أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/global_files/author-no-image.jpg?v=1

محمد بن يحيى النجيمي

تابع أثر الفلسفة على المسلمين

قد تبين أثر الفلسفة على فلاسفة المسلمين وعلماء الكلام وإن لم نستقص وقد بقيت بعض النماذج المشهورة التي أسوقها تذكرة للمسلمين قال عبد الرحمن بن أبى حاتم حدثنا عبد الله بن محمد الفضل الصيداوى حدثنا الحسن بن الصباح البزار عن أبى قدامة السرخسي سمعت خلف بن سليمان البلخي كان جهم فصيحا لم يكن عنده علم فلقيه ناس من السمنية(فلاسفة هنود يقولون بقدم العالم ينكرون النظر والاستدلال ولا يعلم شىء الا من طرق الحواس الخمس) فكلموه فقالوا له صف لنا من تعبد قال أجلوني فاجلوه فخرج اليهم قال هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء وقال الإمام أحمد بلغنا من أمر الجهم أنه كان من أهل خراسان من ترمذ وكان صاحب خصومات وأكثر كلامه في الله تعالى فلقي أناسا من المشركين يقال لهم السمنية فقالوا له نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك فكان مما كلموه أن قالوا له ألست تزعم أن لك إلها قال الجهم نعم فقالوا له فهل رأيت إلهك قال لا قالوا فهل سمعت كلامه قال لا قالوا فشممت له رائحة قال لا قالوا فوجدت له حسا قال لا قالوا فوجدت له مجسا قال لا قالوا فما يدريك أنه إله فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوما وقال الملطي وقال لا أصلي لمن لا أعرفه ثم إنه استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمرا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء وهو روح غائبة عن الأبصار .فانظر إلى أثر فلسفة السمنية على الجهم بن صفوان وانظر إلى أثرها على أبي حامد الغزالي الذي قال عنه أبو بكر بن العربي لقد ابتلع شيخنا الفلسفة ولم يتقيئها وقال المازري : وأكسبته قراءة الفلسفة جراءة على المعاني وتسهيلا للهجوم على الحقائق لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها وليس لها شرع يزعها. وكان مضطربا فقد قال الغزالي: فإن قيل ما المذهب قال: المذهب ليس واحداً، فأما الجدل فهو على طريقة المتكلمين، وأما مذهب العامة فهو بالزواجر والدواعي، وأما المذهب السر بين العبد وبين ربه فهو طريقة الصوفية وقال كان له عكوف على قراءة رسائل إخوان الصفا إحدى وخمسون رسالة وواضعها رجل فيسلوف مزج ما بين العلمين وحسن الفلسفة في قلوب أهل الشرع بآيات وأحاديث يذكرها عندها ثم قال ووجدت الغزالي يعول علي ابن سينا في أكثر ما يشير إليه في علوم الفلسفة حتى إنه في بعض الأحايين ينقل نص كلامه من غير تغيير وأحيانا يغيره وينقله إلى الشرعيات أكثر مما نقل ابن سينا لكونه أعلم بأسرار الشرع منه فعليهما عول في الفلسفة. والغزالي وإن كفَّر الفلاسفة في كتبه المتأخرة ولا سيما في (التهافت) إلا أنه قد تأثر بهم كثيراً ففي مقامات العارفين تكلَّم بنفس أحرف ابن سينا في (الإشارات والتنبيهات)، و الفلاسفة الإشراقية، وإن خالفهم في مسألة قدم العالم ومسألة العلم بالجزئيات مع أن أبا الوليد ابن رشد لما رد عليه قال: (إنك في كتبك لما ذكرت درجات المحسوبين ذكرت أن من أشرف الدرجات من جعل الوجود وجوداً مطلقاً، وأن واجب الوجود ليس داخل العالم ولا خارجه وهذا هو مذهب أرسطو وقد امتدحته في بعض كتبك) وقال عن نفسه في (المنقذ من الضلال) أنه ظل متحيراً زماناً، وأن حيرته زالت بنور قذفه الله في قلبه، فأحواله مختلطة كثيرة، مع عظم عبادته وصدقه وعلمه بالفقه وأصوله، وله مقامات حسنة في الإسلام.وكان يتمثل بأبيات :
يارب جوهر علم لو أبوح به
لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي
يرون أقبح ما يأتونه حسنا
فلو أنه أباح به لقيل له: إنك تعبد الأوثان ولاستحلوا دمه، ولهذا يكتمه، ولهذا ألف كتابه المضنون به على غير أهله ويحكى أنه مات والبخاري على صدره رجع إلى السنة.
*خبير في مجمع الفكر الدولي
22:36 | 9-12-2009

ماهية العقل (4)

تكلمنا سابقا عن العقل عند الفلاسفة وعن أثر فلاسفة اليونان على فلاسفة المسلمين، فنزيده وضوحا فقال ابن رشد عن أرسطو إنه الإنسان الكامل ولم يأت أحد في الإلهيات بعده بشيء يعتد به، بل حاول ابن رشد الجمع بين الفلسفة والشريعة فقال: إن الحكمة للشريعة رضيعة، فكلاهما أختان من الرضاع، وكلاهما يدعو إلى أمر واحد، ويتفقو في منهج واحد، ولذا اشتغل بالدفاع عن الفلسفة وأنها لا تعارض مع الشريعة وألف كتابا اسمه فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، ذكر فيه أن الشريعة والحكمة ــ أي الفلسفة ــ متصلتان تؤديان نفس الغرض ونفس المنهج. وظهر تعلق ابن سينا بالقبور فقد خرج تعلقه بالقبور على نظرية الفيض فالعقل الفعال الذي هو مواز للإله يفيض على من دونه من المخلوقات ويوصل روح الحي بروح الميت بالنفس الفلكية فيجوز سؤال الموتى، من هنا يقول الرازي إن فلاسفة اليونان كانوا يستمدون الفيوض من القبور وأهلها إذا اعترتهم مشكلة من المشكلات، وكان الفلاسفة من تلاميذ أرسطو إذا دهمتهم نازلة ذهبوا إلى قبره للحصول على المدد والفيض. ويا ليت الأمر اقتصر عند ذلك بل تأثر المتكلمون وكثير من الأصوليين بالفلاسفة المسلمين ووضعوا كلام الفلاسفة في العلوم الشرعية فأدخلوا الفلسفة والمنطق في العقيدة والأصول حتى المصطلح وعلوم اللغة كالنحو وغيرها لم تخل منها، وقد بلغ الأمر أوجها حتى التقت السمنية بالجهم بن صفوان فشككوه في الله تعالى وترك الصلاة أربعين يوما ثم خرج بفكرة الوجود الكلي عند أرسطو، فقال هو في كل زمان ومكان بل كان الفلاسفة اليونان أساتذة للفلاسفة الإسلاميين، خاصة الفارابي وتلميذه ابن سينا وابن رشد والغزالي. قال ابن العربي رحم الله شيخنا الغزالي لقد ابتلع الفلسفة وما استطاع أن يتقيأها والرازي في آخر عمره يقول إن أدلة حدوث العالم متكافئة وهو القائل لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفى عليلا ولا تروى غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن. إن الفلسفة الإسلامية وكذا التصوف الفلسفي لم تستفد منهما البشرية ولم تقدمها خطوة واحدة إلى الأمام ولم يستفد المشتغلون بهما اليقين والثبات، بل قد أفضتا بهم إلى الشكوك والحيرة والضلال وأوقعتا الكثير منهم في الكفر والزندقة والإلحاد ثم تأثر واستفاد ابن سينا والفارابي من منهج المعتزلة في الجمع بين الفلسفة والشريعة؛ لأن المعتزلة أتباع الجهم ومعروف جولات واصل مع الجهم فركبا طريقتهما من كلام الفلاسفة اليونانيين ومن طريقة المتكلمين وأراد تقريبها إلى مذهب سلفه الفلاسفة الدهرية الذين كانوا وثنيين يستغيثون بالقبور ويعددون الآلهة، ثم خلطها بكلام المعتزلة حتى يصبغة بصبغة المسلمين المتكلمين ليصير كلامه في الإلهيات من جنس كلامهم وهذا كما فعل إخوانه الباطنية. وكل ذلك تدليس على الناس وتزوير لقبول الفلسفة اليونانية.

* خبير في مجمع الفكر الدولي

21:58 | 4-11-2009

ماهية العقل «3»

كما سبق معنا تبين لنا اضطراب الفلاسفة في مفهوم وماهية العقل وهكذا هم دائما يضطربون في كل شيء وتبين لنا أثر الثقافة في الفلسفة فالوثنية اليونانية أثرت على الفلسفة اليونانية والناس بعد الثقافة اليونانية منهم من اتبعها في كل كبير وصغير وحاول أن يجمع بين الفلسفة اليونانية وبين ما جاءت به الرسل فقد اتخذت الكنيسة منطق أرسطو وجعلته الطريق الوحيد للحصول على المعرفة الصحيحة وجعلت عقيدتها في ربها تدرك عن طريق المنطق الأرسطي ومن هنا أخذ المنطق الأرسطي القداسة وهذا يظهر لنا جليا احتكار الكنيسة العقل الإنساني، وكان توماس الاكويني (الملقب بالدكتور الملائكي) ولد سنة 1226م وتوفي سنة 1274م، ويعتبر من أعظم الفلاسفة واللاهوتيين في العصر المدرسي المسيحي. منحته الكنيسة الكاثوليكية لقب القديس ضم رأي الفلسفة إلى رأي الرؤساء الدينيين وهو أبرز علماء اللاهوت النصارى في القرون الوسطى قال من الممكن أن نستخدم المنطق لإثبات وجود الله، وذلك باستخدام أسس التفكير المشتقة من تفاعل خبرتنا الحسية المعتادة مع عقولنا، وهو أول من استخدم هذه الطريقة وقال بوجود حقائق مطلقة ثابتة أزلا والعقل يمكن إدراكها وسبيله منطق أرسطو ولذلك اهتم القساوسة بالمنطق ولم يقدموا له نقدا كما هو ظاهر من مناظرة يونس بن متى لأبي سعيد السيرافي النحوي اللغوي لما أخذ متى يمدح المنطق ويزعم احتياج العقلاء إليه ورد عليه أبو سعيد السيرافي بعدم الحاجة إليه وأن الحاجة إنما تدعو إلى تعلم العربية لأن المعاني فطرية عقلية لا تحتاج إلى اصطلاح خاص بخلاف اللغة المتقدمة التي يحتاج إليها في معرفة ما يجب معرفته من المعاني فإنه لا بد فيها من التعلم. ومن هنا تعلم أن إقامة العقل القيام الصحيح يكون عن طريق علم اللسان وهو اللغة العربية. وظهر هذا الاتجاه على أيدي فلاسفة نشأوا في بلاد الإسلام فظهر المعلم الثاني التركي الفيلسوف الفارابي مطرب سيف الدولة المتشيع وكان من أعلم الناس بالموسيقى بحيث كان يتوسل به وبصناعته إلى الناس الحاضرين من المستمعين إن شاء حرك ما يبكي أو يضحك أو ينوم وكان حاذقا في الفلسفة ومن كتبه تفقه ابن سينا وكان يقول بالمعاد الروحاني لا الجثماني ويخصص بالمعاد الأرواح العالمة لا الجاهلة وله مذاهب في ذلك يخالف المسلمين والفلاسفة من سلفه الأقدمين واشتهر عنه الانسلاخ قال ابن خلدون ذو المصنفات المشهورة في الحكمة والمنطق والموسيقى التي من ابتغى الهدى فيها أضله الله فعكف على ما جاءت به الفسلفة اليونانية وشرح كتب أرسطو ولما دخل بغداد كان بها أبو بشر متى بن يونس الحكيم المشهور وهو شيخ كبير وكان يعلم الناس فن المنطق ويجتمع في حلقته خلق كثير من المشتغلين وهو يقرأ كتاب أرسطاطاليس في المنطق ويملي على تلامذته شرحه فكتب عنه في شرحه سبعون سفرا ثم ذهب لمدينة حران وفيها يوحنا بن جيلان الحكيم النصراني فأخذ عنه طرفا من المنطق أيضا ثم إنه قفل إلى بغداد راجعا وقرأ بها علوم الفلسفة وتناول جميع كتب أرسطاطاليس وتمهر في استخراج معانيها والوقوف على أغراضه فيها ويقال إنه وُجِد كتاب النفس لأرسطاطاليس وعليه مكتوب بخط أبي نصر الفارابي قرأت السماع الطبيعي لأرسطاطاليس أربعين مرة وأرى أني محتاج إلى معاودة قراءته قال الغزالي: ولقد قرب مذهب أرسطاطاليس في الإلاهيات من مذهب الإسلاميين الفارابي وابن سينا وقال: على أنه لم يقم بعلم أرسطاطاليس أحد من المتفلسفة الإسلاميين كقيام هذين الرجلين ثم جاء بعده أبو علي بن سينا فقال بعد أن أتقنت المنطق عدلت إلى الإلهي وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة فما كنت أفهم ما فيه والتبس عليّ غرض واضعه حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظاً وأنا مع ذلك لا أفهم ولا المقصود به وأيست من نفسي وقلت هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه وإذا أنا في يوم من الأيام حضرت وقت العصر في الوراقين وبيد دلال مجلد ينادي فاشتريته فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الحكمة الطبيعية ورجعت إلى بيتي وأسرعت فقرأته فانفتح عليّ في الوقت أغراض ذلك الكتاب ففرحت وتصدقت بشيء كثير شكراً لله تعالى وكان مع ذلك لا يعرف اللغة العربية وجرت مناظرة له فقال له بعض اللغويين إنك لا تعرف اللغة فأنف من ذلك وتوفر على درس اللغة ثلاث سنين ثم مرض في آخر عمره مرضا شديدا فاغتسل وتاب وتصدق بما معه على الفقراء ورد المظالم على من عرفه وأعتق مماليكه وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة ثم مات.

وهكذا تعلم من أين أتي القوم فقد تعلموا وتتلمذوا على كتب الوثنيين اليونانيين وبشرح النصارى المتخبطين مع تقديسهم لا للكتاب والسنة بل لكتب أرسطو لذلك تخلفت الأمة بسبب هؤلاء وضعف فيها نور الوحي والهدى لذلك قال ابن رشد عن أرسطو إنه الإنسان الكامل. فهؤلاء القوم تعكرت مشاربهم وتدنست علومهم بالشبه والخزعبلات الباطلة ثم يقدمون ويعطون المنازل العلى.

*خبير بمجمع الفقه الدولي.
21:02 | 28-10-2009

ماهية العقل

إن من المصطلحات التي حيرت أجيالا كثيرة من الفلاسفة خاصة والمعتنين بالفكر عامة مصطلح العقل، فالفلاسفة كأرسطو وغيره كثر اضطرابهم في ذلك كحالهم في كل قضية. قالوا إن العقل جوهر قائم بنفسه وهو أنواع متعددة هي عشرة عنده وأتباعه المشائين، أولها العقل الفعال وهو أول ما صدر عن الله بزعمهم وهو مفارق للمادة غير ممزوج بها ولايموت وهو إلهي الجوهر مبدع كل ما تحت فلك القمر وباقي العقول التسعة جواهر قائمة بنفسها ومدبرات للنفوس. هذا هو تصورهم للعقل ولا يرجعون فيه لأي رأي ولا دليل من نظر عقلي صحيح أو قياس مؤسل أو آثارة من علم أو نقل مصدق بل تخرصات لا دليل عليها. وهذه العقول عندهم أزلية يعني قديمة ليست حادثة مخلوقة بل قديمة أزلية كأزلية الرب تبارك وتعالى، مع أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال: كان الله ولا شيء غيره وفي رواية قبله. فالأزلي الأبدي الأول الذي ليس قبله شيء هو الله تعالى. وذهب الاسكندر الأفروديسي إلى أن هذا العقل الفعال هو الله، لأن الله عقل محض مفارق للمادة عند أرسطو، وكذلك هذا العقل، وهو التأويل الذي اختارته المدرسة الأوغسطينية عامة في العصور الوسطى بل العقول عندهم ليست مخلوقة بل زعموا أن لها إدراكا وتوسطا بين الباري تبارك وتعالى وبين العالم الجسماني يعني المخلوقات، وينتهي أرسطو إلى القول بأن هناك علة أولى أو المبدأ الأول ويصفه بأنه عقل محض وعاقل ومعقول، وقد عجز في نهاية الأمر عن بيان كيفية الاتصال بين العالم الحسي والعقل الإلهي الذي تصوره. فالعقل يصدر عنه الفلك الأعظم وهذا العقل الأول يلزم عنه ثلاثة أشياء: العقل الثاني، والفلك الأقصى، ونفسه. والعقل الثاني يلزم عنه ثلاثة أشياء: العقل الثالث، وفلك الكواكب الثابتة وصورته التي هي النفس، وهكذا إلى أن ينتهي الفيض إلى فلك القمر وكرة الهواء المحيطة بالأرض ولهذا نرى من جاء بعد أرسطو من الاسكندرانيين وعلى رأسهم أفلوطين وجدوا هذا التناقض العظيم بين الفلاسفة فكل منهم يخطئ الآخر، فحاولوا إصلاح تلك الفلسفة الفاسدة، وانتهى أمرهم إلى الإخفاق مثل غيرهم، وكان من ضمن محاولات أفلوطين للجمع بين رأي أفلاطون وأرسطو القول بنظرية الفيض، وهي النظرية التي تبناها الفارابي فيما بعد ثم ابن سينا، حتى شاعت بين فلاسفة التصوف أمثال ابن عربي وابن سبعين. والعجيب أنهم جعلوها عشرة ولماذا عشرة فقد نقضها السهروردي المقتول وأبو البركات البغدادي. بل جعل ابن رشد نظرية الفيض أضحوكة. وهكذا كل من ابتعد عن خبر السماء تكون أقوالهم أضحوكة خيالات وأوهام والله تعالى يقول: «إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا. لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا. ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا. يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا». وقال تعالى: «ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون. كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون». ثم جاء فلاسفة آخرون يسمون بفلاسفة الإسلام كابن سينا والفارابي وغيرهم حاولوا الجمع بين الفلسفة والشريعة فقالوا بالعقول العشرة وأنها واسطة بل جعلوا العقول العشرة هي الملائكة. فابن سينا كغيره من الفلاسفة يرى أن الموجودات صدرت عن الله لا على سبيل القصد والاختيار بل ضرورة. قال ابن خلدون: هذا الذي ذهبوا إليه باطل بجميع وجوهه. وقال تائبهم: وهو على التحقيق ظلمات فوق ظلمات لو حكاه الإنسان في نومه عن منام رآه لاستدل به على سوء مزاجه. وبعضهم زاد الطين بلة والبلاء بلاء والقرآن تكذيبا، فقال العقول العشرة هي أبناء الله والنفوس الفلكية هي بنات الله تعالى وهي متولدة عنه لازمة لذاته، وهذا الكلام يعلم بطلانه كل عاقل حتى قال بعض العلماء هم أجهل الناس وأضلهم وأشبههم بالبهائم من الحيوان، وقد قال تعالى: «ألكم الذكر وله الأنثى»، وقال سبحانه: «قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوا أحد»، وقال: «وجعلوا لله البنات سبحانه». وسورة الإخلاص يحفظها عباد الله التي لم تدنس فطرتهم من صبي ومجنون وعاقل وكبير وصغير وكل عجوز وكل مستورة خلف الستور تعلم بطلان ما جاءت به الفلسفة لكن للشيطان جنودا كما أخذ العهد على نفسه فقال «لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين» وهذا كله يؤكد أن الفكر يتأثر بالثقافة ولو في اللاشعور، فهؤلاء (المشائين) استصحبوا معهم وثنيتهم ومعبوداتهم لكن تغيرت الألفاظ فالعقل الأول الذي صدر عن الله هو إله آخر لذلك قالوا هو أزلي قديم، وهكذا برز تعدد الآلهة وجعلوه فلسفة وفكرا وعقلا لكن أحاطوا كلامهم بتعقيد وتحوير قد لايفهمه بعضهم أحيانا كما سبق أن مسألة الجوهر غامضة حتى عند أرسطو بل هم مختلفون في ماهية الجوهر وذلك ليغلقوا الطريق على من يجادلهم ويفهموا العامة أن معهم شيئا من العلم، بل هي جهالات وضلالات وكوابيس منامية من وحي الشيطان «وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون» وهكذا خرجت الصابئة والوثنية ومشركو العرب متفقة في تعدد الآلهة كما جادلوا خليل الرحمن ومحمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ ومشركو العرب كانوا أحسن منهم حالا لورثتهم ملة إبراهيم وإسماعيل حتى جاء عمرو بن لحي بأصنام هؤلاء من الشام ليستجلب بها المطر والخير. وكذلك قال ابن سينا إن النفس إذا دعت الميت استجابت لها النفس الفلكية وحققت مطلوبها وهذا عين قول الصابئة والفلاسفة والمشركين.
الخلاصة: لم تأت عقيدة أصفى من التوحيد الذي أجمعت عليه كافة الرسل «وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون» وقال: «ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت». وهؤلاء المتفلسفة لم يأتوا بشيء بل جهل فوق جهل وبعد جهل، وهم مضطربون في أبسط الأشياء هي العقل الذي تعامل معه القرآن بما يوافق الفطرة الذي يفهمه البدوي في الصحراء والصبي الصغير لا يحتاجون لهذا «فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها» وانظر لأثر الوحي الذي يحيي العقول والقلوب وانظر لآثار الفلسفة والوثنية. ويلي إن شاء الله تعالى الكلام عن العقل عند المسلمين.
*عضو المجمع الفقهي الدولي.
20:51 | 14-10-2009

أهمية الفكر في حياة الإنسان ودور العقل

الإنسان خلقه الله تعالى وجعله مكوناً من شيئين رئيسيين، جعله جسداً يأكل الطعام ويتغذى ويشعر بالحواس الظاهرة ويكتسب بها الخبرات كالسمع والبصر والشم والإحساس والذوق، ثم جعل له روحاً تحرك هذا الجسد وتقوده وتسيطر عليه، فكل غذاء للبدن يؤثر على الروح، وكذلك الروح لها أغذية وأغذيتها تؤثر على البدن، وذلك كما يلي:
فالإنسان الجائع لا يمكن أن يفكر جيداً، لذلك قال صلى الله عليه وسلم «لا يقض القاضي وهو غضبان» وقاس الفقهاء والأصوليون الجائع ومشغول الذهن على الغضبان، فالجوع والشبع والألم واللذة تؤثر على الروح والفكر والعقل وكذا غذاء الروح، يقول أحد العلماء إن الإنسان إذا تعلق قلبه وفكره بصورة غطت على عقله وصارت مسيطرة مهيمنة على خياله وتصوره لا يرى غيرها ولا يعرف سواها، كما قال أحدهم: أحب لحبها السودان حتى أحب لحبها سود الكلاب، وقد كان أحب امرأة سوداء فتعلقت صورتها بقلبه وكلما تقرب شخص من آخر فهو يرى صورته تنطبع على قلبه، فإذاً الروح والجسد متصلان اتصالا عظيماً في الدنيا والبرزخ والحياة الآخرة.
والفكر هو حركة القلب أو العقل تجاه أمر ما، أو هو ترتيب أمور معلومة لتؤدي إلى مجهول نظري تصوري أو تصديقي الفكر أعم من الاعتقاد، والفكر قد يورث ويستقى من البيئة، ولذلك كانت مشائية أرسطو تقوم في بعض صورها خاصة في تصورهم للإله على الفكر الوثني؛ لأن اليونان أمة وثنية تعبد الآلهة في معابدها ثم تهينها في أفراحها وحفلاتها لذلك خرجت مسألة العقول العشرة، وتصورهم لها يتلخص في أن الإله عندهم وجود محض لا يتصور منه فعل بل هو ساكن ثم أنشأ العقل الأول، والعقل الأول أنشأ العقل الثاني والنفس للفلك ثم وهكذا فكل عقل أنشأ عقلا بعده ونفساً إلى أن صارت العقول عشرة منها العقل العاشر المبدع والخالق لكل الأكوان المتضمن لإيجاد الكثرة لأنهم استصعبوا صدور الكثرة عن الواحد فأنشأوا عقولا عشرة مع أن بعض الفلاسفة كالسهروردي المقتول وغيره نقضوها ومنها نشأت نظرية الفيض التي سنتكلم عنها في مواضع لواحق إن شاء الله تعالى، على كل حال سنتناول الفكر وعلاقته بالعقل والنفس والفلسفة والمنطق وأثر العقل على الفكر وعلاقة الفكر بالبيئة والثقافة وهذه توطئة نريد منها مدخلاً للموضوع، والخلاصة أن الإنسان بطبعه مفكر والفكر لا يهتدي إلى الصواب المطلق إلا بالوحي لذلك كانت الرسل أسعد الناس للخلق.
*عضو المجمع الفقهي
20:05 | 7-10-2009

من كتب في غير فنه أتى بالعجائب

قرأت في صحيفة عكاظ الأحد 25 شعبان 1430هـ مقالا للكاتب عبده خال بعنوان : «تحريم النجيمي للزواج» وملخص ماكتبه: أنه يدعي بأنني حرمت زواج السائقين من المعلمات، وقال إنني عممت ولم أخصص.
أقول يا أخ عبده خال: من كتب في غير فنه أتى بالعجائب، فأنت تتحدث عن موضوع شرعي صرف لا تملك المؤهلات العلمية للحديث فيه فقد قلت تحديدا: إن أي زواج مؤقت محرم سواء تعلق بمصلحة مؤقتة أم لا. لأن الفقهاء قاطبة قد أجمعوا على أن الزواج المؤقت محرم بل إنه نوع من المتعة، ومن أباح منهم الزواج بنية الطلاق فإنه اشترط أن لا يظهر نيته، أما إذا أظهر نيته أو أصبح متعارفا بين الناس أن هذا الزواج مؤقت أو أنه سيطلقها حتما فإنه محرم لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا ولأن العبرة في العقود بالمعاني والمقاصد، لا بالألفاط والمباني. إذا أيها الكاتب فهمت خطأ فنطقت خطأ. وأنت تذكرني بزميل لك في نفس الجريدة (يكتب فيها) وهو الكاتب نجيب يماني فقد سئلت في مرة من المرات عن حكم شراء الخمر ليكون بديلا عن البنزين في بعض الولايات الأمريكية فأجبت بأنه لا يجوز للمسلم أن يشتري الخمر ولو كان يقوم مقام البنزين لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد لعن في الخمر عشرة ومنهم البائع والمشتري، ولكن الأستاذ نجيب اعتبر أن هذه الفتوى غريبة وذلك لأنه خاض في غير فنه فوقع في الخطأ، من هنا وجب على الكتاب كافة ألا يخوضوا فيما لا يعلمون، وقال صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه». وأما زعمك بأن المسفار والمسيار وغيرهما من الزيجات المعاصرة خاصة بالمجتمع السعودي فهذا غير صحيح، ففي مصر الزواج العرفي، وحتى المسيار صدرت فتوى من مجمع البحوث الإسلامية بشأنه والكويت واليمن، ولكن بعض الكتاب ومنهم أنت يكثرون من جلد الذات والتركيز على المجتمع السعودي، ولعل ذلك مرتبط بأجندة إقليمية ودولية للنيل من هذا البلد المبارك يستخدم فيها كتاب وأنصاف مثقفين سواء علموا أو لم يعلموا، وأنتم تذكرونني يالليبراليين والعلمانيين في الخمسينيات والستينيات عندما استخدموا لتمرير خطة لإيصال أبناء الطوائف الأخرى إلى رأس هرم الدولة ولما وصل الآخرون كان نصيبهم السجن والطرد والتشريد، وهكذا يفعل أعداؤنا فيستخدمون أبناءنا، فصار مثلهم كما قيل: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ويهدون بغير هدي الإسلام..
ثم اعلم أخي: لماذا لاتكونون من طالبي معالي الأمور وتتركون سفسافها وتتركون عنكم تتبع الزلات فقد قال صلى الله عليه وسلم: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لاتتبعوا عورات المسلمين»، كن في خاصة نفسك واجتهد في تكبير همك الإصلاحي فكثير من القضايا الأساسية في الأمة تحتاج لكتاب صدق يحللون القضايا ويأخذون بيد الأمة في الإصلاح فلا شك في أن أمتنا كسفينة إن خلع منها لوح غرقت ويا ليتكم تلتفتون لتوجيهات ولاة الأمر حينما يوجهون للكتاب توجيهات بأن يلتزموا ثوابت الأمة لا يتعرضوا لها وأن يقوموا بدور القلم الخطير الذي يقود الأمة نحو الصلاح.
الأستاذ في كلية الملك فهد الأمنية والمعهد العالي للقضاء. وعضو مجمع فقهاء الشريعة في أمريكا. والخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة.

20:04 | 10-09-2009