-A +A
محمد مفتي
كنت خارجاً لتوي من Westfield Mall بلندن متوجهاً إلى منزلي، استدعيت سيارة أجرة لتقلني إليه من خلال تطبيق Uber، بعد دقائق قليلة تلقيت اتصالاً هاتفياً من سائق سيارة الأجرة يخبرني بوصوله، لم أُفاجأ من اتصاله غير أني فوجئت به يقول لي: السلام عليكم يا محمد، أنا في انتظارك أمام محطة المترو، لم يكن مصدر استغرابي هو معرفته لاسمي؛ لأنه مدون بالتطبيق بطبيعة الحال، ولكن ما فاجأني هو حديثه معي بالعربية على هذا النحو في قلب عاصمة الضباب.

دلفت إلى السيارة برفقة أفراد أسرتي، وخلال الطريق الذي استغرق قرابة نصف الساعة تبادلت حواراً مطولاً مع السائق بدأته بسؤالي له عن جنسيته، فأخبرني أنه سني من منطقة الأحواز في إيران، وبعدها بدأ حوارنا يتشعب عن أوضاع تلك المنطقة التي كانت محوراً لأحداث تاريخية كثيرة على مدار تاريخها الطويل، باغته مازحاً: اسمك المدون بالتطبيق لا يوحي بأنك عربي، فأجاب بقوله إنه محظور على العرب السنة في الأحواز استخدام أسماء عربية، استأنفت طرح أسئلتي حول أحوالهم المعيشية، فأخبرني أن أوضاعهم متردية تماماً، وأن المواطنين في الأحواز يعانون من الاضطهاد وقلة الاهتمام ومحاولة السلطات طمس هوياتهم، بل تهجيرهم قسرياً.


واستطرد قائلاً إن سكان الأحواز لا يحصلون على أي دعم حكومي ولا يتم علاجهم بالمجان أسوة ببقية المواطنين، هذا بخلاف سرقة النفط من أراضيهم، ولا تقدم لهم الحكومة وظائف بل تقصرها على المواطنين الآخرين من خارج الأحواز، كما أنهم لا يتقلدون أي نوع من الوظائف القيادية، وتعاني الأحواز من نسب عالية للغاية من التلوث البيئي بسبب تعمد تجاهل تطويرها أو تحسين ظروف المعيشة فيها، وفي نهاية حواري معه أكد لي أن مواطني الأحواز في حالة قطيعة مع النظام الحاكم الذي يبادله الكره ويفرض عليه القمع.

في واقع الأمر لم تكن المعلومات التي حصلت عليها من سائق سيارة الأجرة غريبة، فالنظام الإيراني الطائفي المحتقن يمارس كافة أشكال التمييز ضد مواطنيه تحت زعم اختلافهم الفكري أو العقائدي معه، وهو ليس بالأمر الجديد، بل هي السياسة المتبعة منذ صعود نظام الخميني لسدة الحكم في إيران، غير أن أي متابع للشأن الإيراني الآن يجد أن استمرار تلك الأوضاع في إيران على هذا النحو غير ممكن، فالدولة الآن في حالة تفكك داخلي، والمواطن لم يعد ينظر لانفجار الأوضاع الاقتصادية وتردي الظروف الاجتماعية باعتبارها نتاجاً للعقوبات الأمريكية أو للعزلة عن المجتمع الدولي، بل أصبح يراها ترجمة عملية ومباشرة لسياسة خاطئة من حكومة مقصرة تفتقد للرؤية وتفتقر للبصيرة.

ربما أصبح شعار المرحلة الحالي في إيران هو الموت للنظام، في تغير يفصح عن عودة الوعي الجمعي لمواطني الشارع الإيراني، ممن سئموا تماماً مبررات النظام اللامنطقية ومشروعاته الفكرية الفاسدة، وضجروا من لا مبالاة حكامه بهم وبمعيشتهم وبأوضاعهم الحياتية، وبالزج بهم في غياهب معاركهم العسكرية الفاشلة، أصبح المواطن الإيراني غير قادر على استمرار تحمل النظام بسياساته الرعناء، وطفح به الكيل إلى الحد الذي انتقل فيه هذا الغضب إلى مؤسسات الدولة ذاتها، والتي بدأت الأمراض المعضلة تنتشر في أوصالها وتستشري في مفاصلها تمهيداً لتمزيقها شر ممزق، ولقد أصبحت الأزمات الداخلية في إيران على مرأى ومسمع العالم كله، ولم يعد بوسع أحد إخفاؤها، وفي اعتقادنا أن انهيار النظام الحاكم هو مسألة وقت فحسب، وأن عودة العدل والإنصاف لمواطني الأحواز، ولجميع المواطنين الإيرانيين حتمية ولا مفر منها.

* كاتب سعودي