أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/global_files/author-no-image.jpg?v=1

غازي عبداللطيف جمجوم

كورونا «ميرس» والاستفادة من دروس كورونا «سارس» (2)

تحدثت في المقال السابق عن مساهمة المعرفة المسبقة بفيروس كورونا «سارس» الذي ظهر في عام 2002م في الصين في سرعة اكتشاف فيروس كورونا «ميرس» المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية الذي ظهر منذ عامين في بلادنا مخلفا 411 إصابة و 112 وفاة حتى كتابة هذا المقال، والمنتمي إلى نفس الفصيلة من الفيروسات، وكيف قادت هذه المعرفة أيضا إلى البحث عن المصدر الحيواني المتوقع للمرض ومن ثم اكتشاف الخفاش كمستودع للفيروس والجمل كحيوان ناقل للعدوى وثالثا كيف نجح وقف الاتصال بالحيوانات المصابة واتباع وسائل مكافحة نقل العدوى مثل عزل المرضى ولبس الكمامات والقفازات وغسل اليد في أقسام العناية المركزة في المستشفيات وبين الملاصقين للمرضى في القضاء على وباء السارس خلال عام واحد دون الحاجة إلى علاج أو لقاح. ومن المرجح أن ينطبق مثل ذلك على «ميرس» إن شاء الله. كان لهذا النجاح الباهر والسريع في احتواء السارس جانب سلبي وهو أنه أدى إلى تباطؤ أو إلغاء الجهود الرامية إلى إنتاج علاج أو لقاح للمرض حيث ترددت شركات الدواء في صنع منتجات ليست لها سوق مضمونة.
وهكذا لم تكتمل الفرصة أمام العلماء لتجربة وترخيص أدوية أو لقاحات للسارس كان يمكن الاستفادة منها الآن في مواجهة ميرس. وفي الواقع حذر بعض العلماء من خطورة التوقف عن إنتاج هذه المنتجات في حالة عودة سارس أو ظهور فيروس شبيه له، وهو ما حدث فعلا بظهور ميرس. بالرغم من عدم اكتمال مهمة انتاج أدوية ولقاحات لمقاومة السارس، قطع العلماء شوطا كبيرا في التعرف على مكونات فيروس السارس وتمكنوا من اكتشاف العديد من الطرق لمنع تكاثره أو للوقاية منه ووقف انتشاره. بل أصبح هناك كم هائل من الأبحاث (أكثر من 3500 بحث) في هذا المجال، وعدد كبير من المنتجات التي تم تجربتها على الخلايا الحية وعلى حيوانات التجارب مما أثبت مأمونيته وفعاليته، وأصبح جاهزا أو شبه جاهز للبدء في تجربته على الإنسان تمهيدا لترخيصه واعتماده في علاج المرضى. هذه الأبحاث والمنتجات لا شك ستفيد كثيرا في التوصل بصورة أسرع إلى منتجات شبيهة لعلاج أو الوقاية من ميرس لو استمر هذا المرض في الانتشار. مع ذلك فلا بد من تدخل الحكومات والمنظمات الصحية العالمية لإزالة تردد الشركات الصانعة الكبرى في الاستثمار في هذا المجال واتخاذ تدابير تضمن لها تغطية تكاليفها. الحاجة الآن كبيرة لحماية المصابين بميرس من تفاقم المرض وحماية المخالطين لهم من أفراد عوائلهم والفريق الصحي الذي يتولى العناية بهم من انتقال العدوى.
من أبرز المنتجات الواعدة الأجسام المناعية المضادة للفيروس. سابقا تم استخدام أجسام مضادة لعلاج مرضى سارس تم تحضيرها من الأشخاص الذين أصيبوا بالسارس ثم شفوا منه، كما تم تحضير مخزون من هذه الأجسام لوقاية العاملين الصحيين في حالة عودة الوباء. لم يكن هناك فرصة كافية لتقييم فعالية هذه الأجسام المناعية، كما كان هناك تخوف من ردود فعل مناعية عكسية تبين حدوثها في بعض المرضى. دفع ذلك إلى تطوير أجسام مضادة بواسطة طرق الهندسة الوراثية لمنع التحام الفيروس بالخلية بدقة كبيرة ومأمونية أعلى مثل التي أعلن مركز دانا فاربر في بوسطن عن إنتاجها مؤخرا لفيروس ميرس.
وقد تكون هذه الأجسام من أوائل المنتجات التي يتم الترخيص لها لمواجهة ميرس. وفي مواجهة السارس تم تجربة عدة عقارات ذات فعالية غير محددة ضد الفيروسات منها الإنترفيرون والريبافيرين ومثبطات إنزيم البروتييز المستعملة في علاج الإيدز ولكن لم تثبت هذه الأدوية فعاليتها بوضوح. وحتى بعد انتهاء وباء السارس استمر العلماء في تطوير عدة أدوية أخرى من هذا النوع. من ناحية أخرى أدى الفهم المتعمق لمكونات فيروس سارس إلى تطوير منتجات تستهدف تحديدا إنزيمات الفيروس نفسها مثل البروتييز والبوليمريز والهيليكيزأو بروتينات الفيروس الأخرى.
تجاوز عدد هذه المنتجات 11 منتجا، بعضها يعتمد على تقنيات حديثة للغاية مثل تقنية جزيئات رنا الصغيرة المعترضة (siRNA)، التي لا زالت في بداية استعمالاتها، وقد أثبتت هذه المنتجات فعاليتها في حيوانات التجارب. بالنسبة للقاحات، هناك عدة لقاحات مستخدمة روتينيا ضد أمراض تسببها فيروسات الكورونا في الحيوانات منها عدوى الشعب الهوائية في الطيور وعدوى الجهاز الهضمي في الخنازير ومرض كورونا الكلاب، وقد قام العلماء بتطوير عدة لقاحات للسارس تحتوي على فيروسات ميتة أو مضعفة أو على بروتين الغلاف الخارجي للفيروس أو باستخدام تقنيات حديثة كلقاحات د ن ا (DNA vaccines).
ولكن الخبرة مع لقاحات كورونا الحيوانية تدعو إلى التريث لأن بعض اللقاحات تؤدي أحيانا إلى نتائج عكسية كما أن قدرة فيروسات الكورونا على تبادل جيناتها مع بعض البعض تشكل خطرا آخر. من المتوقع أن تتردد الشركات الصانعة في إنتاج لقاح بشري لأن سوقه غير مضمونة. أما إنتاج لقاح للإبل التي تمثل ثروة حيوانية كبيرة لسكان الجزيرة العربية والشرق الأوسط فقد تكون السبيل الأمثل لحماية هذه الحيوانات، ومنع انتقال العدوى منها للإنسان. ختاما الدروس التي تعلمها العالم من سارس كثيرة والمرجو أن يتم تطبيق أكبر قدر من هذه الدروس لوقف ميرس في أسرع وقت ممكن.
وداعا للقراء الأعزاء: نظرا لعزمي التوقف عن الكتابة في هذه الزاوية اعتبارا من اليوم، يطيب لي أن أشكر هيئة تحرير «عكاظ» الغراء وكافة القراء الذين تواصلوا معي بتعليقاتهم أو ملاحظاتهم طوال السنوات الماضية، آملا أن يستمر تواصلنا عبر الوسائل المختلفة الأخرى حسب ما تسمح به الأحوال والظروف.

19:22 | 7-05-2014

كورونا «ميرس» والاستفادة من دروس كورونا «سارس» (1)

كورونا «ميرس» (MERS-CoV) هو فيروس متلازمة الشرق الأوسط التنفسية التي تثير الذعر بيننا منذ عامين، حيث بلغ عدد حالاتها في بلادنا حتى كتابة هذا المقال 339 حالة، توفي منها 102 شخص وهو ما يمثل النسبة الكبرى من هذا المرض في العالم. رغم أن فيروس كورونا الشرق الأوسط يعتبر فيروسا جديدا لم يعرف في السابق إلا أنه لم يأت من فراغ بل إن قريبا له من نفس عائلة الفيروسات التاجية «كورونا» يدعى (SARS-CoV) كان وراء وباء المتلازمة التنفسية الحادة «السارس» الذي ظهر في الصين عام 2003م ثم انتشر إلى 17 دولة، مسببا ذعرا عالميا قبل أن تتم السيطرة عليه بسرعة.
اكتشاف فيروس السارس في الواقع ألقى الضوء بقوة على عائلة فيروسات الكورونا المعروفة سابقا والتي تصيب الحيوانات والإنسان بأمراض مختلفة لم يكن من بينها، مما يصيب الإنسان، ما يعادل سارس في خطورته.
وقد كان لاكتشاف سارس أكبر الأثر في تسهيل اكتشاف ميرس بما في ذلك توفير الكواشف المخبرية اللازمة للكشف عن مجموعة فيروسات الكورونا التي ينتمي إليها الفيروسان. لم تقتصر الدروس المكتسبة من اكتشاف سارس على ذلك بل تعدتها إلى الكثير من النواحي الأخرى التي وجهت تفكير العلماء والباحثين المهتمين بـ «ميرس» والتي لا زال يمكن أن تكون لها فوائد أخرى كبيرة في التعامل مع هذا المرض واحتوائه بإذن الله في أقرب فرصة ممكنة.
الدرس المهم الثاني كان هو في اكتشاف الحيوانات التي لها دور وسيط في انتقال المرض إلى الإنسان. بالنسبة لـ «سارس» كان الحيوان المباشر هو قطة «السيفيت» التي يأكلها الصينيون والتي تبين إصابتها بالفيروس حديثا مع حدوث طفرات وراثية في الفيروس وعدم ظهور أعراض مرضية على هذا الحيوان. وكذلك تم العثور على الفيروس في حيوانات أخرى منها الخفاش الذي تبين أنه يمثل المستودع الأساسي لفيروسات الكورونا في الطبيعة. اكتشاف الحيوانات الناقلة للمرض أتاح فرصة إغلاق الباب الذي يأتي منه الفيروس إلى الإنسان بمنع الأسواق التي تباع فيها قطة السيفيت. بالنسبة لـ «ميرس» اكتشف الباحثون انتشار الأجسام المضادة للفيروس على مستوى واسع في الإبل كما تم عزل الفيروس من عدة جمال تعرض لها مرضى أصيبوا بمتلازمة الشرق الأوسط وعزلت منهم فيروسات مطابقة، مما يرجح انتقال المرض من الإبل إلى الإنسان في هذه الحالات. هل يتم انتقال الفيروس من الجمال إلى الإنسان فقط بالاتصال المباشر، أي عبر الرذاذ، أم أيضا بواسطة شرب لبنها أو بولها أو أكل لحمها دون إخضاع هذه المنتجات للتعقيم بواسطة البسترة أو الغلي أو الطبخ؟ كم من الحالات حاليا تنتج من الإصابة المباشرة أو غير المباشرة من الجمال؟ الإجابة ليست واضحة ولكن وضع الوباء يحثنا على اتباع الحيطة في التعامل مع الإبل المصابة ومنتجاتها. لماذا لم يتم ملاحظة إصابات ما بين رعاة الإبل؟ بالنسبة لسارس ثبت تعرض بعض مربي قطة السيفيت للعدوى دون أن تظهر عليهم أعراض للمرض. فقط عند اتساع نطاق التعرض للفيروس بين عدد أكبر من الناس، كما في أسواق بيع الحيوانات، كان ظهور المرض بشكل وبائي. الانتقال من شخص إلى آخر كان السبب الأكبر لانتشار السارس بين الناس بعد انتقاله من الحيوان إلى الإنسان. نفس الشيء يحدث بالنسبة لـ «ميرس».
في حالة سارس كان هناك من المرضى من ينقل الفيروس «بامتياز» بينما لا ينقله مصابون آخرون إلا بصعوبة.
وهكذا انتقل فيروس السارس من أحد المرضى المحتكين بالحيوانات المصابة إلى الطبيب المعالج والذي قام بنقل المرض إلى عدد من نزلاء الفندق الذي كان يقيم فيه، كما انتقل المرض عبر المسافرين بالطائرة إلى دول أخرى.
السارس أثبت قدرته على التفشي بين الناس وكان ينذر بوباء عالمي كبير. مع ذلك أوضح التحري الوبائي أن انتقال هذا الفيروس في الأغلب يتطلب الاتصال الوثيق مع المصاب كما في حالة أفراد عائلته المقربين أو أفراد الفريق الصحي الذي يقوم بعلاجه وذلك بعكس فيروسات أخرى سريعة الانتشار مثل الانفلونزا والرشح. هذا الدرس المهم وجه جهود المكافحة إلى التركيز على عزل المرضى واستعمال الكمامات وغسل اليد ونجح في إنهاء وباء السارس خلال عام واحد دون الحاجة إلى علاج أو لقاح. بناء على ذلك باتت التوقعات أن يتم احتواء «ميرس» بصورة أسرع، ولذا يشكل استمرار انتشار ميرس بل تضاعف حالاته في الأسابيع الأخيرة مفاجأة غير متوقعة، مما يدعونا إلى التساؤل هل قاد النجاح السريع في احتواء سارس إلى الاستهانة بقدرة «ميرس» على الانتشار؟ على الرغم من ثبوت انتقال عدوى «ميرس» في المستشفيات كما حدث بداية في منطقة الأحساء إلا أن ذلك لم يمنع من تكرار الإصابة مؤخرا في مستشفيات كبيرة بمناطق أخرى مما يشير إلى أن أساليب العزل والوقاية في هذه المستشفيات أقل من المستوى المطلوب.
عدد حالات ميرس لا زال أقل كثيرا من عدد حالات سارس ولكن مع توفر المعرفة عن سببه وطرق انتقاله أصبح التطلع العام هو أن يتم احتواء المرض بأقصى سرعة ممكنة كما كان الأمر مع سارس. وتزداد أهمية السرعة في احتواء المرض مع دخول موسم العمرة واقتراب موسم الحج. ماذا عن إمكانية تطوير علاج للمصابين أو لقاح للحماية من الإصابة؟ هناك الكثير مما تعلمه العالم من تجربته مع «سارس» مما ينطبق على «ميرس» مما سأستعرضه في المقال القادم إن شاء الله.
 

19:57 | 30-04-2014

انتقال فيروس الكورونا من الإبل إلى الإنسان

الدراسات التي نشرت، مؤخرا، من عدة جهات علمية أوضحت نقطة مهمة من قصة فيروس كورونا الشرق الأوسط (MERS-CoV)، وهي ارتفاع نسبة التعرض للعدوى بهذا الفيروس بين الإبل. غالبية الإبل ــ على ما يبدو ــ تصاب بالعدوى من دون ظهور أعراض عليها أو ربما مع ظهور أعراض محدودة تشفى منها غالبا مع تكوين أجسام مناعية مضادة تحميها من المرض ومن تكرار الإصابة. وجود هذه الأجسام المناعية على نطاق واسع بين الإبل، بل حتى في دم الإبل المحفوظ منذ عشرين عاما هو الذي كشف عن مدى انتشار هذه العدوى بين الإبل بعكس الأبقار والأغنام والماعز التي لم يتم العثور على أجسام مناعية مشابهة فيها. في الوقت نفسه، تم عزل فيروس كورونا الشرق الأوسط المطابق لفيروس كورونا البشري من عدد من الجِمال التي أصيب أصحابها بالمرض، ما يؤكد إمكانية انتقال العدوى الفيروسية من الإبل للإنسان. هذه النتائج تساعد كثيرا على فهم لغز عدوى فيروس كورونا الشرق الأوسط التي انتشرت، مؤخرا، في بلادنا وفي بعض البلدان العربية المجاورة.
الآن يمكننا رسم صورة أكثر وضوحا لنشأة العدوى وانتقالها. ما زال الاعتقاد راسخا بأن المستودع الأساسي لفيروس كورونا الشرق الأوسط في الطبيعة هو الخفاش. لا يبدو أن العدوى تنتقل مباشرة من الخفاش إلى الإنسان، بل عبر حيوانات وسيطة، حيث اتضح الآن إصابة الإبل من دون الحيوانات الأخرى التي تم فحصها. ومن الإبل تنتقل العدوى إلى الإنسان. بعد ذلك، وفي أكثر الحالات التي نراها حاليا، تصبح الطريقة الأكثر شيوعا للانتقال هي من الإنسان المصاب إلى أشخاص ملتصقين به كأفراد عائلته أو الممارسين الصحيين المشرفين عليه في المستشفى. النتائج المشار إليها فسرت لغز تركيز الحالات في الشرق الأوسط حيث موطن الإبل وحيدة السنام، ما يرجح أن بداية الخيط تكون في انتقال العدوى من هذه الحيوانات للإنسان، إلا إذا تم اكتشاف طرق أخرى غير متوقعة. ماذا يعني كل هذا بالنسبة لمكافحة الوباء ووقف انتشاره؟ يعني أنه يجب اتخاذ إجراءات الوقاية والعزل المناسبة لمنع انتقال الفيروس من الإبل المصابة إلى الأشخاص المخالطين لها، وكذلك لمنع انتقاله من الإنسان للإنسان. تشمل الإجراءات الضرورية تعقيم حليب الإبل وأي منتجات أخرى منها، وإبعاد حظائر الإبل عن التجمعات السكنية، والحجر الصحي على الحيوانات المصابة ومنع انتقالها.
قد تكون هذه الإجراءات كافية، ولكن ربما يتطلب الأمر إنتاج لقاح لحماية الإبل من العدوى بهذا الفيروس. انتقال العدوى من الإبل إلى الإنسان ليس مستغربا، وعلينا أن نتذكر أن هناك مئات الأوبئة التي تنتقل من الحيوانات إلى الإنسان، إما بالاحتكاك المباشر مع هذه الحيوانات، أو استهلاك منتجاتها، أو عبر الحشرات الناقلة. أذكر ــ على سبيل المثال ــ الحمى المالطية وأنفلونزا الطيور وداء الكلب والتوكسوبلازموزيس وجنون البقر وحمى الوادي المتصدع. نجح الإنسان في مكافحة كل هذه الأوبئة بمعرفة الميكروب المسبب لها واتخاذ الأساليب المناسبة لمنع انتقاله؛ مثل بسترة الحليب لقتل بكتيريا الحمى المالطية وبكتيريا السل في الحليب، أو بمكافحة الحشرات الناقلة، أو بتطعيم الحيوانات باللقاح المناسب كما في حمى الوادي المتصدع، أو بالتخلص من الحيوانات المصابة مثل ما حدث مع جنون البقر وأنفلونزا الطيور أو بتطعيم الإنسان كما في حالة أنفلونزا الخنازير. في حالة كورونا الشرق الأوسط، من حسن الحظ أنه يمكننا الاستفادة كثيرا من درس وباء «السارس» الذي سببه فيروس مشابه من نفس عائلة الكورونا، وقد أثار ذعرا كبيرا في كافة دول العالم في عام 2003م، وأصاب أكثر من 8000 شخص مات منهم ما يقرب من 800 شخص، ولكن تم احتواؤه بنجاح في حوالي عام واحد. كل ما تطلبه احتواء «السارس» هو التوقف عن أكل الحيوانات الوسيطة الناقلة للمرض وإغلاق الأسواق التي كان يتم تداول هذه الحيوانات فيها مع تطبيق إجراءات العزل والوقاية مع المرضى.
لم يتطلب الأمر إيجاد لقاح أو علاج خاص بفيروس السارس. أغلب الأشخاص الناقلين للسارس كانت تظهر عليهم أعراض التهاب تنفسي حاد، ما سهل اكتشافهم وتطبيق إجراءات العزل المناسبة عليهم، وهو ما تدل المؤشرات أن يكون عليه الوضع مع فيروس كورونا الشرق الأوسط، أما الذين تكون إصابتهم خفيفة، فغالبا لا يلعبون دورا في نقل المرض. كذلك فإن خواص فيروس السارس وشبيهه فيروس كورونا الشرق الأوسط تشير إلى أن الفيروسين بطيئا الانتقال من شخص إلى آخر. وكما نجحت إجراءات مكافحة السارس نأمل ــ بمشيئة الله ــ أن تنجح الإجراءات الاحترازية المشابهة في احتواء وباء كورونا الشرق الأوسط، ومن أهم هذه الإجراءات تطبيق الطرق الفاعلة لمكافحة العدوى في المستشفيات. ختاما، فإن الفهم العلمي الدقيق لكافة طرق انتقال العدوى والتطبيق السليم لأساليب مكافحتها، وليس الذعر الجماعي، هما ما نحتاجه للتعامل مع هذه الجائحة التي باغتنا وأوقعت ضحايا أعزاء من بيننا.
ولذا فإن تحديد دور الإبل في نقل العدوى يشكل خطوة مهمة على طريق التخلص من هذا الوباء، وسيساهم ــ بالتالي ــ في الحفاظ على ارتباطنا المعيشي والتاريخي الوثيق مع هذه الحيوانات.
19:54 | 16-04-2014

أخاف من الأنثى

الأنثى المقصودة هنا هي أنثى البعوض التي تعتبر من أشرس الكائنات الحية حيث إنها، بخلاف ذكر البعوض، هي التي تلدغ بني الإنسان وتنقل إليهم كافة الأوبئة التي تفتك بهم مثل الملاريا وحمى الضنك والحمى الصفراء وحمى الوادي المتصدع وحمى غرب النيل والشيكوجونيا وكثير غير ذلك. يفوق أذى هذه الحشرة بمراحل عديدة أذى السباع والوحوش الضارية التي كافحها الإنسان منذ بداية تواجده على هذه البسيطة. وليس معنى هذا أنه لا يصيبني الهلع أحيانا من أناث أخريات خاصة من بنات حواء، ولكن هذا موضوع آخر.
أكتب عن أنثى البعوض بمناسبة يوم الصحة العالمي لهذا العام الذي خصص للتعريف بنواقل المرض وطرق مكافحتها وشعاره (مخلوقات صغيرة، تهديد كبير). تفتك الأمراض التي تنقلها الحشرات مثل البعوض والقراد والقمل وذباب الرمل أو القواقع التي تنقل البلهارسيا بما يزيد عن مليون شخص سنويا أغلبهم في الدول النامية وتصيب عشرات الملايين بأمراض هامة وإعاقات مختلفة.
أكتفي هنا بالحديث عن البعوض لأنه الناقل الأوسع انتشارا والأكبر ضررا بل هو القاتل الأكبر بين كافة الحيوانات. تهاجم أنثى البعوض الإنسان والحيوانات الفقارية لامتصاص كمية من الدم الذي يشكل لها وجبة غنية بكافة المغذيات التي تساعدها على إنتاج البيض، وهي بذلك تقوم بمهمة أساسية لتكاثر وحفظ نوعها (أي نوع البعوض) بينما يكتفي ذكر البعوض بالتغذي على رحيق الأزهار.
وقد استغلت كافة المكروبات أنثى البعوض كمركبة للانتقال من كائن إلى آخر، فأصبحت تتكاثر في البعوضة وتستغل لدغتها للوصول إلى دم المصاب ولذلك فإن العتب لا يقع بالكامل على البعوضة وحدها بل يشترك فيه المكروب باعتباره المسبب المباشر للمرض. ولا شك أن البعوضة خدمت هذه المكروبات خدمة كبيرة فنقلتها عبر مسافات كبيرة على سطح الكرة الأرضية وحققت لها الانتشار الواسع. تطورت خواص أنثى البعوض لتناسب مهمتها الهجومية بشكل مدهش فأصبحت تفوق خواص أفضل طائرة نفاثة محاربة.
تملك الأنثى إمكانيات دقيقة لاستشعار موقع ضحيتها عن بعد بواسطة المواد التي تطلقها الضحية مثل ثاني أكسيد الكربون وغيره من مواد كيميائية أو بواسطة حرارة الجسم أو الرؤية المباشرة للضحية، وتعرف البعوضة كيف تهاجم وتلدغ بسرعة فتحقن جلد الضحية بلعابها الذي يهيج أنسجة الجسم لجذب الدم إلى مكان اللدغة وكذلك فإنه يمنع تجلط الدم حتى تتمكن البعوضة من شفط كفايتها منه. تهرب البعوضة بخفة قبل أن تتمكن الضحية من البطش بها أو أحيانا، حتى من رؤيتها. كم من ليلة أيقظتنى بعوضة وطردت النوم من عيني وهي تضرب بأجنحتها بمعدل 300 ــ 600 مرة في الثانية قرب أذني فأحس وكأنني أتعرض لغارة جوية كاسحة.
لم تمنعها كافة الاحتياطات التي جهز بها المنزل من نوافذ زجاجية محكمة الإغلاق ومزودة بالسلك ذي الثقوب الدقيقة وحتى من أجهزة مكافحة البعوض الكهربائية من أن تجد طريقها إلى الداخل بوسيلة أو أخرى. كثيرا ما أفقد أعصابي وأدخل معها في مطاردة خاسرة. غالبا ما أضطر لرش الغرفة بالمبيد الحشري والانتظار بالخارج حتى يختفي أثر المبيد مضحيا بأحلى ساعات النوم، وأحيانا لا يسعني الانتظار فأضطر للعودة راجيا أن يكون ضرر المبيد المتبقي أخف من ضرر البعوضة الشرسة.
كثيرا ما أفكر في العودة إلى أيام الناموسيات لتحقيق قدر من النوم الهادئ. في الأوقات النادرة التي يحالفني فيها الحظ بقتل بعوضة أجد في قتلها متعة كبيرة خاصة إذا كانت قد شفطت كمية من دمي وهو ما يجعل حركتها أبطأ ويمكنني أحيانا من قتلها.
تنتابني الوساوس وأتساءل : هل تحمل هذه البعوضة فيروس الضنك أم فيروسا آخر أو طفيلية أخرى ؟ بعد كم يوم يا ترى سترتفع درجة حرارتي وتنتاب مفاصلي الالتهابات والأوجاع ؟ إذا صادفني الحظ وقتلت بعوضة أنظر إليها بتمعن متسائلا: هل هي من نوع الكيولكس أم من نوع الإيديس الناقلة للضنك ؟ قديما كانت الحمى الصفراء تثير الرعب في كافة دول العالم إلى أن تم اكتشاف لقاح فعال للفيروس المسبب لها، ومع ذلك لا زال هذا الوباء يستوطن بعض دول أفريقيا وأمريكا الجنوبية. الملاريا دوخت العالم ولا زالت تفتك بأكثر من 600 ألف طفل كل عام في أفريقيا وحدها. الثنائي الرهيب من طفيلية البلازموديوم مع بعوضة الأنوفيليس نجح في مقاومة كل جهود البشرية لاستئصال هذا الوباء حيث قاومت الطفيلية كافة الأدوية المستعملة، بينما لم يفلح العلم في إيجاد لقاح لها.
في نفس الوقت قاومت البعوضة الناقلة للمرض مختلف المبيدات المستعملة في رش الحشرات البالغة أو اليرقات في أماكن تكاثرها في المياه الراكدة.
لا تزال الحرب على أشدها رغم استعمال وسائل مبتكرة مثل الناموسيات المعالجة بالمبيد الحشري وغير ذلك. ولا تزال الملاريا موجودة ليس فقط في المناطق الاستوائية أو الفقيرة بل حتى في بلاد غنية مثل بلادنا رغم تراجعها إلى القرى النائية في عسير وجيزان بعد جهود مضنية أدت إلى استئصالها من المدن الرئيسة. وعوضا عن الملاريا جاءتنا حمى الضنك التي تنقلها بعوضة الإيديس والتي تعتبر حاليا أكثر الأمراض التي تنقلها الحشرات انتشارا في العالم. دوخت بعوضة الإيديس أمانة مدينة جدة وسكانها بوجه خاص وصرفت المليارات لمحاربتها دون جدوى. وهناك أمثلة كثيرة على مناطق مختلفة من العالم تعاني من أمراض ينقلها البعوض والنواقل الأخرى. رسالة منظمة الصحة العالمية هذا العام تركز على كيفية مكافحة هذه النواقل. هل هناك من الشجعان من لا يخاف من أنثى دوخت البشرية كلها على مدى العصور ؟
19:36 | 9-04-2014

جدة التاريخية .. تكون أو لا تكون

استمرار مسلسل الحرائق في جدة التاريخية، الذي دمر أربعة بيوت أخرى في الأسبوع الماضي، يؤكد أن هناك قصورا واضحا في التصور الأساسي لكيفية حماية هذه المنطقة العزيزة على نفوسنا من الحريق والزوال الكامل وفي مقدار ومستوى الجهد اللازم لتفعيل هذه الحماية. يشمل هذا التصور تحديد أسباب الحريق والتخطيط اللازم لتفاديها أو التعامل مع الحرائق الناتجة فور حدوثها بالسرعة والفعالية المطلوبتين.
من المؤلم أن تشاهد النار وهي تلتهم ذكريات الماضي العزيز. ولولا لطف الله ثم جهود رجال الدفاع المدني البواسل لكان من الممكن امتداد الحريق في هذه المرة بل في كل مرة سابقة ليقضي على عدد أكبر بكثير من هذه البيوت الهشة أو على المنطقة التاريخية بأسرها، إضافة إلى ارواح كثير من سكانها. نسبة كبيرة من بيوت جدة الأثرية التي صمدت لمئات السنين احترقت وتهدمت خلال العشرين السنة الماضية، وتبقى أطلالها هنا وهناك شاهدة على سوء تعاملنا وتفريطنا في هذه الجوهرة النفيسة التي تضيع من بين أيدينا. ولا يحتاج الأمر إلى ذكاء أو مبالغة لتقدير أن البقية الباقية من المنطقة التاريخية سيواجهها نفس المصير المشئوم إن عاجلا أم آجلا إذا لم ترتق جهود التخطيط والتنفيذ لحمايتها إلى المستوى المطلوب فورا وبأقصى سرعة ممكنة. احتراق الأربعة البيوت الأخيرة دفعة واحدة شكل ضربة موجعة إذ جاء بعد مهرجان جدة التاريخية الناجح قبل حوالى شهرين والذي قد يصبح أول وآخر مهرجان أو أحد المهرجانات المعدودة في هذه المنطقة. من السهل تحديد الأطراف التي تقع عليها مسؤولية حماية جدة التاريخية وهي أمانة جدة والدفاع المدني وهيئة السياحة وملاك البيوت الأثرية أنفسهم وسكان هذه البيوت الحاليون من العمالة الوافدة التي تزدحم بها بعض البيوت والتي غالبا لا تتبع الأساليب الآمنة للعيش فيها. كذلك ليس من الصعب تحديد بعض الأسباب الرئيسة لانتشار الحرائق في هذه المنطقة أذكر منها:
1 ــ النفايات المتراكمة داخل هذه البيوت وفوق أسطحها وفي الأزقة والممرات وأيضا في بعض البيوت المهجورة التي قد يتسلل إليها بعض الفئات لممارسة التدخين أو تعاطي المخدرات. هذه النفايات جاهزة للاشتعال في أي وقت وحين.
2 ــ الأحمال الكهربائية التي تتجاوز قدرة الكابلات التي يتم تمديدها وأجهزة التكييف والأجهزة الأخرى التي يتم تركيبها بطرق عشوائية لا تتمشى مع أبسط قواعد السلامة.
3 ــ الازدحام السكاني الذي يفوق بكثير الطاقة الاستيعابية للمسكون من هذه البيوت بسبب تأجيرها لأعداد كثيفة من العمالة الوافدة ذات الدخل المنخفض أو التي ليس لها أساسا مصدر ثابت للدخل. تبعا لذلك يتم استخدام هذه البيوت كمشاغل للخياطة أو مطابخ للمأكولات الخفيفة، أو لأي شيء يحقق دخلا لإطعام الأفواه الجائعة. طبعا تزدحم البيوت بمسببات الحريق المختلفة مثل الأعداد الكبيرة من أنابيب الغاز المستعملة للطهي وقصاصات الأقمشة وأوراق الكرتون. وغالبا لا يتم تخزين واستعمال هذه الأشياء والمواد بصورة آمنة.
4 ــ استخدام بعض البيوت كمستودعات لمواد خطرة سريعة الاشتعال خاصة الألعاب النارية. كل ما تحتاجه للتأكد من ذلك هو المرور بميدان البيعة قبل الأعياد. سترى أعدادا من الشباب من سكان المنطقة الذين يحركون أيديهم بطرق بهلوانية للتسويق للألعاب النارية التي يتم تخزينها هناك.
5 ــ عدم توفر الوسائل القريبة والجاهزة لإطفاء الحرائق عند بداية اشتعالها مثل طفايات الحريق بأنواعها المختلفة التي يمكن للسكان المقيمين استعمالها أو صهاريج تخزين ونقاط ضخ الماء الجاهزة للاستعمال من قبل الدفاع المدني.
ولذا قد يضيع الكثير من الوقت الثمين قبل أن يتمكن رجال الدفاع المدني من إيصال صهاريج الماء ومد ليات الضغط العالي اللازمة إلى مناطق الحريق.
أضف إلى ذلك صعوبة دخول سيارات الإطفاء إلى الأزقة والحواري. قد يقال إن طبيعة المنطقة التاريخية بأزقتها الضيقة وبيوتها المتلاصقة برواشينها وأسقفها الخشبية تجعلها سريعة الاشتعال، مما يوحي بأنه ليس هناك أمل في الحفاظ على هذه المنطقة، وهو كلام مردود لأن هذه المنطقة استطاعت الصمود لمئات السنين رغم وجود مسببات الحريق مثل الجمر والنار التي لم يكن يخلو منها موقد أو مجلس في أي بيت من هذه البيوت. لكن الاستعمال المناسب لهذه البيوت من قبل سكانها الأصليين نجح في الحفاظ عليها لتلك الفترة الطويلة. ختاما كان المفترض من أمانة جدة منذ أن منعت هدم البيوت الأثرية قبل سنوات طويلة وأعلنت نيتها المحافظة على جدة التاريخية أن تكمل جميلها وتضع الأنظمة اللازمة لحماية هذه البيوت من الازدحام والتمديدات الكهربائية العشوائية وتراكم النفايات وأن تحدد الصالح منها للسكن والاستخدامات الأخرى. وكان على الدفاع المدني أن يتأكد من توفر طفايات الحريق الأولية وحساسات الدخان في كل مكان وأن يوفر خزانات الماء وشبكة الإطفاء اللازمة لسرعة الوصول والتعامل مع الحرائق في بدايتها، وتدريب السكان على ذلك، وكان على ملاك البيوت الأثرية تنظيفها من النفايات وترميمها واستثمارها بالشكل الأنسب ومنع الاستخدامات الخطرة وتكدس السكان فيها.
وأخيرا وليس آخرا كان على هيئة السياحة، منذ توليها الإشراف على المدينة التاريخية وتقديم ملفها لمنظمة اليونيسكو، أن تتحقق من كل ما سبق، وإلا لن يكون هناك منطقة تدرجها المنظمة ضمن التراث الإنساني العالمي. على كل محبي جدة التاريخية أن يفيقوا ويدركوا أن جدة التاريخية قد لا تكون.
20:00 | 2-04-2014

التطور الباهر في علاج التهاب الكبد C

حفِل مؤتمر الفيروسات القهقرية والأمراض المعدية المنعقد في بوسطن الشهر الماضي بالعديد من الدراسات التي استعرضت النجاحات الفائقة للأدوية المكتشفة مؤخرا لعلاج التهاب الكبد الفيروسي C أو كما يطلق عليه أحيانا (ج). نسبة الشفاء عند كثير من المرضى الذين تم علاجهم بخليط من نوعين أو أكثر من هذه الأدوية الجديدة، خاصة في المراحل الأولى من المرض، قاربت 100 % بينما لم تكن تتعدى 25 % قبل بضع سنوات عندما كان «الإنترفيرون» هو العقار الوحيد المتوفر. هذه النجاحات تحمل آمالا كبيرة للمرضى المصابين بهذا الفيروس والذين يصل عددهم إلى حوالي 200 مليون مصاب في العالم. أكثر من ذلك، تأخذ الأدوية الحديثة، ويطلق عليها الأدوية ذات الأثر المباشر، كجرعة واحدة في اليوم عن طريق الفم وليس عن طريق الحقن كما هو الحال مع الإنترفيرون. كما أن كثيرا منها يخلو من الأعراض الجانبية المزعجة المصاحبة للإنترفيرون والتي تضطر نسبة لا بأس بها من المرضى للتوقف عن العلاج بهذا الدواء. إضافة إلى ذلك، تم تقليص فترة العلاج لبعض أنواع الفيروس إلى 12 أو 24 أسبوعا بدلا من الـ 48 أسبوعا كما في السابق.
لا شك أن هذه أخبار سارة لكل من يعاني من هذا المرض الذي تتحول الإصابة به إلى مرض مزمن في 80 % من الحالات وقد تؤدي إلى تليف الكبد أو تشمعه وفشله أو حتى إلى سرطان الكبد في نسبة لا يستهان بها من المرضى، إلى درجة أن هذا المرض أصبح في السنوات الماضية من أكثر دواعي عمليات زراعة الكبد. ينتقل فيروس التهاب الكبد C بعدة وسائل كان من أهمها نقل الدم الملوث قبل تطوير طرق الكشف الحديثة، واستعمال الحقن الملوثة بين متعاطي المخدرات الوريدية، وبصورة أقل بواسطة الاتصال الجنسي أو من الأم المصابة إلى الجنين. كيف تحقق هذا النجاح ولماذا تأخر تطوير هذه الأدوية لعدة سنوات منذ اكتشاف الفيروس المسبب للمرض في عام 1989م؟ في الواقع أن اكتشاف فيروس التهاب الكبد C شكل منذ بدايته انتصارا كبيرا لعلم الأحياء الجزيئية وطرق الهندسة الجينية (الوراثية).
فقد تم اكتشاف الفيروس وتشخيصه بهذه الطرق الحديثة وليس بالطريقة التقليدية التي تعتمد على زراعة الفيروس في مزارع الخلايا. الصعوبة البالغة التي واجهها العلماء في زراعة الفيروس أخرت اكتشاف أدوية محددة لعلاجه لذا كان الاتجاه لاستعمال الإنترفيرون الذي يعتبر أحد وسائل الدفاع العامة للجسم ضد الفيروسات بكافة أنواعها. بعد ذلك تم إضافة عقار «الرايبافيرين» المستعمل سابقا مع عدة فيروسات أخرى والذي يعمل بطريقة غير محددة.
بداية النقلة النوعية الكبيرة في اكتشاف الأدوية ذات الأثر المباشر التي تعمل على إنزيمات محددة في الفيروس كانت مع اكتشاف وسيلة لتكثير الفيروس في الخلايا باستعمال طرق الهندسة الوراثية اعتبارا من 2005م. أدى ذلك في عام 2011م إلى إنتاج عقاري «بوسيبريفير» و«تلابريفير» المثبطين لإنزيم البروتياز الذي يساعد الفيروس على قص بروتينات الفيروس في شكلها النهائي. تبع ذلك عقار «سايمبريفير» الذي يعمل بطريقة مشابهة. بعد عامين من ذلك تم إنتاج عقار «سوفوسبيوفير» الذي يمنع تكاثر الفيروس بتثبيط إنزيم البلمرة الفيروسي. أخيرا تم تطوير عقار «ليديباسفير» الذي يستهدف بروتينا آخر يساعد على تكاثر الفيروس وتفادي الأجهزة الدفاعية للجسم. حاليا يتم إجراء دراسات مختلفة لاختيار الأفضل والأفضل من بين مجموعات هذه الأدوية. رغم هذه النجاحات الباهرة ستشكل الأسعار الباهظة لهذه لأدوية الحديثة لالتهاب الكبد C العائق الأكبر للاستفادة المثلى منها، خاصة للمرضى المحتاجين في الدول النامية. يتطلب ذلك بذل جهود كبيرة خاصة من المنظمات العالمية للتوصل إلى حلول مع الشركات الصانعة لتوفير هذه الأدوية بأسعار معقولة تناسب إمكانيات هذه الدول، مثلما حدث مع أدوية الإيدز سابقا. أيضا يمكن التفاوض مع الشركات المكتشفة للأدوية على السماح بتصنيعها في بعض الدول النامية مثل الهند، وهناك مؤشرات على حدوث مثل ذلك.
وتأتي دولة مصر الشقيقة على رأس قائمة الدول التي تحتاج إلى توفير الأدوية الجديدة حيث ترتفع فيها الإصابة بالفيروسC عن كل دول العالم مكونا مشكلة صحية كبرى. سبب انتشار هذا الفيروس هناك كان الاستعمال الواسع للحقن الملوثة عند علاج مرض البلهارسيا قبل اكتشاف الأدوية التي تعطى بالفم. أخيرا شكلت صعوبة زراعة الفيروس وقدرته الكبيرة على تغيير شكله بسرعة عائقين أمام إنتاج لقاح فعال يحمي من الإصابة بالعدوى وحدوث المرض مما يضاعف من أهمية توفير العلاجات الحديثة الباهرة لكل المرضى المصابين المحتاجين للعلاج. كما ينبغي التأكيد على أهمية توفير وسائل التشخيص المخبري الدقيق للكشف المبكر عن المصابين بالعدوى تمهيدا لعلاجهم. اكتشاف الأدوية الحديثة الفعالة لعلاج فيروس التهاب الكبد C يعتبر من أكبر الإنجازات الطبية في العصر الحالي التي يمكن أن تزيل معاناة كثير من المصابين بهذا الوباء الهام.
 

20:00 | 26-03-2014

عدم الإفراط في تناول الملح والسكر

تناولت الندوة التي عقدت مؤخرا في جدة تحت عنوان «تأثير أنماط الحياة الحديثة على الصحة» عدة محاور منها أثر الغذاء على الصحة وأثر السمنة على الصحة وأثر البيئة على الصحة. أتناول هنا بعض ما استعرضه المتحدثون من الأخطار الصحية للإفراط في تناول ملح الطعام والسكر. من الواضح أن كثيرا من المأكولات الحديثة تحتوي على كميات مبالغ فيها من الملح أو السكر، أكثر بكثير مما يتطلبه الجسم. ربما بدأ ذلك مع تزايد إنتاج هاتين المادتين واكتشاف خاصتهما كمادتين حافظتين للأطعمة ومنعها من التعفن، مع أنه حاليا،
وفي ضوء توفر التبريد على نطاق واسع انتفت الحاجة لاستعمالهما لهذا الغرض. تدريجيا ازدادت حاسة التذوق لهاتين المادتين وازداد استعمالهما بصورة كبيرة. شركات صناعة الأغذية المعبأة والأغذية السريعة استغلت الرغبة المتزايدة في الأطعمة المملحة لتزيد من كميات الملح أكثر وأكثر. النتيجة أن الاستهلاك اليومي للملح قد يصل إلى 9-12 جرام بينما يعتبر المعدل الأمثل 1.5-2.3 جرام فقط. هناك العديد من المؤشرات على حدوث آثار ضارة لهذه المعدلات المرتفعة من الملح وإن كان العديد من الجوانب يحتاج إلى المزيد من الدراسة. خذ مثلا ارتفاع ضغط الدم وعلاقته بأمراض القلب والشرايين. من الإنجازات الصحية الباهرة التي تمكنت بعض الدول المتقدمة من تحقيقها خفض الوفيات بسبب السكتة القلبية بواسطة اكتشاف وعلاج ضغط الدم المرتفع لدى المصابين بواسطة الأدوية المخصصة لذلك والحمية المناسبة. وحيث إن التقليل من تناول الملح يساعد على انخفاض ضغط الدم فإن النصيحة المقدمة لمرضى الضغط المرتفع هي بالتقليل من تناول الملح. شركات صناعة الأغذية لن تتطوع بنفسها لتقليل الملح بل في الغالب أنها ستحتاج إلى تشريعات تدفعها إلى ذلك. وقد ثبت لدى بعض الدول التي أصدرت مثل هذه التشريعات أنه يمكن خفض كمية الملح في العديد من الأطعمة الجاهزة تدريجيا دون أن يحس المستهلك بذلك. هناك سبب آخر لإصرار شركات صناعة الأطعمة الجاهزة والسريعة على رفع كمية الملح في منتجاتها وهو أن ذلك يزيد من الشعور بالعطش مما يدفع بالمستهلك إلى تناول المشروبات المحتوية على نسبة عالية من السكر حيث توفرها له تلك الشركات بكثرة في مطاعم الوجبات السريعة وبذلك تحقق مكسبين في آن واحد. ازدياد استهلاك السكر سواء في هذه المشروبات أو في مختلف الأطعمة الجاهزة من الأسباب الرئيسة للسمنة التي أصبحت تشكل وباءً عالميا متزايدا يؤدي إلى العديد من الأمراض الخطيرة والقاتلة من أهمها النوع الثاني من مرض السكري بمضاعفاته المختلفة وأمراض القلب والشرايين. هناك جانب آخر بالنسبة لنوع من أنوع السكر تناوله أحد المتحدثين وهو سكر الفركتوز. هذا السكر الأحادي هو أحد النوعين الذين يتكون منهما سكر الطعام (السكروز) ثنائي التكوين، وهما سكر الجلوكوز وسكر الفركتوز. مع أن سكر الفركتوز يدخل في تكوين سكر الطعام ويوجد في العديد من الفواكه إلا أن الإكثار منه مثل ما حدث على وجه الخصوص بسبب استعماله بكثرة في المشروبات الغازية قد يؤدي، على حد قوله، إلى مضاعفات وخيمة منها السمنة والسكري والكبد الدهنية. ليس من المستغرب أن كثيرا من الدول منعت بيع المشروبات الغازية المحتوية على نسبة عالية من السكريات مثل السكروز والفركتوز في المدارس لمكافحة الانتشار السريع والمتزايد للسمنة بين طلاب المدارس. خلاصة القول إن من المحبذ الاعتدال في تناول الملح والسكر والإكثار من تناول الخضروات والفواكه والحبوب الغنية بالألياف وتجنب الوجبات السريعة والأطعمة الجاهزة المحتوية على نسب عالية من الدهون والملح أو السكر بأنواعه المختلفة. على الرغم من كل الإمكانيات التي توفرها لنا الحياة الحديثة بإيجابياتها الكثيرة، فإن بعض أنماطها أصبح مسؤولا عن كثير من الجوانب السلبية على الصحة التي تؤدي إلى مشاكل يصعب علاجها ومن أهم ذلك الغذاء غير الصحي.
19:32 | 19-03-2014

فوسفين

كنا في حاجة ماسة إلى مثل هذا العمل. لا أدل على ذلك من الانتشار الهائل الذي حققه فيديو «فوسفين» في الأيام القليلة من عرضه على الـ«يوتيوب» حيث حظي بمشاهدة حوالي أربعة ملايين مشاهد. مسلسل حوادث التسمم بمبيد الفوسفين القاتل استمر عندنا، خاصة لسبب ما في مدينة جدة، ولم يتوقف بل تزامنت آخر حلقاته حتى مع أيام تداول الفيلم. كل ما نشر عن هذا الموضوع وكل ما اتخذ من إجراءات من قبل الدفاع المدني والبلدية ووزارتي الصحة والزراعة والإمارة حتى حينه باء بالفشل. وجاء هذا الفيلم لينكأ الجراح التي لم تمت، ولينبهنا جميعا بأن أي واحد منا لا يزال عرضة لأن يكون هو أو أي من أبنائه الضحية التالية. الفيلم اكتسب مصداقية عالية لأنه جاء مباشرة من أفواه أهل الضحايا الذين سمعنا عنهم من خلال الحوادث الأليمة التي لا تنسى. هذا والد الطفلين ميسرة ومسرة يروي تفاصيل الساعات الأخيرة معهما. وهذا والد رزان الحربي يشرح مأساته ثم يقوم بجولات تثبت توفر المبيد في بعض البقالات الممنوع تداوله فيها. وهذا قريب لضحايا آخرين يروي المعاناة التي مرت بها عائلتهم في المستشفى. كل هؤلاء لم يقتنعوا بأن ما حدث لهم أمر عادي لا يمكن تفاديه بالكامل مثل حوادث السيارات التي تحدث كل يوم بل كانوا متيقنين أن حوادث التسمم بالفوسفين تدل على وجود إهمال غير مبرر لا يمكن قبوله أو الاستسلام لحدوثه. الفيلم أثبت سهولة الحصول على المبيد بمكالمة تلفونية بسيطة إلى بعض العاملين في مؤسسات مكافحة الحشرات وغيرهم يتم بعدها إيصاله إلى أي مكان مطلوب مقابل أسعار مضاعفة ودون أن يكشف البائع عن هويته أو يتحمل أدنى مسؤولية، تماما مثل ما يحدث عند بيع المخدرات. الحقيقة لا أدري كيف يمكن تبرير توفر هذا المبيد الزراعي لدى شركات مختصة بمكافحة الحشرات المنزلية بل إن استعماله في بعض الحوادث السابقة كان مباشرة بواسطة عمال هذه الشركات وهم الذين يفترض أن يكونوا على معرفة تامة بالمبيدات المناسبة للاستعمال المنزلي. كما أنه لا يتضح إذا كان مصرحا لهذه الشركات الجمع بين مكافحة الحشرات في المحاصيل الزراعية والمجمعات السكنية. الفيلم لم يخل من الاستعانة بأطباء وأساتذة جامعة لشرح بعض النواحي الطبية والعلمية عن المبيد وحتى من تجربة فعلية على الفئران لإيضاح مدى سميته وسرعة مفعوله. كذلك كانت هناك مشاركة من ضابط الدفاع المدني أوضحت أهمية التبليغ وإخلاء المبنى عند الاشتباه في استعمال المبيد.
كما شارك أحد القانونيين الذي أكد على وجود إهمال وخلل قانوني يتمثل في عدم محاسبة الجناة المتورطين في توزيع المبيد على الأماكن التي يحظر فيها بيعه أو استعماله في غير الاستعمالات المخصص لها وهي تعقيم المحاصيل الزراعية من الآفات الحشرية. الرسالة المؤسفة التي أوصلها أهالي الضحايا في الفيلم هي عدم تلقيهم الاهتمام اللازم وعدم اقتناعهم بمستوى الجهد المبذول للتوصل إلى إدانة لأي من المتسببين في الحوادث حتى بعد أن حفيت أقدامهم في التنقل لعدة سنوات بين الجهات الأمنية والمحاكم . هل حقق فيلم «فوسفين» القدر الكافي من الوعي العام لتفادي الحادثة التالية تماما؟ لا أعتقد أنه يمكن أن نطمع في ذلك وإن كان الوعي بخطورة هذا المبيد من أهم العناصر التي ستساعد إن شاء الله على تلافي نسبة كبيرة من هذه الحوادث. لا ننسى أن هناك عددا كبيرا من الناس ممن لا يتابع وسائل التواصل الاجتماعي أو الإعلام. كما أن هناك عددا كبيرا من المقيمين في بلادنا ممن لا يتكلمون اللغة العربية أساسا. لذا فإن هناك عناصر أخرى ضرورية منها الرقابة الصارمة على الشركات الزراعية التي يسمح لها باستيراد وتوزيع هذا المبيد لتعقيم المحاصيل. وكذلك الجولات التفتيشية والتحريات الميدانية للتأكد من عدم توفر المبيد أو إمكانية الحصول عليه بطرق مشبوهة واستعماله في غير ما خصص له.
ومن الاقتراحات التي قدمتها في مقال سابق ما يتم اتباعه في بعض الدول عند توقيع عقود الإيجار في العمائر والمجمعات السكنية من توقيع المستأجر على تعهد بعدم استخدام هذا المبيد بالذات أو غير ذلك من المبيدات الممنوعة أو المواد الخطرة. برغم كل هذا يبقى السؤال الحائر وربما الأهم الذي أثاره الفيلم وتابعه المشاركون في إنتاج الفيلم في لقائهم مع برناج «الثامنة» التلفزيوني وهو: لماذا وإلى متى تستمر وزارة الزراعة في السماح باستيراد مبيد الفوسفين بعد كل هذه الحوادث، خاصة مع توفر بدائل أكثر أمانا إما في مستوى سميتها وانتشارها أو في متطلبات استعمالها مثل حاجتها لأجهزة الرش والتبخير التي يصعب استخدامها في المنازل أو من قبل غير المختصين؟ وإذا كان بإمكان دول أخرى الاستغناء عن هذا المبيد فما سبب استمراره عندنا؟ ختاما ونحن بانتظار إجابة شافية أو قرار حاسم من وزير الزراعة لا يسعني إلا أن أكرر إعجابي بفيلم «فوسفين» وشكري لكل من ساعد على إخراج هذا العمل الصريح المتميز.
20:13 | 12-03-2014

إعلان جدة للتصدي لفتاوى تحريم لقاح شلل الأطفال

من المؤمل أن يشكل العام الحالي 2014م نقطة مهمة في تاريخ استئصال شلل الأطفال. نوعان من الثلاثة أنواع من الفيروس اختفيا من على سطح الكرة الأرضية: النوع رقم 2 اختفى منذ عام 1999م، والنوع رقم 3 اختفى منذ عام 2013م. أنماط كثيرة من النوع رقم 1 المتبقي اختفت بدورها ولم يعد هناك إلا نمطان من أصل عشرين نمطا، مما يضعف قدرة هذا النوع على مقاومة جهود الاستئصال. كل دول العالم نجحت في استئصال المرض عدا ثلاث دول: باكستان وأفغانستان ونيجيريا. وبالرغم من عودة المرض إلى بعض الدول التي استأصلته في السابق مثل سوريا والصومال بسبب الانقطاع المتكرر لجهود اللقاح هناك إلا أن عدد حالات الشلل في العالم في العام الماضي كان 404 حالات فقط. الزخم العالمي على أشده لاستئصال المرض وتحقيق إنجاز طالما تطلعت البشرية إليه وبذلت نحوه الكثير.
في خضم هذا الانتصار الباهر والصعب في المعركة مع فيروس الشلل ظهرت عقبات، ليست من الفيروس ولكن، للأسف، من صنع البشر أنفسهم، وقفت هذه العقبات كحجر عثرة أمام جهود الاستئصال مما سبب تأخره عن الهدف المحدد لأكثر من 14 سنة. هذه العقبات تمثلت في النزاعات المسلحة التي طالما عرقلت جهود التطعيم، ثم أكثر من ذلك، في رفض مجموعات من الناس في بعض الدول للتطعيم أساسا. استند هذا الرفض على حجج واهية عن سلامة التطعيم، وتم زج جهود التطعيم وسط الصراعات السياسية، ثم خرجت جماعات إسلامية متشددة بتحريم مبدأ اللقاح بحجة أنه اعتراض على قدر الله. لم تكتف بعض هذه الجماعات بذلك بل قامت، في الباكستان خاصة، باغتيال أفراد الفرق الصحية المكلفة بالتطعيم حيث تجاوز عدد العاملين الصحيين المغدورين هناك حتى الآن أربعين قتيلا في حوادث مختلفة كان آخرها يوم الأحد الماضي في منطقة خيبر. أمام هذه الجرائم البشعة التي تحاول التلبس بشعار الدين الإسلامي الحنيف وهو أبعد ما يكون عنها، وحيث إن الدول التي لا يزال يستوطن فيها المرض أو عاد إليها مؤخرا مثل سوريا والصومال هي دول إسلامية، لذا كان واجبا على أكبر الهيئات والمرجعيات الدينية الإسلامية أن تتصدى لهذه الافتراءات والعراقيل التي لا يتحمل نتائجها إلا أطفال العالم الإسلامي. من هنا تأتي أهمية «إعلان جدة» الذي صدر في الأسبوع الماضي بعد اجتماع الفريق الاستشاري الإسلامي العالمي برئاسة مجمع الفقه الإسلامي الدولي والأزهر الشريف ورعاية البنك الإسلامي للتنمية ومنظمة التعاون الإسلامي. هذا الإعلان هو استمرار لجهود بلادنا المحمودة في دعم مسيرة استئصال شلل الأطفال والتي شملت مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لاستئصال هذا المرض من باكستان، وكذلك جهود دول إسلامية أخرى ومنظمات منها الدعم المقدم من البنك الإسلامي للتنمية إلى الحكومتين الباكستانية والأفغانية.
أكد إعلان جدة بقوة على أهمية التضامن الإسلامي في التصدي لوباء شلل الأطفال، وعلى دعم الجهود العالمية لاستئصاله، وأن ذلك يتوافق مع المبادئ الإسلامية والأحكام الشرعية. أي أن جميع الفتاوى الممانعة لحملات تطعيم شلل الأطفال باطلة ولا تستند إلى أسس علمية أو شرعية، لأنها تمس صلب مقاصد الشريعة الإسلامية في الحفاظ على صحة الإنسان واستقراره. وقد جاء من الأزهر الشريف إن التطعيم ضد شلل الأطفال واجب، والممتنع عنه آثمٌ شرعا. وجاء في الإعلان أنه ينبغي رفض الأوهام حول هدف حملات التطعيم، والتأكيد على سلامة لقاحات الشلل وفعاليتها، وأن نفس هذه اللقاحات تم استخدامها لاستئصال الشلل في 54 دولة إسلامية بين دول العالم وهي المستخدمة في تطعيم جميع القادمين إلى الحج والعمرة من الدول الموبوءة. أدان الإعلان بشدة الهجمات التي تشن على العاملين في المجال الصحي لأنها تتعارض مع التعاليم الإسلامية والقيم الإنسانية، وناشد القيادات السياسية والدينية في العالم الإسلامي العمل بشكل سريع لدعم الجهود التي ترمي إلى وقف حملات العنف ورفع كل أنواع الحظر على نشاطات التطعيم وطالب بأن تقدم الحكومات والمجتمعات المدنية والهيئات الدينية كل المساعدات اللازمة والمزيد من الإجراءات لضمان سلامة وأمن جميع العاملين في المجال الصحي الذين يؤدون واجباتهم لحماية أطفالنا من الأمراض الفتاكة بشكل كامل وفي كل المناطق التي يصعب حالياً الوصول إليها.
كما دعا الحكومات، والمنظمات الخيرية والأهلية والمنظمات الدولية للنظر بعين التقدير إلى الخدمات التي قدمها الذين قتلوا منهم أثناء تأدية الواجب، وإلى تقديم الدعم لأسرهم عن طريق إنشاء صناديق مخصصة لهذا الغرض.
كنا نتمنى ألا يتم إقحام الدين أو الصراعات السياسية في جهود استئصال الشلل ولكن حيث إن ذلك أمر واقع فلا بد من جهد إسلامي عالمي قوي للتصدي له. لا أدري كيف يكون شعور من يحرم أطفاله وأطفال أهله وأقاربه أو أي طفل آخر من فوائد التطعيم ثم يراهم وقد أصيبوا بالإعاقة الدائمة لبقية حياتهم. لا شك أن شعوب العالم وأطفاله لن يغفروا لهؤلاء فتاواهم المضللة وجرائمهم الوحشية. يجب أن تتكاتف الشعوب الإسلامية لحماية أطفالها من الشلل في كل مكان وأن لا تسمح لأي جماعات إرهابية مدعية أن تعرقل بالباطل جهود العالم أجمع للفوز المأمول في معركة الإنسانية ضد شلل الأطفال.
19:57 | 5-03-2014

اغتيال النمر العربي وتناقص الحبارى

كنت أتطلع إلى رؤية النمر العربي ، ذلك الحيوان النادر، في إحدى حدائق الحيوان أو المحميات في بلادنا وليس كجثة معلقة من شجرة ظهرت على صفحات الجرائد كما حدث قبل أيام عندما قام أحدهم في وادي نعمان بمنطقة مكة المكرمة بتسميم جيفة تناولها النمر فلقي حتفه. أتمنى أن لا تمر هذه الجريمة دون فرض غرامة كبيرة على المتسبب، كما أقترح أن يجبر على قضاء فترة في إحدى المحميات للاطلاع على الجهود التي تبذل للحفاظ على هذه المخلوقات المدهشة. لا أحد يعرف بالتحديد كم بقي من هذا الحيوان الذي استطاع مقاومة ظروف الصحراء القاسية لآلاف السنين ولكنه الآن يوشك على الانقراض بسبب جور الإنسان. لم يتبق من النمر العربي في العالم كله إلا حوالى 250 نمرا أغلبها في الجزيرة العربية وخاصة المرتفعات الجبلية على الساحل الغربي، وقد أصبح من الحيوانات الموشكة قريبا على الانقراض حسب تصنيف اللائحة الحمراء للاتحاد العالمي للحفاظ على الطبيعة. وفي دراسة مستفيضة بين عامي 1998م و 2001م على 153موقعا في مناطق تواجد هذا النمر في بلادنا لم يتمكن الدكتور الجهني من جامعة الملك سعود إلا من رصد 65 نمرا بينما أثبت الغياب الكامل لهذه النمور من بعض المناطق الشمالية التي كانت متواجدة فيها. ولا شك أن العدد قد تناقص أكثر منذ ذلك الحين ليس فقط بسبب القتل المباشر لهذه النمور ولكن بسبب غياب طرائدها الطبيعية مثل الغزلان والوعول والثعالب والطيور والأرانب، وغير ذلك بسبب الصيد الجائر لهذه المخلوقات من قبل الإنسان. بل إن أحد أنواع الغزال الذي يعرف بالغزال السعودي (Gazella saudiya) قد انقرض بالكامل وفقا لموقع ويكيبيديا بالشبكة المعلوماتية. كل ذلك يدفع هذه النمور أحيانا للتعدي على الماشية التي يقوم أصحابها بالانتقام من النمر بصيده أو تسميمه بدلا من طلب تعويض عن الأعداد البسيطة من الماشية التي يفقدونها كما ينبغي أن يكون عليه الحال. هذه النمور تتحاشى الانسان ولا تشكل خطرا عليه بل تقوم بالصيد في أوقات محددة وبالمقدار اللازم لسد رمقها لا أكثر. أدعو الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها إلى بذل جهد أكبر في حماية الأعداد البسيطة المتبقية من النمر العربي وذلك بالإسراع في إكمال منظومة المحميات الطبيعية التي خططت لإنشائها لإعطاء النظم الطبيعية وما فيها من حيوانات نادرة فرصة أكبر للبقاء، كما أدعوها لنقل بعض هذه المخلوقات من المناطق التي يزداد فيها تهديدها إلى محميات أو حدائق للحفاظ عليها من القتل العشوائي. كما أدعو وزارة التربية والتعليم ووسائل الإعلام المختلفة إلى تكثيف الجهود للتعريف بالحياة الفطرية في بلادنا وأهمية المحافظة عليها. المخلوق الثاني الذي ذاع اسمه في وسائل الإعلام في الأيام الماضية هو طائر الحبارى الذي يتناقص أيضا بسرعة على الأخص في بلادنا وربما يتردى موقعه على القائمة الحمراء المشار إليها أعلاه للحيوانات المهددة بالانقراض. الحبارى هي الطريدة المفضلة لرياضة الصيد بالصقور العربية الأصيلة. وغياب الحبارى قد يتبعه تناقص الصقور الرائعة. للأسف لم تعد الحبارى تتكاثر في الطبيعة بمعدل كاف يضمن استمراريتها وذلك بسبب الصيد الجائر ولذلك تبذل الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية جهدا مشكورا في عمليات التلقيح الصناعي بأخذ الحيوانات المنوية من الذكور ووضعها في الإناث. للأسف حتى مع القيام بذلك فإن نسبة النجاح في إنتاج بيض ملقح تنتج منه طيور جديدة نسبة صغيرة لم تتعد 79 بيضة من أصل 1716 بيضة كما ورد في تقرير الهيئة الذي تم عرضه على مجلس الشورى مؤخرا. لا شك أن مثل هذه النتائج التي لفتت انتباه المجلس محبطة وتحتاج إلى الدراسة وقد تكون مؤشرا على مزيد من التدهور السريع في أعداد الحبارى. من المؤسف أن عددا من كتابنا تناول الموضوع بالتهكم وكأنه سبب لشغل المجلس الموقر عن مناقشة أمور أهم مثل البطالة. أتفق مع سمو الأمير بندر بن سعود بن محمد رئيس الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية في وصفه لهذا التناول بضيق الأفق وعدم المعرفة بأهمية الحياة الفطرية والبيئة. من ناحيتي أقول لهؤلاء الإخوة من الكتاب الكرام إن الاهتمام بالمحميات الطبيعية والمتنزهات الوطنية يشكل الأساس لصناعة كاملة تعتمد على السياحة البيئية التي يمكن لها أن تخلق الكثير من الوظائف للشباب وتجذب رؤوس الأموال ونسبة جيدة من الإنفاق السياحي إلى الداخل. تصوروا عدد السياح الذين يمكن اجتذابهم من الداخل أو الخارج لزيارة محميات طبيعية أو سفاري وحدائق عامرة بأنواع الحياة الفطرية من غزلان وطيور وزواحف ونباتات صحراوية وأزهار مختلفة أو للاستمتاع بجمال الصحراء ونقاء هوائها أو لتعلم تسلق الجبال أو طريقة الصيد بالصقور أو للاستمتاع بالسباحة في شواطئ نظيفة والغوص لمشاهدة أعاجيب البحار. بداية المشوار لتحقيق نهضة سياحية مرموقة هي أن نتعلم أهمية الحفاظ على ثرواتنا الطبيعية بما في ذلك النمر العربي والحبارى.
19:35 | 26-02-2014