أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1914.jpg?v=1786800140&w=220&q=100&f=webp

سلطان بن عقلا المرشد

السعودية وهندسة التحالفات: من إدارة الأزمات إلى صناعة الأمن الإقليمي

لم تكن معاهدة مكة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان خطوة عسكرية عابرة، ولا إطارا بروتوكوليا تقليديا، بل جاءت كخطوة متقدمة في مسار سعودي أوسع لإعادة صياغة مفهوم الأمن الإقليمي من خلال رؤية متكاملة تمثل نهجا استباقيا في إدارة الأزمات، يقوم على معالجة مسببات التوترات قبل تفاقمها واتخاذ التدابير اللازمة للحد من احتمالات التصعيد. ويعزز هذا النهج قدرتها على التعامل بكفاءة مع مصادر عدم الاستقرار، والحد من احتمالات تصاعد الأزمات، والإسهام في بناء توازن إقليمي مستدام عبر بناء الشراكات. وتعزيز الدبلوماسية المتعددة الأطراف وإطلاق مبادرات التنمية المشتركة.


ففي مجال بناء الشراكات تتجلى فاعلية السياسة الإقليمية للمملكة في تحويل رؤى الأمن الاستراتيجي من التصور النظري إلى منظومات عملية متكاملة لمواجهة التحديات المشتركة من خلال بناء تحالفات متعددة الأغراض للتعامل مع الاحداث والمستجدات في المنطقة. وقد ترجم هذا النهج عمليا في عدة صور مثل تأسيس التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب 2015 م، وتحالف دعم الشرعية في اليمن في نفس العام، وتأسيس مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن 2020م، وإبرام معاهدة الدفاع المشترك مع باكستان عام 2025م، ومن ثم معاهدة الدفاع المشترك الثلاثية مع باكستان وتركيا عام 2026م وصولا إلى إطلاق التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بقيادة المملكة.


وتبرهن هذه الترتيبات على قدرة المملكة الفائقة على بناء منظومات ردع مشتركة وتحالفات تعكس نطاقا جغرافيا وسياسيا مختلفا لتحقيق اهداف استراتيجية محددة تعزز الاستجابة الجماعية لحماية المصالح المشتركة وتثبيت دعائم الامن والاستقرار الإقليمي، ويستند هذا التصور إلى مرتكز أساسي يتمثل في مفهوم القوة الشاملة للدولة؛ حيث يتكامل الثقل السياسي والاقتصادي والدبلوماسي مع القدرات الدفاعية والشراكات الاستراتيجية.


وفي إطار تعزيز الدبلوماسية المتعددة الأطراف تتسع أمثلة الدور السعودي في ترسيخ الامن والاستقرار الإقليمي لتشمل التحرك الدبلوماسي والتنسيق الدولي لمعالجة جذور الصراعات وبناء التوافقات، حيث يبرز الدور السعودي في قيادة الجهود الدولية لحل الدولتين للقضية الفلسطينية، وبالدور الفاعل في الجهود الدولية لتسوية الأزمة السودانية، ورعاية حوارات تقريب وجهات النظر بين الأطراف اليمنية، إلى جانب حشد الجهود الدولية لدعم وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، ودعم الاستقرار في لبنان وليبيا، فضلا عن جهود المملكة المستمرة في الوساطات والمساعي الدبلوماسية لخفض التصعيد العسكري في منطقة الخليج.


وتمثل هذه الجهود نهجا سعوديا يقوم على جمع الأطراف المختلفة، وتوسيع مساحات الحوار، وتقريب المواقف، وبناء التوافقات حول القضايا والأزمات الرئيسية، بما يساعد في تهيئة بيئة داعمة للحلول السياسية والدبلوماسية، والحد من مسببات التوتر والتصعيد، ويسهم في ترسيخ الاستقرار وتعزيز فرص السلام المستدام في المنطقة.


وتمتد هذه المقاربة لتتجسد في منظومة متكاملة من المقومات الإستراتيجية الداعمة للتنمية المستدامة والأعمال الإنسانية، فمشروع الشرق الأوسط الأخضر، الذي أُطلق عام 2021م، يعكس إدراكا لأبعاد الأمن البيئي، فيما يجسد دور المملكة في أوبك وأوبك بلس إسهامها في تعزيز أمن الإمدادات واستقرار أسواق الطاقة. ويشمل ذلك مبادرات المملكة البارزة على مستوى الدعم الإنساني المتمثلة في جهود مركز الملك سلمان، وعلى مستوى الدعم التنموي من خلال برامج الصندوق السعودي للتنمية، وإلى جانب ذلك، تعزز مشاركة المملكة في المنظمات الإقليمية والدولية دعم التنمية الإقليمية المستدامة بما يحقق النمو والازدهار لشعوب المنطقة. وهذا يعكس مقاربة تقوم على التكامل بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والبيئية والإنسانية كأساس للأمن والاستقرار الإقليمي.


وبهذا النهج الاستراتيجي، تبرز المملكة بوصفها قوة قادرة على بناء التوافقات وهندسة التحالفات الإقليمية والدولية، وتحويل العمل الجماعي من ردود فعل متفرقة إلى منظومات تعاون فاعلة تسهم في صناعة الاستقرار الإقليمي والدولي ودعم النمو الاقتصادي المستدام. ويتكامل هذا التوجه مع مشروع وطني راسخ يقوم على بناء الإنسان وتعزيز مقومات الازدهار، يتجسد في رؤية السعودية 2030، بما يعكس ترابطا وثيقا بين قوة الداخل وفاعلية الدور الخارجي. فالتنمية الشاملة تعزز قدرة الدولة على التأثير وصناعة الاستقرار، فيما يهيئ الاستقرار الإقليمي بيئة أكثر ملاءمة لاستدامة التنمية وتحقيق تطلعات الشعوب. وبهذا تتشكل معادلة سعودية متكاملة تجعل من الأمن والتنمية ركيزتين متلازمتين لقوة الدولة واستقرار محيطها.


ومن خلال هذه المعادلة الاستراتيجية، وطدت المملكة موقعها كدولة صانعة للتوازنات وعرابة للتحالفات وضامنة للاستقرار الإقليمي، وحولت المصالح المشتركة إلى شراكات مستدامة تدعم بناء بيئة قادرة على استيعاب التحولات ومواكبة المتغيرات السياسة والاقتصادية والأمنية. كما رسخت حضورها كقوة مبادرة تسهم في إعادة تشكيل التفاعلات الإقليمية وصياغة معادلات جديدة للمرحلة المقبلة في المنطقة، تقوم على تعزيز الاستقرار، وخفض حدة التوترات، وتوسيع مجالات التعاون، وربط المصالح الاقتصادية والتنموية بالأمن والاستقرار، وصولا إلى نظام إقليمي أكثر تماسكا وقدرة على التعامل مع التحولات والتحديات المستقبلية.

منذ ساعتين