوروبا والذي عرف باسم خطة مارشال - على اسم وزير خارجية أمريكا في ذلك الوقت - وذلك للمساعدة في إعادة بناء أوروبا واقتصاديات دولها بعد الحرب الثانية وكان الدافع الأساسي هو منع انتشار الشيوعية في تلك الدول وما قد يستتبع ذلك من نتائج خطيرة..
ولقد بدأت «خطة مارشال» بالفعل في أبريل من عام 1948 واستمرت لمدة أربع سنوات وكان الهدف كما ذكرت هو إعادة إعمار أوروبا التي دمرتها الحرب وإعادة اقتصاديات دولها وتطوير قدراتها الصناعية.
ومن الجدير ذكره هنا أن المهندسين والمخططين لخطة مارشال
لإعادة إعمار أوروبا هم بعض السياسيين الأمريكيين، منهم ويليام كلتون وجورج كانون وبمساعدة أساسية من معهد بروكنجز الذي كان أول مؤسسات التفكير في أمريكا، وبالفعل أدت خطة مارشال الهدف الذي نفذت من أجله ووقفت أوروبا على أقدامها مرة ثانية..
ومن المصادر التي اعتمد عليها كاتب المقال هنا هو معهد بروكنجز: دور بروكنجز في خطة مارشال..
وأعود مرة أخرى وأشير إلى أنه إذا قدر لدولة من الدول أو فرد أو رئيس دولة من القيام بعمل حيوي وجوهري ومحوري في حقبة من حقب التاريخ وكان أهلا لذلك ولديه الإرادة والدراية والمعرفة والقدرة فذلك يعتبر حكما قياديا وهذا ما تحقق من كل من عقيدة «ترومان» وخطة مارشال تجاه أوروبا.. وبالطبع قد يتساءل القارئ ويقول إن مساعدة أمريكا لأوروبا كانت لمصلحة أساسية لها.. ولم لا فإن السياسات مصالح وحسابات والمهم آلية التنفيذ والقدرة.. والهدف المتحقق والذي بسببه أضحت أوروبا الآن ومنذ الحرب الثانية الحليف الأقوى لأمريكا..
وقبل أن نصل لختام مقال اليوم نشير بإيجاز إلى عدد التدخلات التي قام بها حلف الناتو من خلال العمليات العسكرية بغية الوصول إلى استنتاجات مقال اليوم.. وكان أول تدخل لحلف الناتو هو عام 1991 بعد الغزو العراقي للكويت ثم تدخل الثاني في بوسينا وهرزوجفينيا والذي كان تدخلا فاعلا وأنقذ الأرواح وأوقف الإبادة الجماعية هناك.. ثم التدخل الثالث في كوسوفا عام 1999 والذي تم فيه التصدي للهجوم الصربي الغاشم ضد المدنيين الألبان في كوسوفا.. ورابع تدخل عندما أرسل حلف الناتو عام 2004 بعثة تدريب للعراق للمساعدة في تدريب القوات العراقية بالتعاون مع الولايات المتحدة.
ثم تلا ذلك تدخل الحلفاء في خطة مكافحة القرصنة في خليج عدن تحت مسمى «عملية درع المحيط» عام 2010.. ثم التدخل السابق لذلك بإرسال الحلف بوارج حربية لتأسيس خط البحرية الدولية في تلك المنطقة وأخيرا تدخل حلف الناتو في ليبيا عام 2011 خلال الحرب الأهلية الليبية والتي كانت فاعلة في إنهاء حالة الحرب لصالح الشعب الليبي وأود في نهاية مقال اليوم الخلوص إلى النتائج التالية:
1- أن إنشاء حلف الناتو عام 1948 كان هاما وحيويا للحفاظ على التوازن الإقليمي والجغرافي العالمي، خصوصا في أوروبا، حيث لعب الحلف دور رادع أساسي في الحفاظ على الوضع الراهن في أوروبا.
2- إن تدخلات حلف الناتو في بعض الأماكن في العالم كانت فاعلة وساعدت على إنهاء النزاعات في تلك الدول.
3- لا شك أنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتوقيعه العديد من اتفاقيات الحد من الأسلحة غير التقليدية، فقد حلف الناتو بعضا من بريقه وجدواه وشكك البعض في جدواه..
4- ومن جهة أخرى، فإن النزاعات المسلحة التي تحدث في مناطق عديدة من العالم ولها تأثير على السلام العالمي وحماية المصالح ما زالت تجعل وجود الحلف واستمراره أمرا ضروريا..
5- إن قيام روسيا الاتحادية بالتحرك تجاه أوكرانيا وضم إقليم القرم والتحركات العسكرية المتتالية، قد أعادت الكثير من فعالية وجدوى وجود حلف الناتو، ولكن علينا أن ننوه هنا أنه لا عودة إلى ما كان خلال حقبة الحرب الباردة.
6- بوجود العديد من بؤر الإرهاب الدولية والتي أصبحت تملك موطئ قدم جغرافي في العديد من الدول، فإن وجود حلف الناتو يصبح ذا أهمية وضرورة ليس فقط لأوروبا ولكن للسلام والأمن العالميين.
7- وكما سبق وأن أشرت في مقال سابق عن العقوبات الدولية، فإن الاتجاه السياسي الفعلي الحالي ينحو نحو حل النزاعات عن طريق الحوار والتفاوض لا الحرب وأعتقد أن هذا ما سيحدث تجاه أحداث أوكرانيا أو على الأقل الحفاظ على الوضع الراهن إلا إذا حدث تدخل عسكري جوهري من قبل روسيا الاتحادية.

19:52 | 6-04-2014

العقوبات الدولية.. تاريخها وجدواها

نقصد هنا بالعقوبات الدولية ــ SANCTIONS ــ وكما يعرفهُّا القانون، هي جزاءات أو طرق أخرى من طرق الإجبار وتستعمل لكي توفر الحوافز لإقامة القانون، أو مجموعة اللوائح، للعقوبات الدولية.. وموضوع مقال اليوم عن تلك العقوبات الدولية، التعريفات، الأنواع، الأمثلة ومدى فعاليتها، وبالطبع فإن أهم أنواع العقوبات الدولية هي الاقتصادية.
ومن الملاحظ أن ظاهرة العقوبات الدولية هذه قد زادت خلال الجزء الثاني من القرن الماضي وما زالت مستمرة وأصبحت أداة من أدوات السياسة الخارجية للدول ــ خصوصاً الدول الكبرى ــ وذلك من خلال العقوبات الفردية أو تلك التي تفرض من خلال الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
ويعرف قاموس أكسفورد العقوبات بأنها عقوبة تهديدية لمن يخالف ولا يطيع القانون أو أيا من قواعده، وهو إجراء يتخذ من قبل دولة (أو عدة دول) لإجبار دولة أخرى على الالتزام باتفاق دولي أو الالتزام بسلوكيات العرف وعلى وجه الخصوص تلك الجزاءات التي تطبق في مجال التجارة أو تلك التي تخص الحرمان من المشاركة في أحداث رياضية عالمية.
وعادة ما تكون العقوبات الدولية إجراء تتخذه دولة أو عدة دول لأسباب سياسية بشكل جماعي أو فردي.
وهناك العديد من فئات العقوبات الدولية وأشكالها، فمنها العقوبات الدبلوماسية وهي التي تتمثل في فتح العلاقات بين الدول أو إنقاص درجة التمثيل..
وكذلك هنالك العقوبات الحربية على هيئة التدخل الحربي، أما الفئة الثالثة هي العقوبات الرياضية والتي قد تمنع دولة وفرقها الرياضية من المشاركة أو المنافسة في حدث دولي. والنوع الأخير من العقوبات الدولية هي العقوبات الاقتصادية والتي قد تكون على هيئة حظر على التجارة وقد تشمل حظر أنواع معينة من الأسلحة أو الطعام أو الأدوية أو المواد الخام.. وبالطبع فإن المجتمع الدولي وكذلك الدولة التي تسعى إلى فرض العقوبة من خلال الأمم المتحدة أو مجلس الأمن وكذلك من خلال الاتحاد الأوربي عادة ما تكون لأسباب مختلفة أو غاية تهدف لعقوبة دولة من الدول من قبل مجموعة من الدول على حد سواء...
ونجد هنالك عقوبات دولية وتطبق بغرض التعاون والالتزام بقواعد القانون الدولي والمثال الواضح هي العقوبات التي فرضت على العراق بموجب القرار رقم 661 في السادس من أغسطس عام 1990 بعد غزو العراق للكويت.
وفي ذات السياق فرضت الأمم المتحدة قرارين رقم 665 و 670 بهدف فرض حظر جوي وبحري على العراق، وبالطبع كان الهدف الأساسي من تلك العقوبات هو إجبار العراق على احترام سيادة دولة الكويت والانسحاب منها..
وكذلك نجد أن بعض العقوبات الدولية تطبق بهدف احتواء وإبطال أي تهديد للسلام في منطقة إقليمية معينة.. والمثال الواضح على ذلك هو قرار مجلس الأمن رقم 1929 بسبب سياسة إيران التوسعية في مجال الطاقة النووية العسكرية الحربية ولقد احتوى ذلك القرار على فرض حظر على الصواريخ وأي أسلحة (أو مواد) قد تساعد على صنع أسلحة دمار شامل، ولقد كان الهدف من هذا القرار هو كبح إيران من أي عدوان محتمل على دول الجوار. ولعلنا نقول هنا كافة العقوبات الدولية والتي تصدر هي من اختصاص مجلس الأمن.
وأما الفئة الثالثة من العقوبات الدولية هي تلك التي تتعلق بإدانة مجلس الأمن لأحداث ذات سياسة معينة لدولة عضو في الأمم المتحدة وحتى تلك الدول التي ليست عضوا. وعندما أعلنت روديسيا الاستقلال في 11 نوفمبر 1965، صوتت الأمم المتحدة بتأييد 107 ضد اثنين لإدانة روديسيا على كافة الأمور العسكرية والاقتصادية وكذلك على كافة المواد البترولية لتلك الدولة...
وجدير بالذكر هنا أن فئات العقوبات الثلاث السابقة الذكر وغيرها من العقوبات التي تطبق ضد دولة أو عدة دول، كعقوبات دولية لا يمكن أن نستنتج أسباب التصويت من قبل تلك الدول على هذه العقوبات ونقول هل كافة الدول لديها نفس القناعة السياسية أم لأسباب أخرى... ولا بد لي من الإشارة هنا إلى بعض المصادر التي استندت إليها لبعض المعلومات الكاشفة والتاريخية والتعريفية عن العقوبات الدولية، ومنها كتاب هل يتعين على العقوبات أن تعمل، سياسات ونشوء وتطبيق العقوبات من خلال الأمم المتحدة، للكاتبين شيسترمان وبولينجي، وكذلك بحث العقوبات غير القسرية في ميثاق الأمم المتحدة للمؤلف كونفورتي نشر في جورنال أوربا للقانون الدولي عام 1991.
ولعل القارئ في هذه المرحلة من موضوع اليوم، يصل إلى نفس الاستنتاج من أن العقوبات الدولية أضحت أحد أذرع تنفيذ السياسات الخارجية للعديد من الدول وخصوصاً الدول الكبرى كبديل عن الدخول في النزاعات المسلحة.
ومن أبرز العقوبات الاقتصادية الآنية هي تلك التي تطبق حالياً تجاه روسيا الاتحادية، من قبل أمريكا والاتحاد الأوربي والتي تعد من أهم مراحل تطبيق الجزاءات الدولية والتي تثبت لنا وللعالم من أننا نعيش الآن في عصر متغير غير ما سبق... وبعودة سريعة إلى تاريخ القرن الماضي والذي سبق وإن أشرت إليه في مقال سابق من أن أحداث التاريخ تعيد نفسها وتتكرر، فإن ضم القرم إلى روسيا في أوربا يعيد إلى الأذهان تاريخ دخول ألمانيا، خلال حكم هتلر، للعديد من دول أوربا وكان دخوله إلى بولندا وغزوها الشعلة التي أشعلت الحرب العالمية الثانية، وربما تكون آلية الضم هنا تختلف، ففي حالة ألمانيا تجاه بولندا كانت من خلال الغزو العسكري وأما في حالة القرم وروسيا الاتحادية، استعمال السياسة القوة الناعمة الداعمة بالقوات المسلحة الروسية وبالطبع حتما أشير إلى الأحداث لا الأشخاص وكانت العقوبات الاقتصادية وغيرها وكذلك العسكرية كانت ــ منع تصدير السلاح لروسيا ــ وخصوصاً إيقاف صفقة الغواصات الفرنسية لروسيا... ولقد استبعدت أمريكا اللجوء إلى حل عسكري في القرم وستطبق والاتحاد الأوربي سلسلة من العقوبات بكافة أنواعها الاقتصادية، والمالية وتصدير السلاح لروسيا وكذلك عقوبات مالية وحتى ما يمكن أن نطلق عليه حجب التأشيرات تجاه روسيا ومسئوليها...
وبالطبع، نحمد الله، أن المزاج العالمي السياسي قد تغير من التصادم والنزاع المسلح الفوري تجاه الأحداث الكبرى، ولكن من جهة أخرى هل ستكون العقوبات التي تطبق ضد روسيا ذات أمر خطير ومؤثر عليها؟
ومثال آخر للعقوبات الدولية التي فرضت على بعض الدول هو موضوع النشاط النووي الإيراني تخصيب اليورانيوم والذي تلاه فرض العديد من العقوبات ومنذ سنوات على إيران وهو من الأمثلة الحية على مبدأ فرض العقوبات حيث طبقت على إيران عقوبات اقتصادية ومالية ومنع تصدير السلاح لها وكذلك أي مواد قد تسهم في زيادة قدراتها الحربية ولعدة سنوات، ولكن لكي أدلَّل على تغير المزاج العالمي السياسي في الوقت الراهن عما كان عليه خلال القرن الماضي سواء أحداث الحرب العالمية الأولى والتي أشعلت الحرب العالمية الثانية، فإن التوجه من قبل الدول الكبرى هو تجاه الحوار والتفاوض وفرض العقوبات الدولية بشتى أنواعها ستكون آلية ودبلوماسية العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين والعلم عند العليم.
وكذلك من الأمثلة المزمنة للعقوبات الاقتصادية هي تلك التي تطبق ضد كوريا الشمالية منذ الحرب الكورية وتتعدد أسباب تطبيق العقوبات التي قد تكون لأسباب تتعلق بالتجارة بين الدول أو بسبب سوء السلوك الإنساني تجاه مواطني بعض الدول تجاه مواطنيها أو بسبب الاعتداء المسلح ضد الدول وغيرها.. وكذلك قد يكون الهدف الأساسي من تطبيق العقوبات هو محاولة تغير النظام في إحدى الدول ولكن من جهة أخرى فإن فعالية ذلك بالتحديد كانت وستظل محدودة لتحقيق هذا الهدف بالذات.
ولعل القارئ يدرك مدى نوعية العقوبات الاقتصادية والمالية والبنكية وحظر تصدير الأسلحة والتقنية التي طبقت على إيران والتي لم تثن الأخيرة عن عزمها في الاستمرار نحو تطوير قدراتها النووية، ومما لا شك فيه أن الوضع الاقتصادي الإيراني قد تأثر ولذلك تضرر المواطنون من تلك العقوبات بشكل كبير والتي استمرت فترة من الزمن ولكن لم تحقق الهدف الأساسي الذي طبقت من أجله.. والكاتب عندما تناول بالسرد آلية ومدى فعالية العقوبات الاقتصادية في الصفحات القليلة السابقة، اعتمد على بعض المعلومات من كتاب المؤلفة ليزامارتن تحت عنوان التعاون القسري، توضيح العقوبات المتعددة الأطراف والذي نشر من قبل جامعة برنستون عام 1992... وكذلك البحث الذي تم نشره من قبل جاري كلايد هوفبور، وجفري سكوت، وكمبيرلي آن إليوت عن العقوبات الاقتصادية، وإعادة النظر فيها بمعهد الاقتصاديات الدولية في واشنطن دي. سي. عام 1990... وهنالك العديد من سوابق العقوبات الاقتصادية وربما من أقدمها والذي مرت عليه سنوات طويلة هو الحظر الاقتصادي المفروض من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على كوبا.. وكذلك من العقوبات الاقتصادية الطويلة تلك التي فرضت على كوريا الشمالية منذ الحرب الكورية والتي تم التطليف من حدتها خلال حكم الرئيس بيل كلينتون ولكن في عام 2010 تم تقوية فعالية تلك العقوبات على كوريا الشمالية وما زالت.
ومثال آخر يتعلق بالتجارة العالمية بين الدول ونذكر أن أمريكا فرضت عام 2002 تعرفة حمائية ضد الحديد المستورد من خارج أمريكا ــ كعقوبة اقتصادية ــ وعلى وجه الخصوص على صناعة الحديد في كل من روسيا والصين ولكن منظمة التجارة العالمية سرعان ما أقرت بأن مثل هذه التعرفة الحمائية غير قانونية.
بالطبع هذا المثال يتناول نوعا من أنواع العقوبات الاقتصادية، ذات الطابع التجاري والتي تختلف عن العقوبات الاقتصادية ذات الطابع السياسي ونسوقها من باب العلم.
وكذلك سبق أن فرضت الأمم المتحدة عقوبات من قبل مجلس الأمن تمثل في قراره رقم 1267 في عام 1999 ضد تنظيم القاعدة الإرهابي وطالبان وكان الهدف الأساسي من تلك العقوبات هو قائمة أعدت بأسماء أشخاص في شتى قطاع العالم ذات الصلة والتي كان يتعين على بنوك العالم والدول الاقتصادية في الأمم المتحدة تجميد حساباتهم وغيرها من الأمور المالية. وبإيجاز من ما سبق في مقال اليوم عن العقوبات الاقتصادية، والعقوبات الدولية بأنواعها نلحظ ما يلي:
1 ــ إن فعالية تلك العقوبات ليست بالدرجة التي يمكن أن يتصورها البعض وتظل فعاليتها محدودة، وإن كان ذلك لا يمنع من تأثر اقتصاديات الدول المستهدفة من العقوبة، اللهم إلا إذا فرض حصار بحري وجوي على تلك الدولة، ففي هذه الحالة نعتقد أن ذلك الحصار سيؤتي ثماره بعد عدة شهور نحو هدف العقوبة...
2 ــ إن آلية فرض العقوبات الاقتصادية، وغيرها من العقوبات ستكون، بل هما الآن، أهم أذرع السياسات الخارجية للدول، عوضاً عن الدخول في نزاعات مسلحة كما كان يحدث في القرن الماضي.
وكذلك ستكون آلية الحوار والتفاوض من أهم أدوات حل النزاعات الدولية، وبالطبع لكل قاعدة استثناء...
3 ــ إن بعض الدول التي تمتلك أرصدة مالية هائلة تستطيع بطريقة أو بأخرى التحايل على تلك العقوبات وتقلل من تأثيرها وفعاليتها.
4 ــ ولعل المكالمة الهاتفية التي تلقاها الرئيس أوباما من الرئيس بوتين خلال تواجده مؤخراً في السعودية قد يشير إلى مدى فعالية العقوبات الاقتصادية التي فرضت على روسيا مؤخراً؟!
 

19:42 | 30-03-2014

وستفاليا.. والنهج القطري؟

إن موضوع سحب سفراء كل من السعودية والإمارات والبحرين من دولة قطر يعد أمرا غير مألوف في سجلات الدبلوماسية المعاصرة، على الأقل بين الدول ذات العضوية في منطقة إقليمية واحدة.. وكل من عاصر العلاقات الخليجية القطرية في المرحلة الأخيرة سيجد أن قطر بدأت تنحو بنفسها وسياساتها خارج السرب الخليجي والعربي. في محاولة لخلق وضع ومكانة لدولة قطر تفوق الواقع السياسي والجغرافي والسكاني لدولة قطر..
ولا أدري كيف تحملت القيادات الخليجية وحتى العربية هذا النهج المناوئ والمخالف لكل الأعراف والسياسات والتاريخ، بينها وبين دول الخليج.. وبالطبع لا بد من أن يدرك العديد منا أن هذا النزاع الذي ظهر وتصدت له إرادة سياسية شجاعة واعية ولها تاريخ من التحمل والصبر لمدة قد تزيد على العقدين.. ومع ذلك في كل مرة يحدث فيها تقارب واتفاق فسرعان ما تتنصل دولة قطر من هذا الاتفاق والاستمرار في سياساتها المعادية لكيان دول مجلس التعاون وكذلك للعديد من الدول العربية على حد سواء.. وبدأ سلوك دولة قطر المعادي والمتعمد بالتدخل والافتراء الإعلامي من خلال قناتها التي تلوي وتزيف الحقائق ودعمها لحركات مناوئة للعديد من الدول مثل الإخوان في مصر ولبعض الخارجين على الشرعية في دول مجلس التعاون، ثم تدخلها في سوريا وليبيا واليمن وبالطبع دعم العديد من الجماعات الإرهابية في العديد من الدول بشكل غير مسبوق في تاريخ العلاقات الدولية، والأهم هو أن العديد من دول الغرب التي تكافح وتحارب الإرهاب لم تتصد لقطر ولو بالقول إلا مؤخرا وبشكل مختصر ولعل هذا الأمر يشير إلى أن دولة قطر لا تنفذ أجندات خاصة بها فحسب بل لدول أخرى والثمن هو ما تتخيله قطر أنها ستصبح القوة الكبرى في الخليج بل وربما بين الدول العربية والإسلامية، ولكن نقول إن فاقد الشيء لا يعطيه..
ولقد حاولت بعض دول الخليج التوسط لحل هذا الإشكال القطري المزمن مرات ومرات وكان آخرها الوساطة الحسنة من سمو أمير دولة الكويت، ولكن دون جدوى.
وهذا الأمر قادني إلى تصفح كتاب بعنوان «القانون الدولي» باللغة الإنجليزية تأليف الأساتذة وولف جانج فريدمان، وأوليفر ليستيون، وريتشارد بوج ويعد هذا المؤلف من المراجع الأساسية في القانون الدولي وخصوصا لطلاب الدراسات العليا في القانون.. وفي الفصل الثامن من هذا الكتاب ص 243 يتناول موضوع الحلول السلمية للنزاعات، وأن من أهم طرق فض النزاعات بالطرق السلمية هو التفاوض الذي قد يكون مباشرا وقد يكون عن طريق إرسال وفد لتقصي الحقائق وقد يكون كذلك عبر الوساطة وكذلك قد يكون حل النزاعات عن طريق المساعي الحميدة GOOD OFFICES وكذلك عن طريق التوسط MEDiATiON وأخيرا عن طريق التوافق بين الأطراف CONCiLiATiON.. وفي هذه الحالات يكون الهدف ليس تدخل الطرف الثالث مباشرة مع أطراف النزاع بل هو تحفيزهم لكي يقرروا بأنفسهم الصالح.. والكتاب الثلاثة أعطوا أمثلة عديدة لطرق حل النزاعات بالسبل السلمية من خلال الآليات السالفة الذكر.. وإنني على قناعة أن العديد من هذه الطرق السلمية لحل النزاعات قد جربت مع الجانب القطري بطريقة أو بأخرى، ولكن إذا كانت الرغبة في التصالح والنية غير سليمة ومتوفرة فلا جدوى.. وهذا يفرز ما سبقت الإشارة إليه من أن دولة قطر لديها أجندة خاصة بها.. ولمزيد من الفائدة فإن مبدأ عدم التدخل وكما عرف في «ويكي بيديا» فإنه قائم على أساس أن الدولة يجب أن لا تتدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى وهذا الأمر مبني وقائم على مبادئ سيادة الدول وحق تقرير المصير ويمكن أن نقول إن تعريف عدم التدخل بإيجاز هو: «الاستقلال الاستراتيجي».. وقد يكون التدخل هذا اقتصاديا أو تدخلا في السياسة الخارجية والداخلية لدول أخرى..
ولمزيد من الإيضاح حول مبدأ عدم التدخل الذي يعود إلى معاهدة وستفاليا التي وقعت عام 1648م منهية بذلك ثلاثين عاما من الحرب بين بعض الدول الرئيسية في أوروبا، الإمبراطورية الرومانية، إسبانيا، فرنسا، السويد وألمانيا، الذين وافقوا على احترام السيادة الإقليمية لدولهم..
ومن جهة أخرى، يشير الكاتبان جاكسون وأوينز في بحثهما تطور ونشوء المجتمع الدولي في كتاب جون بيلس وستيث سميث «عالمية عالم السياسة، مقدمة في العلاقات الدولية» أن صلح وستفاليا يعد من أهم الوقائع الدولية لنظرية العلاقات الدولية الحديثة وغالبا ما يعرف كبداية للنظام العالمي والذي تناول الانضباط الدولي بين الدول..
وفي «ويكي بيديا» أشار بعض الكتاب وعرف العديد من المبادئ الأساسية لصلح وستفاليا والذي يؤكد أهمية السلام وتأثيره وأثره في العالم ومن أهم تلك المبادئ.
أ - مبدأ السيادة للدول والحق الجوهري لتلك الدول السياسي في تقرير المصير.
ب - مبدأ المساواة القانونية بين الدول.
ج - مبدأ عدم تدخل الدول في الشؤون الداخلية لدولة أخرى..
وبعد هذا السرد التاريخي عن أهمية مبدأ عدم التدخل في العلاقات بين الدول والذي تعود جذوره لقرون عدة، لعل القارئ يتساءل وبحق، ما الفائدة من كل هذا الكم الذي يهدد ويحمي مبادئ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى بوجود دولة مثل قطر تمعن في التدخل ورغبتها في تغيير دفة الأمور في الدول (أ) أو (ب) بدون كلل أو ملل والأهم من ذلك بدون وجود هدف وطني لصالح الإنسان والمكان عوضا عن الإفساد في الأرض..
وبشكل أكثر وضوحا، ماذا تستفيد دولة قطر من دعم الإرهاب والإرهابيين في دول عربية وبعضها جارة، وماذا تستفيد من محاولة تأليب الرأي العام والاستعداء، وماذا تستفيد من تأجيج الأوضاع في بعض الدول العربية بالفعل والقول ودعم الإرهابيين من الإخوان والحوثيين وغيرهما، ماذا تجني من هذا الفكر الذي تهدف معه للإيذاء والتدمير والقتل، هل تتصور بذلك أنها ستضحي الدولة الأساس في العالم العربي، هل تعتقد أنها ستكون ذات الثقل السياسي الدولي المتنفذ، هل تعتقد أنها سوف تساعد في تغيير خارطة المنطقة بدعم وتعاون جهات خارجية..
في واقع الأمر، بذلت وقتا غير قليل، وفي فترات تاريخية متباعدة وقتا غير قليل لكي أدرك العلة وراء مثل هذا السلوك الخطير من دولة عضو في الأمم المتحدة والجامعة العربية ومجلس التعاون.. ومما يثير العجب أنه ترد في وسائل الإعلام تصريحات من قبل وزير خارجية قطر مثل التي صدرت مؤخرا منه في باريس من أن قطر دولة مستقلة ولا تسمح لأحد بالتدخل في شؤونها؟!!
نقول، ماذا إذن هي فاعلة بكل هذا التجاوز والتدخل بالفعل والقول في شؤون بعض الدول وخصوصا الجارة منها، وهذا في تقديري ليس ازدواجية في المعايير بل إمعان في الغي والضرر والأذى.. إن دولة قطر لديها الوفير من المصادر والثروات الطبيعية، وتعداد سكانها من جهة أخرى قليل ولعل بعض قادتها توصل إلى أنه من الأفضل لقطر الاستثمار اقتصاديا وماليا في الخارج وهي بالفعل تفعل ذلك وبشكل كبير.. ومن جهة أخرى نقول إنه لأول مرة نرى دولة جارة تستثمر في الشر والأذى خارج حدودها بهدف إحداث خلل في التوازن الإقليمي والعربي، وبالطبع نتساءل مرة ثانية لماذا ولصالح من تفعل قطر مثل هذه الأمور، هل تسعى قطر لأن تكون دولة ذات تأثير كبير في مسار الأحداث الإقليمية والعالمية، وهل هي تسعى لتكون دولة كبرى من خلال الإخلال بالتوازن القائم ولماذا تقوم بتلك الأمور إذن.. هل تفعل ذلك من خلال التعاون مع إسرائيل وإيران، ربما، لتحقيق أهداف وسياسات خارج الصالح الخليجي والعربي.
وكنت قد كتبت مقالا منذ سنوات نشر في جريدة الحياة عن دولة قطر بعنوان «وظلم ذوي القربي».. واليوم لم يتغير الأمر كثيرا من قبل قطر وأصبحت تمعن في الأذى ودعم الجمعيات الإرهابية وأضحى ظلم ذوي القربى أذى ذوي القربى وهو بالطبع أمر لا يقبله عاقل.. ونقول للحقيقة والتاريخ والواقع السياسي، إن المملكة العربية السعودية دولة محورية ذات ثقل عالمي ومؤثر في الأحداث العالمية وكانت سياستها ولا تزال الدعم والمؤازرة. وهي الصديق وقت الشدائد ومقيلة العثرات ومساعدة المنكوبين.. ولعلنا لا ننسى ولن ننسى موقف المملكة من احتلال الكويت الشقيق ومن أن موقف القيادة السعودية كان العامل الأساس في تحرير الكويت نظرا لما تملكه من بنى أساسية وقواعد عسكرية متطورة أسهمت في إدارة معركة التحرير.. ثم موقف المملكة منذ سنوات قليلة وبالتعاون مع مجلس التعاون للمعاونة والوقوف مع دولة البحرين الشقيقة لكي تستطيع إعادة نشر قواتها في الداخل لصالح استقرار دولة البحرين.. ثم قبل ذلك بسنوات موقف المملكة في مؤتمر الخرطوم بعد نكسة 1967 الذي قاد إلى حرب وانتصار أكتوبر من قبل مصر العزيزة.. ولا مجال هنا لكي أعدد ما تقوم وقامت به المملكة على المستوى الإقليمي والعربي والإسلامي والدولي، فمكانة المملكة وأعمالها واضحة للبيان ويشهد لها العالم بأنها دولة محبة للسلام وتسعى لاستقرار السلم والسلام العالمي..
والحق يقال إن صبر السعودية والعديد من دول مجلس التعاون على سلوكيات دولة قطر قد طال وبشكل كبير ولكن ما إن يصل الأمر لما وصل إليه من تحريض ودعم للإرهاب، فلما تجاوز الظلم بالأذى فكان لا بد من هذا الموقف السعودي الإماراتي البحريني القوي لوضع حد ووضع النقاط على الحروف ومن أن للصبر حدودا والذي لا يعني مطلقا عدم القدرة على اتخاذ القرار المناسب تجاه ما حصل ويحصل من دولة قطر..
وفي النهاية أعتقد، والعلم عند الله، أن دولة قطر لن تتوقف عن ما هي ماضية فيه.. ولعل الزمن كفيل بحل هذا المعضل ولكن مع الأسف لن يكون في صالح دولة قطر.. وكان الله في عون الشعب القطري الشقيق.

19:41 | 23-03-2014

المنظمات الإرهابية .. التاريخ والمنهجية

يعد البيان الصادر عن مقام وزارة الداخلية مؤخرا المتبوع بالموافقة السامية الكريمة الذي عدد التنظيمات الإرهابية المحظورة التي تحمل فكرا إلحاديا ومتطرفا وشارك أعضاؤها في أعمال قتالية غير مشروعة خارج المملكة البيان الأهم في تحديد تلك الجماعات بهذا الشكل الشامل الذي ستتم مراقبته من حين لآخر للنظر في أي تنظيمات غير مشروعة وضمها إلى هذا البيان. ولقد عدد البيان تنظيمات وجماعات تعيث في الأرض فسادا بدءا من تنظيم القاعدة وجماعة الحوثيين والإخوان في مصر وداعش وجبهة النصرة وحزب الله في السعودية وغيرها.. وكذلك قرار اللجنة الوزارية التفسيري، والمشكلة بموجب الأمر السامي بالمحظورات الأمنية والفكرية التي يتعين على المواطن والمقيم تجنبها..
ويعد بيان وزارة الداخلية هذا ذا بلاغة قانونية تشريعية، موضحا أبعاد وخطورة وفكر وممارسات تلك التنظيمات.. وكذلك، كما أشرت، فإن قرارات اللجنة الوزارية لذات الموضوع التي أوضحت أحد عشر بندا لتفسير بيان الداخلية المبني على الموافقة السامية، وتعد المملكة من الدول التي عانت من الإرهاب في فترة سابقة وكافحته بكل ما لديها من عتاد ورجال وفكر ومناصحة، ولقد نجحت ولله الحمد بتجفيف منابعه مع الاستمرار في مكافحة آفة العصر هذه المتمثلة في تلك التنظيمات ومثيلاتها التي تمثل خطرا كبيرا على الدول والمجتمعات والأمن والأمان..
ونحن إذا ما نظرنا إلى تلك الجماعات والتنظيمات تاريخيا وجدنا أن تلك التنظيمات الإرهابية مقارنة بالوضع الراهن، كانت قليلة العدد ومحدودة في دول معينة وعلى سبيل المثال الألوية الحمراء في اليابان، وبادرماينهوف في ألمانيا والإخوان في مصر.. ثم تطور الأمر بالنسبة لتلك التنظيمات الإرهابية بشكل جوهري وخطير في العدد والعدة تحديدا منذ نهاية الحرب الروسية الأفغانية التي تعد في تقديري نقطة التحول والتكوين الأخطر في تاريخ تلك الجماعات حاليا ومنذ عدة سنوات.. وكذلك فإن غزو الولايات المتحدة للعراق وما صاحب ذلك من قتال مستمر مع جهات وتنظيمات إرهابية عدة في العراق، ثم بعد انسحاب أمريكا من العراق أضحت تلك التنظيمات أكثر عدة وعددا وشراسة وتسليحا ولا يدري البعض من يقاتل من ومن يدافع عن ماذا.. مرة أخرى نشير إلى أن الآثار التي نتجت عن خروج روسيا من أفغانستان بالدرجة الأولى، ثم انسحاب أمريكا من العراق خلقت فراغا سياسيا وعسكريا وأرضا خصبة لنمو تلك التنظيمات بشكل خطير ومنظم وبعنف غير معهود والهدف الوحيد هو محاولة السيطرة على مقاليد الأمور في تلك الدول من قبل تلك الجماعات.. ولقد تناول صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلطان في مؤلفه القيم (مقاتل من الصحراء)، أحد مباحث ذلك الكتاب الذي في تقديري جدير بالاطلاع والقراءة، حيث إن استعراض ذلك الكتاب الآن يبدو أن مؤلفه قد فرغ من تأليفه مؤخرا.. بمعنى أن هذا الكتاب يعد ذا رؤية تاريخية وسياسية شاملة للعديد من المواضيع المعاصرة وبشكل دقيق..
ونعود ونشير إلى أن أحد مباحث هذا الكتاب الذي تناول الإرهاب تاريخيا وسياسيا وهذا الذي يهمنا في مقال اليوم.. وأشار المؤلف إلى أن التطور التاريخي للإرهاب أظهر أن أول منظمة إرهابية في التاريخ هي منظمة السيكاري sicari التي كونها بعض المتطرفين من اليهود الذين وفدوا إلى فلسطين في نهاية القرن الأول قبل الميلاد.. وكانت غاية تلك المنظمة هي إعادة بناء الهيكل المسمى بالمعبد الثاني.. وفي القرن العاشر ظهرت منظمة إرهابية ذائعة الصيت في العالم الإسلامي - ووفق ما ورد في المؤلف المذكور - هي جماعة الحشاشين التي بلغت درجة عالية من التنظيم واتخذ زعيمها حسن الصباح إيران مركزا له.. وأشاعت تلك الجماعة التي تنتمي إلى الطائفة الإسماعيلية، الرعب في القلوب.. ويرجع إلى تلك الجماعة ابتكار آلية الإرهاب كأداة للحرب فلقد كانت تلك الجماعة المتطرفة قليلة العدد، بحيث لا يستطيع رجالها الدخول في حرب ضد خصومهم.
ومن ثم فإن فرق الاغتيال، كانت الآلية والمنهجية، لإجبار الخصوم على الرضوخ للمطالب السياسية لتلك الجماعة.. ولعلنا نشير هنا إلى أن منهجية قلة العدد تلك قد استغلت واستعملت من قبل الكثير من تلك التنظيمات، وبالإشارة إلى الحرب السورية الدائرة الآن فإن اتساع نطاقها بسبب شراسة النظام وقسوة عتاده العسكري، وتعدد الجماعات والتنظيمات من جهة أخرى والتي تقاتل هناك هو الذي أدى إلى اتساع تلك الحرب واستمرارها..
وكذلك يشير مؤلف (مقاتل من الصحراء)، إلى ظهور العديد من العصابات الإرهابية في أوروبا وروسيا ومن أن حادثة اغتيال الأمير رودولف ولي عهد النمسا الذي قامت به جماعة إرهابية صوبه هي التي أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى، ثم تلا ذلك العديد من عمليات الاغتيال الإرهابية في أوروبا حتى تدخلت عصبة الأمم حينذاك ووضعت الأسس الأولى للتعاون الدولي من أجل محاربة الإرهاب..
وفي موقع آخر من ذات الكتاب يسرد المؤلف قائلا بأن هدف الولايات المتحدة في الحرب الروسية الأفغانية كان هو «الحرب بالوكالة» وضرب العقيدة الشيوعية بالأصولية الإسلامية.. وانضم وقتئذ إلى جيش الأفغان العرب الكثير من الشباب وهناك تسلل أسامة بن لادن. ممولا ومحاربا للشيوعية في أفغانستان، ولكن بعد انسحاب السوفيت منها -وهنا وكما سبق وأشرت نقطة التحول الأهم- ثم رفع الولايات المتحدة أيديها تاركة الآلاف من المقاتلين المرتزقة الذين سرعان ما انضموا إلى جماعات إرهابية مختلفة والتي تكون سببا لاحقا لتنظيم القاعدة.. ونتوقف مرة ثانية عند هذه النقطة المحورية الهامة في تاريخ الإرهاب المعاصر تحديدا التي أعتبرها الخلية الأساسية والتي تكون منها تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات المماثلة التي بين العديد منها تنسيق وتنظيم وتعاون مستمر netting مستغلين تقنية الاتصالات بشكل فاعل..
وجدير بالذكر هنا، أن العديد من المنظمات الدولية كالأمم المتحدة والعديد من المؤتمرات لم تنجح في وضع تعريف جامع للإرهاب وذلك لاختلاف البواعث والجهات والأهداف.
وبعد تاريخ خروج أمريكا من أفغانستان في وقت كان العالم غير مدرك لشراسة وإجرام ودناءة أهداف تلك الجماعات وكانت أفغانستان في ذلك الوقت - وما زالت - أرضا خصبة لتلك الجماعات التي اعتقدت أن بمقدورها إعادة الخلافة الإسلامية بها كنقطة انطلاق.. ولعلي أرى أن انسحاب أمريكا من أفغانستان وحلفائها سيمهد إلى ظهور دولة طالبان هناك والعلم عند الله..
ولقد كانت المراحل التي مر بها الإرهاب ومنظماته عبر التاريخ متباعدة ومتفاوتة في التأثير والقوة وانتاب ذلك الحراك الإرهابي فترات ركود ثم المعاودة بشكل أو بآخر، وكما أشار بعض الكتاب فإن الإرهاب ليس أيدلوجيا أو عقيدة بل هو سلاح قديم قدم الحرب نفسها.. بالرغم من أن واقع اليوم يشير إلى استغلال الأيدلوجيا في تلك الجماعات.
وأن تاريخ الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001م والهجوم الإرهابي الإجرامي الدنيء على برجي التجارة العالمي في نيويورك كان في تقديري أفظع وأشرس فعل إرهابي بما لا سابقة له، في العصر الراهن، والذي غير بشكل جذري العالم عما كان عليه من قبل ذلك التاريخ وترك -ولا يزال- آثارا عميقة على أمريكا والعالم من الناحية السياسية والاجتماعية والمالية والاقتصادية، وفيما بين العلاقات بين الدول ومنذ ذلك التاريخ انتهجت الولايات المتحدة وحلفاؤها في كافة أنحاء العالم سياسة مكافحة الإرهاب عالميا بشكل لا هوادة فيه وبقوة ضاربة وعن طريق الاشتباك تارة وعن طريق ضرب الأهداف عن بعد تارة أخرى وبقوة ضاربة تعدت حدود أمريكا وما زالت.. وبالرغم من مكافحة الإرهاب عالميا من قبل الكثير من الدول إلا أن تفريخ تلك الجماعات والتنظيمات يزداد بشكل ملفت، ومع الأسف الشديد، في منطقتنا العربية والإسلامية.. حيث هنالك العديد من تلك التنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا وليبيا واليمن ومصر...
ولعل المرء منا قد يتساءل، لماذا هذا التسارع في وجود مثل هذه التنظيمات الإرهابية في المنطقة العربية والإسلامية تحديدا، وبأعداد ملحوظة ولمصلحة من وجود مثل تلك التنظيمات، ثم من الذي يمولها ويتولى المهام الصعبة والحرجة في تمويل تلك الجماعات بالسلاح والعتاد والمال وإيصالها لهم.. كلها وغيرها من الأسئلة تتضارب في ذهن المرء منا ولا نجد أحيانا الإجابة الكاملة على كل هذه الأسئلة، ولكن ربما يدرك البعض منا الأسباب والأهداف والغايات؟!
ولا بد أن نشير إلى أنه كان للطائفية، ولا يزال، في العراق تحديدا وسوريا ولبنان واليمن دور كبير في إذكاء واستمرار هذه النزاعات المسلحة غير المشروعة والتي لم يجن منها مواطنو تلك الدول سوى التشريد والقتل والتدمير..
ولكل هذه الأسباب وغيرها فإن بيان وزارة الداخلية الأخير المبني على موافقة ولي الأمر، حفظه الله، هو تفسير وقراءة واستنتاج لما يحدث وتحسب لما قد يحدث، ومع الأسف نقول إن كل الدلائل والبوادر تشير إلى أن هذا الأمر، الحرب على الإرهاب واتساع انتشار تلك التنظيمات الإرهابية سوف يستمر لردح من الزمن، لذا كان لزاما التقنين والمواجهة بالفكر والتشريع للحد من انتشار تلك الآفة.
وأتذكر هنا موقفا لسيدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله، وفيما يتعلق بإصراره وقناعته بمكافحة الإرهاب وما قام ويقوم به لبتر هذه الآفة المخربة ومن أن المملكة ستحارب وتكافح الإرهاب مهما طال الزمن بعزم لن يلين حتى يتم القضاء على آفة العصر هذه..
وبالطبع هنا لا بد أن أعيد ما سبق وكتبت عنه في أحد مقالاتي السابقة عن جهود الملك عبدالله، حفظه الله، في مكافحة الإرهاب إقليميا وعالميا وهو الذي دعا لأول مؤتمر عالمي لمكافحة الإرهاب الذي عقد في الرياض، ثم جهوده الحثيثة لإيجاد جهاز وآلية دولية في الأمم المتحدة لمتابعة ومحاربة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية عالميا وبتعاون دولي.
وشدد الملك عبدالله بأن الفكر هو أمضى وأنجع أدوات محاربة الإرهاب وكان دافعا لسعيه لإنشاء مركز للحوار في فيينا، وأن الفكر لا يحارب ويواجه إلا بفكر أقوى منه يقوم على الشريعة والمصداقية والحق.
وأنهي مقالي اليوم بأنه يتعين على كل فرد منا في هذا الوطن العزيز الغالي أن يساهم في حماية أمن وأمان هذا البلد وأن يسعى إلى الاتصال بالجهات الأمنية حال ملاحظة أمور وأحوال غير مألوفة في الحي الذي يعيش فيه وإذا ما رأى تجمعات مريبة فلا بد أن يسارع للإبلاغ عنها..
ولا بد أن نشدد هنا بأنه يقع على الأسرة دور كبير والدور الأهم في توعية الأبناء من خطورة تلك الجماعات والتنظيمات الإرهابية، وكذلك اهتمام الوالدين وخصوصا الأم برعاية ومتابعة الأبناء في كل ما يخص أمورهم في المدرسة والمنزل.. وكذلك فإن للتعليم دورا أساسيا جوهريا في هذا الصدد.
والحمد لله فإن الدور الفاعل الذي يقوم به علماء المملكة سواء أكان ذلك في سائل الإعلام أو المساجد فهذا أساسي وهام والتبصير بخطورة تلك التنظيمات وعدم شرعية ما يقومون به من قتل وتدمير وتخريب.
وما زلت أتذكر مقولة سيدي الأمير نايف -طيب الله ثراه- من أن رجل الأمن الأول في المملكة هو المواطن.

20:05 | 16-03-2014