أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/global_files/author-no-image.jpg?v=1

زكي الميلاد

سؤال النهضة

لعل أبلغ سؤال طرح في ساحة عصر النهضة في المجال العربي الحديث، هو سؤال شكيب أرسلان (1286 ــ 1366هـ/1869 ــ 1946م): لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ الذي اختاره عنوانا لكتابه الوجيز، الصادر سنة 1930م، وبفضل هذا السؤال اكتسب هذا الكتاب شهرة واسعة، بقي محتفظا بها على طول الخط. ولولا هذا السؤال، وبلاغته وحكمته ما عرف هذا الكتاب، وما اكتسب كل هذه المعرفة، وهذه الشهرة المتقادمة والعابرة بين الأزمنة، فالكتاب عرف بهذا السؤال، وبقي وما زال يعرف به، ولو كان له عنوان آخر لما عرف هذا الكتاب، ولكانت شهرته بالتأكيد أقل حظوة. ومن هذه الجهة، فإن هذا الكتاب يعد من نمط الكتب التي عرفت بعنوانها، وبلاغة سؤالها، ليس هذا فحسب، بل إن عنوان الكتاب وسؤاله، بات أكثر شهرة وتداولا من الكتاب نفسه نصا وموضوعا، فهناك الكثيرون في المجال العربي الذين يعرفون عنوان الكتاب، ويتعاملون معه في مجالهم التداولي جدلا ونقاشا، لكنهم لم يطالعوا الكتاب، ولم يتعرفوا على محتوياته ومواضيعه، وطبيعة إشكاليته الفكرية والبنيوية.
وتتكشف هذه الملاحظة، عند معرفة أن مستويات العودة إلى الكتاب والاقتباس منه، وتداول نصوصه، هي أقل بكثير مقارنة بالعودة إلى عنوانه، والتوقف عند سؤاله، وبشكل لا يكاد يقارن، ومن هذه الجهة يتفوق عنوان الكتاب وسؤاله، على الكتاب نفسه نصا وموضوعا. ولو أردنا البحث عن ماذا بقي من كتاب أرسلان، لجاز لنا القول إن أكثر ما بقي منه، هو سؤاله الذي ما زال حاضرا ومتحركا، وما زال يستقطب الجدل والنقاش في ساحة الكتاب والباحثين على تعدد وتنوع خطاباتهم ومنهجياتهم، واختلاف وتباعد ميولهم وأذواقهم الفكرية والثقافية، ومع تقادم وتعاقب أزمنتهم وأجيالهم. ومع هذا السؤال أصبح لخطاب النهضة العربي والإسلامي سؤال، عرف بسؤال النهضة، وتحدد بهذه الصفة من ناحية المعنى، وبهذه المنزلة من ناحية الاعتبار، وجاء هذا السؤال ولبى حاجة حقيقية، هي حاجة البحث عن سؤال النهضة؛ لكونه يقع في طريق البحث عن ما هو سؤال النهضة!
السؤال الذي كان لا بد أن يطرح، ومآله أن يطرح في يوم من الأيام، وفي زمن من الأزمنة، وذلك لأن كل خطاب نهضوي بحاجة إلى سؤال نهضوي، ينبثق منه، ويعبر عنه، وعن طبيعة إشكاليته، ويختزل مطلبه ومطالبه، ويشع بفلسفته وحكمته.
ولو لم يطرح هذا السؤال، ويتبوأ منزلته بصفته سؤال النهضة، وسؤال الخطاب النهضوي، لكنا في حالة تساؤل من الأمس إلى اليوم، عن سؤال يحمل هذه الصفة، وتكون له مثل هذه المنزلة.
19:41 | 22-04-2014

صدام الحضارات .. والنقد الأمريكي

يقدم كتاب (الحضارات في السياسة العالمية) صورة عن طبيعة النقد الأكاديمي الأمريكي لأطروحة هنتنغتون في صدام الحضارات، وكيف أن هذه الأطروحة جوبهت بنقد صارم في معقلها، وجاء من الحقل الذي ينتمي إليه هنتنغتون حقل العلوم السياسية، ومن أشخاص يعرفهم ويعرفونه، وبعضهم كان على تواصل معه، مثل محرر الكتاب بيتر كاتزنشتاين الذي أشار إلى هذا التواصل في مقدمة الكتاب.
والكتاب من هذه الجهة يعد مهما، من جهة التعريف بهذا النمط من النقد الأكاديمي الذي لم يكن معروفا عندي بهذه السعة وبهذه الصرامة، ولم يكن متداولا ــ حسب علمي ــ على نطاق واسع في المجال العربي.
وفي نظر هؤلاء النقاد، أن أطروحة هنتنغتون جديرة بالعناية والاهتمام النقدي، وذلك لطبيعتها ومزاياها الفكرية من جهة، ولنجاحها في إثارة الانتباه إليها في أمريكا والعالم من جهة أخرى. فهذه الأطروحة المثيرة للجدل ــ حسب وصف وقول كاتزنشتاين ــ قد أصبحت التحليل الأوسع اقتباسا، والأوفر ترجمة في العالم، إذ ترجمت إلى تسع وثلاثين لغة، ونجح هنتنغتون أكثر من أي باحث آخر ببراعة وامتياز في تحقيق غرضه الأول، إذ وفر أنموذجا إرشاديا جديدا للنظر إلى السياسة العالمية بعد انتهاء الحرب الباردة، وبهذا يكون هنتنغتون قد عبر عن رؤية سياسية مهمة، ووضع يده على تحول ثقافي بالغ الأهمية في السياسة العالمية.
وتأكيدا لهذه الأهمية، يرى جيمس كورث (أحد المشاركين في الكتاب) أن من شأن أي مناقشة معاصرة لموضوع الحضارات، إلا وتأخذ بعين الاعتبار الأنموذج الإرشادي الذي طرحه هنتنغتون في صدام الحضارات، المقولة التي وصفها كورث بالملحمة.
هذا عن جانب الأهمية والقيمة في أطروحة هنتنغتون، أما عن جانب النقد والذي أخذ في الكتاب منزلة الأصل والأساس، مع ذلك فقد جاء متفرقا ومتناثرا، وبطريقة غير ممنهجة ومنظمة، وبحاجة إلى جمع وربط، وعند النظر فيه يمكن ضبطه وتحديده في نقاط، وسوف نشير هنا إلى نقطتين، هما:
أولا: أدى عمل هنتنغتون إلى إثارة اهتمام متجدد، لدى عدد قليل من أساتذة العلوم السياسية الأمريكيين، الذين بادروا إلى اختبار أطروحته النواة، غير أن هذه الأطروحة لم تناقش في الأوساط الأكاديمية البحثية، بمقدار ما نوقشت في المجال العام، ومن قبل مفكري ثقافة عامة.
ثانيا: عبرت أطروحة هنتنغتون عن رؤية سياسة مهمة، غير أنها ــ في الوقت نفسه ــ أغفلت عن رؤية أخرى، فمن جهة أدرك هنتنغتون بفطنة الأهمية المتنامية للحضارات الجمعية بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، أما الرؤية المهمة الأخرى التي غابت عنه، فتمثلت بعدم إدراك الأهمية المفتاحية للتعددية الداخلية المميزة للمجموعات الحضارية.
19:52 | 6-04-2014

الحضارات .. أطروحتان ومفارقات

نجح هنتنغتون وتفوق في دفع الاهتمام بأطروحته صدام الحضارات، التي تحولت في تسعينيات القرن العشرين، إلى واحدة من أكثر الأطروحات سجالا وتداولا في العالم، فقد ترجمت إلى تسع وثلاثين لغة، بينما فشل أصحاب أطروحة الحضارات تتصادم من الداخل، في لفت الانتباه إلى أطروحتهم التي ظلت بعيدة عن دائرة الضوء والاهتمام، ولم تستطع أن تحدث نقاشا وتداولا عابرا في العالم.
تفوق أطروحة هنتنغتون حصل نتيجة عوامل مركبة، منها أن هذه الأطروحة اتسمت بطابع ساخن، وأصابت العالم بوخزة، بخلاف الأطروحة الثانية التي اتسمت بطابع بارد، ومرت على العالم من دون أن يشعر بها أحد.
ومن هذه العوامل المركبة، أن أطروحة هنتنغتون احتوت على مزيج مركب من الفكر والسياسة، وجاءت متناغمة مع المزاج السياسي الأمريكي العام ــ آنذاك، وخدمها العامل السياسي في الترويج لها، والتبشير بها.
بخلاف الأطروحة الثانية، التي احتوت على مزيج مركب من الفكر والتاريخ، وجاءت غير متناغمة مع المزاج السياسي هناك، ولم يكن العامل السياسي في صالحها من جهة الترويج لها، والتبشير بها.
ومن هذه العوامل، أيضا، أن أطروحة هنتنغتون هي أقرب إلى المجال العام الذي يتصل به ويتفاعل قطاع كبير من الناس، بخلاف الأطروحة الثانية التي هي أقرب إلى المجال الخاص، والمجال الأكاديمي تحديدا، الذي جاءت منه، واتصلت به.
يضاف إلى ذلك أن عامل الوقت خدم كثيرا أطروحة هنتنغتون، التي جاءت في ذروة مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وتحديدا ما بين سنة 1993 ونشر المقال الأول، إلى سنة 1996م وإصدار الكتاب، وهي الفترة التي كانت خصبة وحيوية وساخنة لتلقف الأطروحات الجديدة، والمثيرة منها بالذات.
بخلاف الأطروحة الثانية، التي لم يكن عامل الوقت لصالحها كثيرا، لكونها جاءت متأخرة بعض الشيء، ومتباعدة عن زمن الأطروحة الأولى بما يزيد على عقد كامل، فالكتاب (الحضارات في السياسة العالمية)، الذي عبرت عنه هذه الأطروحة صدر باللغة الانجليزية سنة 2010م، ولم تكن هذه الفترة بحيوية وسخونة زمن الأطروحة الأولى.
وفي وقت لاحق، اقترب هنتنغتون بعض الشيء من الأطروحة الثانية مع كتابه (من نحن.. تحديات الهوية الوطنية الأمريكية)، الصادر سنة 2004م، الذي حاول فيه لفت الانتباه إلى التحديات الداخلية، بعد أن كان مسكونا بالتحديات الخارجية في أطروحته صدام الحضارات.
هذا الاقتراب على أهميته، لا أدري لماذا غاب عن إدراك أصحاب الأطروحة الثانية، مع أنه يقترب من أطروحتهم، وكان بإمكانهم توظيفه بما يخدم انتصار أطروحتهم، مع ذلك لم يجر التطرق إلى هذا الكتاب، وتركز النقاش، وانصب النقد على كتاب الصدام، الأمر الذي يصعب تفسيره، وخصوصا من الناحيتين العلمية والأكاديمية.
20:07 | 29-03-2014

الحضارات .. صدام من الداخل

تحددت الأطروحة الرئيسية لكتاب (الحضارات في السياسة العالمية)، في اعتبار أن الصدامات الكبرى تحصل في المقام الأول داخل الحضارات لا بينها، وهنا يكمن الاختلاف الكلي والجوهري مع أطروحة هنتنغتون، التي ترى أن الصدام يحصل بين الحضارات لا في داخلها.
وبهذا نكون أمام أطروحتين متقابلتين، تتصلان وتنتميان إلى مدرسة العلوم السياسية الأمريكية المعاصرة، ولا بد ــ من الآن وصاعدا ــ التنبه إلى هاتين الأطروحتين عند مقاربة هذا الموضوع، فلم يعد الحديث تاما ومكتملا عن صدام الحضارات، من دون التنبه والاقتراب من الأطروحة الثانية المغايرة لها.
وفي تحليل هذا التقابل بين هاتين الأطروحتين، من وجهة نظر أصحاب الأطروحة الثانية، أن هنتنغتون يرى الحضارات بوصفها كيانات متماسكة وتوافقية ومؤهلة للفعل، شبيهة بالدول وغيرها من الهيئات السياسية القائمة، وذلك من جراء توافق موجود سلفا حول قيم جوهرية معينة.
في حين يرى هؤلاء أصحاب الأطروحة الثانية أن السمة المفتاحية والمميزة للمجموعات الحضارية، هي التعدديات الداخلية، التي تجعلها شديدة التمايز داخليا، وفضفاضة من ناحية الاندماج والتكامل الثقافي، ما يجعلها تكون بؤر نزاع وصراع.
ويضيف هؤلاء، أيضا، أن التحليلات الإحصائية، والعديد من التحليلات النوعية، أظهرت عمليا أن الصدامات الكبرى تحصل في المقام الأول داخل الحضارات لا بينها، وأن الحضارات ليست المحور الذي تدور الحروب حولها.
وعند النظر في هاتين الأطروحتين، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:
أولا: تعمد هنتنغتون النظر إلى الحضارات من الخارج، فكان أقرب إلى فكرة الصدام بين الحضارات، في حين أن أصحاب الأطروحة الثانية نظروا إلى الحضارات من الداخل، فكانوا أقرب إلى فكرة الصدام في داخل هذه الحضارات.
ثانيا: إن أطروحة هنتنغتون في العمق، هي أطروحة أيديولوجية سياسية ناظرة إلى الغرب في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وذلك من جهة التهديدات الخارجية القادمة، وضرورة التنبه لهذه التهديدات، التي ستضع الغرب في صدام مع حضارات أخرى.
وهذا ما تنبه له وانتقده أصحاب الأطروحة الثانية، الذين كشفوا عن الطابع الأيديولوجي والسياسي لأطروحة هنتنغتون، عند وصفهم لها بأنها وفرت أنموذجا إرشاديا جديدا للنظر إلى السياسات العالمية بعد انتهاء الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وعند قولهم: إن هنتنغتون أراد أن يقدم خارطة ذهنية جديدة لنمط فهمنا للسياسة العالمية بعد انتهاء الحرب الباردة.
وبحكم هذا التنبه، حاول هؤلاء تجنب الطابع الأيديولوجي والسياسي لأطروحتهم، وإعطائها طابع النقاش الجمعي والبحث الأكاديمي.
ثالثا: تقصد أصحاب الأطروحة الثانية ــ على ما يبدو ــ دحض وإفشال أطروحة هنتنغتون، وإظهار الاختلاف البائن معها، والعمل على تفكيكها وتفتيتها، والإطاحة بها، وهذا ما قادهم إلى البحث عن أطروحة، تكون مغايرة تماما لأطروحة هنتنغتون، لغرض أن تحد من تفوقها وتمددها، وتحل مكانها من ناحية الأهمية والاعتبار.

almilad@almilad.org
19:30 | 22-03-2014

من الحضارة إلى الحضارات

من المرتكزات التي استندت عليها أطروحة كتاب (الحضارات في السياسة العالمية)، تأليف مجموعة من الأكاديميين الأمريكيين، التخلي عن فكرة الحضارة بصيغة المفرد، ونقد هذه الفكرة وذمها، وتبني فكرة الحضارات بصيغة الجمع، واستحسان هذه الفكرة ومدحها.
والحكمة من ذلك، في رؤية أصحاب هذه الأطروحة، هي تجنب البحث عن معيار حضاري كلي وتراتبي تتمثله وتعبر عنه حضارة معينة، ويكون حاكما ومهيمنا على باقي الحضارات الأخرى، وعوضا عن ذلك البحث عن معايير حضارية جمعية وتعددية، تتمثلها وتعبر عنها حضارات عدة، لا حضارة أحادية.
ويترتب على هذا الموقف، نبذ ذهنية التعالي والفوقية، وسلوكيات التحكم والهيمنة التي تبررها وتشرع لها أحادية الحضارة، من خلال تقسيم المجتمعات والعالم، إلى ثنائية: متحضرون وغير متحضرين، وبين من ينتمون إلى عالم الحضارة، ومن ينتمون إلى عالم يقع خارج الحضارة. وهي الفكرة التي تحكمت في الثقافة الأوروبية، وأنتجت تاريخا مدمرا وبغيضا من الغزو والاحتلال، ومن الاستعمار والإمبريالية، الذي صب على الشعوب المستعمرة عذابا وجحيما، ومثل لها، وبقي يمثل لها على طول الخط، ذاكرة من التاريخ الأسود.
وعن هذا المرتكز وهذه الرؤية، أوضح محرر الكتاب كاتزنشتاين أن هذا الكتاب ليس عن حضارة متصورة في حالة المفرد، وبوصفها تمل برنامجا ثقافيا متماسكا، جرى تنظيمه بطريقة تراتبية حول نواة قيم لا خلاف عليها.
ومن الناحية التاريخية، يرى كاتزنشتاين أن مفهوم الحضارة بالمفرد، كان اختراعا أوروبيا ينتمي إلى القرن الثامن عشر، واعتبر أن هذا المفهوم وفر أساسا لنقاش عن معيار حضاري عد معبرا عن حالة، لا عن سيرورة، وما لبث أن تكرس في قانون أمم متحضرة، كان من نتائجه اعتبار أن الأوروبيين البيض هم المتحضرون، أما الآخرون فهم غير متحضرين، الأمر الذي ترتب عليه اعتبار أن هؤلاء غير المتحضرين ليسوا جديرين بنيل حماية القانون، وجعلهم عرضة لأعمال العنف الجماعي، التي صدرت من الإمبرياليين الأوروبيين ــ حسب وصف كاتزنشتاين.
هذا من جهة نقد فكرة الحضارة وذمها بصيغة المفرد، أما من جهة فكرة الحضارات ومدجها، فيرى كاتزنشتاين أن ثمة عالم حضارات جمعية متجذر، وغير قابل لأن يتحدد في معيار واحد، يكون معبرا عن تراتبية أخلاقية صارمة، وفصول هذا الكتاب التي تجمع وتحلل عددا من التجارب الحضارية في أمريكا وأوروبا والصين واليابان والهند وفي عالم الإسلام، توفر ــ حسب قول كاتزنشتاين ــ تأييدا قويا لمثل هذه النظرة الجمعية والتعددية إلى عالم الحضارات.
ومن ناحية التقييم، فإن هذا التحول من فكرة الحضارة إلى فكرة الحضارات، بما يعني التخلي عن نزعة التراتبية والفوقية، يعد أحد مداخل البحث عن العلاقات بين الحضارات، ويحفز على حالة التواصل والانفتاح بين هذه الحضارات، التي ترفض بطبعها الإلغاء والإقصاء بأشكاله كافة، ومن هنا تكمن أهمية هذه الأطروحة.
19:31 | 15-03-2014

السياسة .. والتحليل الحضاري

ما إن تنبه أساتذة العلوم السياسية في الجامعات الأمريكية، لفكرة التحليل الحضاري، حتى كان لهذه الفكرة وقع الدهشة عليهم، وذلك لشدة ما حصل لها من إهمال كبير وغير متوقع، في حقل الدراسات السياسية الأمريكية.
الإهمال الذي كشف عنه، مستغربا ومتفاجئا، الكاتب الأمريكي بيتر كاتزنشتاين في الكتاب الجماعي الذي قام بتحريره والموسوم: (الحضارات في السياسة العالمية.. وجهات نظر جمعية وتعددية)، وشرحه كاتزنشتاين بقوله: بالغت العلوم السياسية الأمريكية في إهمال التحليل الحضاري، فخلال السنوات التسع والتسعين الأولى من وجودها، وتحديدا ما بين (1906 ــ 2005م)، لم تنشر مجلة العلوم السياسية الأمريكية إلا مقالا واحدا، تم في عنوانه استعمال كلمة حضارة، إلى جانب مقال آخر أتى على ذكر المفهوم بصيغته المجردة، وهكذا الحال حصل مع مجلة وصفها كاتزنشتاين بالريادية في مجال السياسة الدولية المقارنة، هي مجلة (السياسة العالمية)، التي لم تنشر مقالا واحدا عن هذا الموضوع خلال الفترة ما بين (1948 ــ 2005م).
لهذا لا يرى كاتزنشتاين غرابة من أن تكون معالجة آدا بوزمان، سنة 1960م، التي وصفها كاتزنشتاين بالمميزة، حول الثقافة والسياسة الدولية، قد قوبلت بنظرة رافضة على صفحات مجلة العلوم السياسية الأمريكية.
وبصورة عامة، يبدو التحليل الحضاري في نظر كاتزنتشاين، بالنسبة إلى أساتذة العلوم السياسية الأمريكيين، يعد إطارا واسعا، وليس أقوى اتصافا بالصفة السياسية، من أن يسوغ اهتماما بحثيا جادا ومعززا.
ومع أن صمويل هنتنغتون، صاحب نظرية صدام الحضارات، هو أوضح من اعتمد منهج التحليل الحضاري في دراسة السياسة العالمية، وأكثر من لفت الانتباه إلى هذا المنهج، إلا أن منهجه قوبل بالتخطئة والنقد، فهذا المنهج ــ في نظر منتقديه الأمريكيون ــ لا يمثل ابتكارا حصل مع انتهاء الحرب الباردة ــ كما ظن هنتنغتون، وإنما مثل تكرارا، لما كان قد حصل خلال فترة الحرب الباردة.
وبهذا الاختلاف مع هنتنغتون، تتحدد أكثر من رؤية في طريقة النظر لمنهج التحليل الحضاري، بين رؤية تستند على هذا المنهج، وتعلن صراحة القول بصدام بين الحضارات، وبين رؤية أخرى، تستند على هذا المنهج أيضا، وتعلن صراحة القول بنقد ودحض فكرة الصدام بين الحضارات، وترى ضرورة أخذ فكرة الحضارات مأخذ الجد في تحليل السياسات العالمية.
وتبقى الحاجة ثابتة لهذا المنهج الحضاري، الذي ما زال بحاجة إلى تجريبات واختبارات جديدة، في بيئات ومجتمعات أخرى، ومن زوايا ومنظورات وخبرات مختلفة، حتى تتعدد الرؤية، وتتنوع المواقف ووجهات النظر، في طريقة التعامل والتطبيق لنمط أو أنماط المنهج الحضاري في تحليل السياسة العالمية.
19:38 | 1-03-2014

الحضارات .. والسياسة العالمية

في حديثه عن صدام الحضارات لفت صمويل هنتنغتون الانتباه إلى العلاقة ما بين الحضارات من جهة، والسياسات العالمية من جهة أخرى، ومدى إمكانية الاستناد إلى فكرة الحضارات في تحليل السياسات العالمية واستشرافها، وجعل فكرة الحضارات واحدة من الأفكار الممكنة والمفيدة في هذا المجال، وتقريب العمل بمنهج التحليل الحضاري في دراسة السياسات والسياسات العالمية.
وفي نطاق هذا الربط بين فكرة الحضارات والسياسات العالمية، جاء كتاب (الحضارات في السياسة العالمية.. وجهات نظر جمعية وتعددية) الصادر باللغة الإنجليزية سنة 2010م، من إعداد وتحرير الباحث الأمريكي بيتر كاتزنشتاين الرئيس الأسبق لرابطة العلوم السياسية الأمريكية، والكتاب في الأصل نتاج حلقة نقاشية لرابطة العلوم السياسية الأمريكية، عقدت خلال اجتماعين حوليين ما بين سنتي 2007 و2008م.
يتكون الكتاب من ثماني دراسات، أعدها ثمانية من أساتذة الجامعات الأمريكية ينتمون إلى أقسام عدة، العلوم السياسية والعلاقات الدولية والدراسات الإسلامية ودراسات آسيا الشرقية، ست من هذه الدراسات تناولت الحديث عن أبرز المجموعات الحضارية في العالم المعاصر، وهي حسب ترتيبها في الكتاب: (أمريكا، أوروبا، الصين، اليابان، الهند، عالم الإسلام)، والحديث عن هذه المجموعات الحضارية، جاء بقصد اختبار وتجريب فكرة الحضارات في دراسة وتحليل السياسات العالمية.
تتأطر دراسات هذا الكتاب وأفكاره ومنهجياته في نطاق مدرسة العلوم السياسية الأمريكية، وتكشف عن أحد أنماط الخبرة عند هذه المدرسة في تناول هذا الموضوع، كما تكشف عن أحد ملامح التطور في هذه المدرسة، من جهة الاقتراب من موضوع دراسة فكرة الحضارات في مجال السياسات والسياسات العالمية.
من جانب آخر، يتسم هذا الكتاب بطابع النشاط البحثي والأكاديمي، فالمشاركون فيه جميعهم من الأكاديميين المعروفين في الوسط الأكاديمي الأمريكي بالنشاط البحثي، وقد حاول هؤلاء إبراز هذه السمة وتأكيدها على هذا العمل، وأشاروا إليها في دراساتهم بهذا الوصف، بقصد لفت الانتباه إلى طبيعة الجهد المبذول من جهة، وإلى الطابع المنهجي والعلمي لهذه الدراسات من جهة ثانية، وإلى تميز هذه الدراسات عن كتابات الحقل العام من جهة ثالثة، وإلى طريقة التعامل مع هذه الدراسات من جهة رابعة.
والكتاب في صميمه يدعو إلى أخذ فكرة الحضارات، مأخذ الجد في تحليل السياسات العالمية، وهذه الدعوة هي من أكثر ما يعرف بهذا الكتاب، ومن أكثر ما يلفت الانتباه إليه، وسيكون كتابا لا غنى عنه من هذه الجهة، لمن يريد دراسة هذه الفكرة، ولمن يريد أن يتعرف على الخبرة الأكاديمية الأمريكية في دراسة هذه الفكرة.
19:49 | 22-02-2014

لو كانت الفلسفة يقظة

كتاب (القرآن والفلسفة) للدكتور محمد يوسف موسى، هذا الكتاب الذي لم يعرف كثيرا في أزمنتنا وعصورنا الراهنة، ولم يعرف كما ينبغي، وكما يستحق أن يعرف وذلك لأهميته وقيمة موضوعه، هذا الكتاب لو كان ينتسب إلى أحد فلاسفة المسلمين القدماء أمثال الكندي أو الفارابي أو ابن سينا أو ابن رشد، لكان شأنه اليوم عظيما، ولاكتسب شهرة واهتماما ممتدا بين الكتاب والباحثين، مسلمين وغير مسلمين، عربا وأوروبيين، على طريقة ما حصل ويحصل مع كتابات أولئك الفلاسفة ورسائلهم ومؤلفاتهم، وبمختلف صور وأنماط الاهتمام، شرحا وتعليقا وتوثيقا وتحقيقا وترجمة، وبالكتابة عنها والدراسة والتحليل والنقد، مع جعلها مادة وحقلا للرسائل والأطروحات الجامعية، وموضوعا لندوات ومؤتمرات وحلقات فكرية وعلمية ودراسية، وغير ذلك.
ولو كان هذا الكتاب، ينتسب إلى أحد الأوروبيين أو أحد المستشرقين منهم، لكانت منزلته وشهرته عند العرب والمسلمين مختلفة تماما عما هي عليه اليوم، وهذا ما نعرفه نحن عن أنفسنا، وما نلمسه ونراه، وما يعرفه عنا الآخرون أيضا، وذلك لطبيعة المفارقات الفكرية والنفسية والتاريخية والحضارية، الفاصلة بين الأمم والمجتمعات المتقدمة والمتخلفة، الغالبة والمغلوبة.
ولو كانت الفلسفة يقظة وحية في بلاد العرب والمسلمين اليوم، لتغيرت كذلك منزلة هذا الكتاب ومكانته، ولتغيرت أيضا صور وأنماط النظر إليه، وصور وأنماط التعامل معه، ولوجدنا فيه أنه يمثل مكسبا فلسفيا، لا لشيء مهم وخطير في الكتاب، وإنما لأنه يستند إلى القرآن الكريم في الدفاع عن الفلسفة، وهو موقف نادر الحدوث عند العرب والمسلمين المعاصرين، وبهذا الشكل من الحماس والاهتمام الذي عبر عنه مؤلف الكتاب الدكتور محمد يوسف موسى، وبهذا النمط من المحاججة والدفاع الذي ظهر عليه، وتجلى فيه، ومن هنا تكمن أهمية هذا الكتاب، وما فيه من عنصر الإثارة والدهشة.
فقد حاول الدكتور موسى بيان أن القرآن كان من أهم العوامل التي دفعت المسلمين إلى التفلسف، وذلك لما اشتمل عليه من فلسفة، سواء ما يتعلق منها بالإنسان، وما يتعلق بالله وصلته سبحانه بالإنسان.
ومن جهة أخرى، حاول الدكتور موسى نفي ومحاججة ما ذهب إليه المستشرق الألماني تنمان (ت 1819م)، في كتابه (المختصر في تاريخ الفلسفة)، الصادر بالألمانية سنة 1812م، من أن هناك جملة عوائق وقفت أمام تقدم المسلمين في الفلسفة، منها كتابهم المقدس الذي يتعارض ونظر العقل الحر.
لهذا نقول لو أن الفلسفة كانت يقظة عندنا، لتغيرت منزلة هذا الكتاب ومكانته في ساحة العرب والمسلمين.
19:47 | 16-02-2014

فلسفة أم كلام

مع ما بين الفلسفة وعلم الكلام من تداخل واتصال، إلا أن كتاب (القرآن والفلسفة) للدكتور محمد يوسف موسى، مواضيعه وقضاياها ومناقشاته ومحاججاته، هي أقرب إلى علم الكلام من الفلسفة، فالحديث عن ذات الله وصفاته، ومسألة الرؤية والكلام والعدالة الإلهية، والإرادة والحرية والإضلال والهداية، والوعد والوعيد، هذه المواضيع والقضايا هي من صميم علم الكلام، وهذا ما يعرفه الدكتور موسى جيدا.
وحتى لو قلنا أن هذه المواضيع والقضايا، هي مواضيع وقضايا مشتركة بين الفلسفة والكلام، وأنها في الفلسفة تعالج بمنهج وطريقة تختلف عن منهج وطريقة علم الكلام، من جهة أن الفلسفة تتخذ من العقل مصدرا ومعيارا وحيدا، بخلاف علم الكلام الذي يتخذ من العقل مصدرا ومعيارا كذلك، لكن بشرط موافقة الشرع وعدم مخالفته.
ومن هذه الجهة أيضا، فإن الكتاب هو أقرب إلى علم الكلام من الفلسفة؛ لأنه اعتمد في مناقشة قضاياه على منهج وطريقة الكلام والكلاميين، وليس على منهج وطريقة الفلسفة والفلاسفة، ففي هذه المناقشات رجع الدكتور موسى إلى آراء ومواقف أصحاب المذاهب والفرق الإسلامية، وهذا هو منهج الكلام، وطريقة الكلاميين.
ولم يرجع الدكتور موسى في هذه المناقشات إلى آراء ومواقف فلاسفة المسلمين، وسلسلتهم المعروفة، التي تبدأ من الكندي والفارابي وابن سينا وتصل إلى ابن رشد، غياب آراء ومواقف هؤلاء الفلاسفة أعطى ترجيحا لاعتبار أن الكتاب هو أقرب إلى علم الكلام من الفلسفة.
يضاف إلى ذلك، أن المؤلف أشار في كتابه إلى تلميحات مستمرة، تربط الكتاب بعلم الكلام ومنهج الكلاميين.
وما يلفت الانتباه أيضا إلى هذه الملاحظة، أن الدكتور موسى مع معرفته ودرايته بموضوع بحثه، إلا أنه لم يتطرق إلى ما بين الفلسفة وعلم الكلام ومنهجهما وطريقتهما من فروق وافتراق، وتحدث عنهما كما يتحدث عن منهج واحد، وطريقة واحدة، بلا مائز ولا تمايز.
وتشتد هذه الملاحظة وتتأكد عند معرفة أن الكتاب في الأصل هو رسالة دكتوراه دولة في الفلسفة، وأنه يمثل القسم الأول في هذه الرسالة، الذي عادة ما يشتمل على المقدمات والمداخل المنهجية، ويتم فيه الإشارة إلى المنهج المختار والمتبع، فكان من الضروري الإشارة والحديث عما بين الفلسفة وعلم الكلام ومنهجهما وطريقتهما من اتصال وانفصال، حتى يتسم المنهج بصفة الضبط والوضوح والإحكام.
19:17 | 8-02-2014

القرآن والفلسفة .. نقد

أطلق الدكتور محمد يوسف موسى، في كتابه (القرآن والفلسفة)، مقولة إن (طبيعة القرآن تدعو للتفلسف)، واتخذ منها عنوانا للفصل الثاني من الكتاب، وهو الفصل الأهم فيه، والناظر لهذه المقولة يرى أنها ليست مجرد مقولة عادية أو سهلة، وليست هي من نمط المقولات العابرة التي تحضر وتمر وتغيب من دون إثارة أو اكتراث بها، أو من دون أن تترك بقايا أثر، مع أنها وبخلاف المفترض منها، لم يصدق عليها شيئ من هذه الحالات على ما وجدت، لكنها وبعد طول غياب حضرت واستعادت ذاكرتها، وجرى التنبه إليها من جديد، وتم إعطاؤها صفة المقولة لأول مرة على ما أعلم.
هذه المقولة كان ينبغي من المؤلف التوقف عندها، ولفت الانتباه إليها، وإعطاؤها صفة الوضوح، بتحديد ما هو المقصود بأن (طبيعة القرآن تدعو للتفلسف)، باعتبار أن هذه المقولة ليست من نمط المقولات الواضحة أو البديهية أو المتسالم عليها، وإنما هي من نمط المقولات التي تثير الجدل والاختلاف.
فهل طبيعة القرآن فعلا تدعو للتفلسف! وهل القرآن صرح أو بين وأبان بأنه يدعو للتفلسف؟ وهل التفلسف من الكلمات التي استعملها القرآن في آياته التي جاوزت الستة آلاف آية، أو أنها من الكلمات القريبة أو القرينة أو الشبيهة لكلمة أو كلمات وردت في القرآن، حتى يجوز لنا القول بأن طبيعة القرآن تدعو للتفلسف!
هذا الجدل والاختلاف كان من الممكن التغاضي عنه، لو جاءت هذه المقولة بصيغة أن طبيعة القرآن تدعو للتعقل أو التفكر أو التبصر أو التذكر، لأن جميع هذه الكلمات وردت وتواترت في القرآن، وعرفت بوصفها من كلمات القرآن التي جرى استعمالها بعناية تستدعي الانتباه والنظر.
كما كان من الممكن أيضا التغاضي عن هذا الجدل والاختلاف أو التخفيف منه، لو جاءت هذه المقولة بصيغة أخرى، كأن يقال أن في القرآن ما يدعو للتفلسف، أما القول بأن طبيعة القرآن تدعو للتفلسف، فكأننا نقول بأن القرآن كتاب فلسفي، وهذا لا يقول به أحد، ولا قال به أحد لا من القدماء ولا من المحدثين، ولا قال به حتى المؤلف نفسه، فالاختلاف هو في استعمال كلمة طبيعة القرآن، الطبيعة التي تعني أو تكشف حين تستعمل عن ماهية الشيء وحقيقته، فهل ماهية القرآن وحقيقته هي ماهية وحقيقة فلسفية بالمعنى الفلسفي المحض، وهذا ما لا يمكن التسليم به.
19:58 | 1-02-2014