أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1895.jpg?v=1778167821&w=220&q=100&f=webp

مُزينة آل خيرات

السمنة تستنزف المليارات.. والكفاءات الصحية تنتظر

حين تتحدث الدول عن مستقبلها، فإنها تتحدث عن الاقتصاد، والتعليم، والاستثمار، والتقنية. غير أن هناك ركيزة لا تقل أهمية عن كل ذلك، وهي صحة الإنسان؛ لأن الإنسان المرهق لا ينتج، والمريض لا يبني، والمجتمع المثقل بالأمراض يدفع الثمن من تنميته قبل ميزانيته.

ومن هنا، يبرز السؤال الذي لا ينبغي تأجيله: هل نوجه مواردنا إلى حيث يبدأ الحل فعلاً؟

في المملكة العربية السعودية، تشير بيانات صحية منشورة إلى أن 1.9 من السكان بعمر 15 سنة فأكثر يعانون السمنة، بينما 45.1% يعانون زيادة الوزن. وهذه ليست مجرد أرقام عابرة، بل إشارات واضحة إلى اتساع دائرة الأمراض المزمنة المرتبطة بنمط الحياة، من السكري وارتفاع ضغط الدم إلى أمراض القلب والمضاعفات التي تؤثر في جودة الحياة والإنتاجية الوطنية.

ولا تقف الخسارة عند حدود الصحة؛ إذ تشير دراسات حديثة إلى أن السمنة تفرض عبئاً اقتصادياً ضخماً يُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً بين تكاليف علاج مباشرة، وخسائر غير مباشرة مرتبطة بالإنتاجية، والغياب الوظيفي، والمضاعفات الصحية.

أي أننا لا ندفع ثمن المرض فقط.. بل ندفع ثمن التأخر في الوقاية.

ومن خلال رحلتي العلمية وما شاهدته في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، كان واضحاً أن الدول التي تقدمت في مؤشرات الصحة لم تنتظر المرض كي تتحرك، بل بدأت من الأسرة، والمدرسة، والوعي المجتمعي، وجعلت المتخصصين في التغذية جزءاً أصيلاً من المنظومة الصحية والتعليمية.

هناك يُنظر إلى التغذية على أنها خط دفاع أول، لا وظيفة هامشية.

إلا أن الصورة الذهنية لدى بعض الجهات ما زالت تحصر تخصص التغذية في أدوار محدودة، بينما الواقع أنه أحد مفاتيح الصحة العامة الحديثة، ويمتد أثره إلى المستشفيات، والرعايات الأولية، والمدارس، والجامعات، والنوادي الرياضية، وسلامة الغذاء، وصحة الأم والطفل، وغيرها.

والأكثر إيلاماً أن بعض الكفاءات الوطنية التي اجتهدت حتى نالت درجات علمية عليا من جامعات عالمية مرموقة، وعادت إلى وطنها محمّلة بالعلم والطموح، تصطدم أحياناً بمسارات توظيف تقليدية، أو اشتراطات لا تعكس كامل مؤهلاتها الحالية.

وهنا يُدفع الثمن مرتين: مرة حين تتعطل الكفاءة، ومرة حين يُحَرم المجتمع من أثرها نخسر الإنسان المؤهل، ونخسر أثره الذي كان يمكن أن يصنعه في المجتمع.

إن الاستثمار في تعليم الكفاءات يحقّق أثره الحقيقي حين تواكبه مسارات قادرة على الاستفادة من المؤهلين وتمكينهم من صناعة الفرق.

ومع ما تحمله رؤية المملكة العربية السعودية 2030 من طموح نحو مجتمع حيوي وجودة حياة أفضل، فإن تمكين تخصص التغذية، والاستفادة من الكفاءات الوطنية، لم يعد ملفاً ثانوياً، بل جزءاً أصيلاً من مشروع التنمية.

فالاستثمار الذكي لا يبدأ بعد المرض، بل قبله.

والاستثمار الأذكى لا يقتصر على المباني، بل يشمل العقول التي تستطيع صنع الأثر.

الرسالة للمسؤولين:

إذا كانت السمنة تستنزف المليارات، فإن تمكين المتخصصين في التغذية ليس تكلفة إضافية.. بل جزء من الحل.

والرسالة للمجتمع:

الصحة لا تبدأ من المستشفى فقط، بل من الوعي، ومن الغذاء، ومن احترام العلم.

أما الرسالة الأخيرة، فهي أن الأوطان لا تتقدم حين تملك الكفاءات فقط.. بل حين تعرف كيف توظفها.

منذ 13 ساعة