تحميل...
له عادة جميلة في كل عام، حيث ألقاه في الرواق بين الحصوة الأولى والحصوة الثانية في المسجد النبوي، يحضر هناك للاستمتاع بالجو الروحاني أيام رمضان من خلال فك الريق والفطور في المسجد وصلاة التراويح والتهجد، ثم هو قبل ذلك متابع لدرس الشيخ محمد عطية سالم الذي يبدأ بعد صلاة العصر يومياً، الذي كان (رحمه الله) -أقصد الشيخ عطية- يتألق في شرحه ويملك أسلوباً يجذب كل من يسمعه، كنت ألقى الأستاذ علي الرابغي بعد الانتهاء من الدرس على مقربة من وقت الغروب والتجهيز للإفطار ونتحدث عما يكتب من مقالات، خاصة في صحيفة «عكاظ»، حيث كان هو من قدماء كتاب «عكاظ» وكنت أنا من الكتاب الجدد، لقد اجتمعت به عدة مرات في «عكاظ»، حيث كانت الصحيفة تعقد اجتماعات للكتاب والمفكرين وهيئة التحرير، وكان عادة ما يجلس بجوار الدكتور هاشم عبده هاشم لمكانته ككاتب له خبرته وله مكانته، وكعضو من أعضاء مجلس الإدارة لصحيفة «عكاظ»، لقد كان الأستاذ علي الرابغي (رحمه الله) يجمع بين الثقافة والكتابة وبين الحضور الاجتماعي والإعلامي، ومع أني لم أدرك من نشاطه الإعلامي إلا مقالاته في صحيفة «عكاظ» إلا أن سيرته الذاتية تحكي سلسلة ممتدة من المناصب الإعلامية، حيث بدأ مذيعاً مساعداً بإذاعة جدة، ومديراً لإدارة تلفزيون جدة، وواكب ذلك نشاط في إعداد البرامج وكتابة نصوص للإذاعة والتلفزيون. وعلى صعيد العمل الصحفي، ساهم بأعمال في مجلة مهبط الوحي وجريدة «عكاظ»، وعندما تعين مديراً لرعاية الشباب في جدة بدأ اهتمامه الصحفي بالرياضة، حيث أشرف على القسم الرياضي بجريدة «عكاظ» الأسبوعية، ثم بجريدة المدينة، كما ترأس القسم الصحفي في صحف أخرى، ثم هو بجانب نشاطه الثقافي الذي كان يشارك فيه بالكتابة في المقال الأسبوعي في صحيفة عكاظ أصبح له اهتمامه وممارسته بالنواحي التجارية، حيث يعد من رجال الأعمال الذين لهم حضورهم الإعلامي والاجتماعي، وعرف على مستوى مدينة جدة بالحضور والتواجد في المجالس الرسمية، وكلما أذكره أذكر شقيقه الدكتور عبدالعزيز وابنته الدكتورة ريم كونهما زميلين في الجامعة، كما أن له ابناً باراً به كثيراً، حيث تلمست صوراً من بره أثناء مرضه وهو الابن مروان، وكان حريصاً كل الحرص على القيام على أمره. كما ذكرت، فإن معرفتي بالأستاذ علي كانت محصورة بين الرواق في المسجد النبوي وصحيفة «عكاظ»، حيث يكون متواجداً في رمضان في المدينة المنورة في الرواق الذي يطل على القبة الخضراء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطل هو على قرائه في صحيفة «عكاظ» كل يوم أربعاء. فرحم الله «أبا مروان» رحمة واسعة وجعله في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
تعرفت على الكاتب الأديب الدكتور سعيد السريحي عن قرب من خلال سنوات عديدة عاصرتها معه تواصلاً عندما كنت أكتب في صحيفة عكاظ في فترة كان هو مسؤولاً عن الكُتاب وزاوية الرأي، وكذلك من خلال اللقاءات الحوارية التي كانت تقيمها الصحيفة للكُتاب والمفكرين، وكان هو المقدم لتلك اللقاءات، وكان وقتها يحظى بمكانة خاصة عند رئيس تحريرها الدكتور هاشم عبده هاشم، الذي عيَّنه مساعداً لرئيس التحرير، فينطلق في تقديمه للقاءات بعباراته التي لا تعرف الغبار إنما وليدة اللحظة، ومستوحاة في مبانيها ومعانيها من صحافي أديب خبير له عمقه الأدبي، وإنسان مؤدب له عبقه الإنساني، تكاد لغته من فصاحتها أن تعلن عن نفسها بأنها مفردات ذات أساس لغوي تنتمي إلى سيبويه أو نفطويه، بل جعل منها موقفاً يوحي به للآخرين أن قل من يملك أدواتها أو يمارس مفرداتها، هذا جانب تميز به الدكتور سعيد وهو أنه سعيد السريحي الأديب واللغوي، أما الجانب الآخر الذي عُرف به فهو سعيد السريحي ذو الجانب والتعامل الإنساني، حيث إنسانيته وجوانبه الإنسانية تظهر من خلال التعامل معه، وهي إحدى ملاحم قلبه ونبله، من إنسانيته أدبه الجم في احترام الآخر سواء اتفقت معه في الرأي أو اختلفت، ووافقته في الفكر أو تعاركت. إن التعامل الإنساني مع الآخر المختلف في الحياة هو مما نبحث عنه هذه الأيام، حيث بعض من تميزوا بشيء من العلم أو أعطوا نصيباً من الدنيا، مالاً أو جاهاً، أو حتى أحياناً من منحهم الله الهداية والدين تراهم بعيدين كل البعد عن التعامل الإنساني مع الآخر، فمع العلم أن الدكتور سعيد بسط الله له في العطاء الأدبي واللغوي إلا أن من يعرفه ويتعامل معه من قرب يلحظ ما ذكرناه من الأدب والاحترام. لقد عاتبته يوماً عندما نشر لي مقالاً، وحذف منه شيئاً ما وددت أن يحذفه، فاتصلت عليه وكلي غضب، وعتبت عليه، فما زاد أن قال لي عبارة جميلة «لك العتبى يا سيدي حتى ترضى». هذا هو سعيد الأديب واللغوي المتفرد، وسعيد صاحب التعامل الإنساني الذي نسأل الله العلي القدير أن يرفع عنه ما ابتلاه به من مرض، وأن يتم عليه الصحة والعافية، إنه على كل شيء قدير.