يقصد بالسوابق القضائية مجموعة المبادئ القانونية المستخلصة من استقرار الأحكام النهائية واطرادها في اتجاه معين. وتظهر أهمية السوابق في تأصيل النصوص القانونية وتدعيم ثقة الخصوم والمستثمرين في النظام القضائي المحلي مما يساعد على استقطاب الاستثمارات الأجنبية وإثراء الفقه القانوني وتسهيل مهمة المحامين عند كتابة مذكراتهم إذ بناءً على توجهات القضاء يستطيع المحامون تأسيس أسانيد موكليهم. كما أن السوابق تساعد على سد النقص في التشريعات أو عجزها عن ملاحقة التطور في مجالات الحياة المتعددة. فضلاً عن فائدتها للباحثين والقضاة أنفسهم إذ باطلاعهم على القرارات المنشورة تتوحد المبادئ التي ينبغي على القضاة أو المستشارين القانونيين اتخاذها في الوقائع المتشابهة. وقد قام ديوان المظالم خلال 1401- 1402هـ ووزارة التجارة في الفترة 1403-1407هـ بإصدار مجلدات تضمنت أحكاماً نهائية ملخصة ومنتقاة لدعاوى إدارية وأوراق تجارية. لكن هذه الجهات ما لبثت أن توقفت عن النشر وعليه بقيت الأحكام حبيسة خزائن الجهات المعنية رغم أن المادة (89) من نظام القضاء والمادة (47) من نظام ديوان المظالم تتطلبان نشر الأحكام.
وفي اعتقادي أن هناك أسباباً جوهرية وراء عدم نشر الجهات القضائية لأحكامها النهائية ويمكن تلخيص هذه الأسباب في التالي:
أولاً: تباين اجتهادات القضاة في تكييف الوقائع ذات الظروف المتشابهة. فتلاحظ مثلاً في القضايا الجنائية أن قاضياً في محكمة بالخبر يحكم بعقوبة السجن مدة سنة وستة أشهر والجلد خمسمائة جلدة لمن تثبت إدانته بتهريب كمية خمور إلى أراضي المملكة بينما تنخفض العقوبة لذات الواقعة لدى قاض بالإحساء إلى خمسة عشر شهراً ومائة جلدة رغم أن الكمية المهربة في الواقعتين متساوية.
ثانياً: إضافة إلى ذلك فإنه لا يوجد في الجهات المعنية بإصدار الأحكام إدارات متخصصة تعنى بفهرسة وتبويب وحفظ القرارات تقنياً.
ثالثاً: عدم تسبيب بعض الجهات القضائية «وخاصة القضاء الشرعي» لأحكامها وعدم وجود مجلات قانونية متخصصة تهتم بنشر الأحكام ونقدها والتعليق عليها.. فضلاً عن غياب المؤتمرات والندوات وورش العمل التي تناقش تطوير الجوانب الفنية لنشر القرارات ورفع مستوى وعي القضاة تجاه الإيجابيات المتأتية من عملية النشر وتلافي سلبيات النشر والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال.
ولاشك أن عدم نشر المحاكم لأحكامها النهائية لا يتفق مع المادة (26) من النظام الأساسي للحكم. وبالتالي يقع على عاتق هذه الأجهزة التزام قانوني يجعل هذه المعلومات في متناول الجمهور من خلال نشرها أو على الأقل إتاحتها لمن يطلبها. ويوجد في الدول المتقدمة ومعظم الدول النامية قوانين تُعنى بحرية المعلومات نُظمت فيها ماهية المعلومات التي تلتزم السلطات العامة بنشرها والقيود الواردة على الحق في الحصول على المعلومات كالمعلومات المتعلقة بأمن الدولة أو بعلاقاتها الخارجية أو بأمن الجمهور وسلامته وخصوصيات الإنسان. إن نشر الأحكام النهائية وإطلاع كل ذي مصلحة عليها له أهمية محلية وتزداد أهمية النشر بعد أن أصبحنا جزءاً من القرية الكونية بفضل انضمام المملكة للكثير من الاتفاقيات الدولية وما يتطلبه هذا من رغبة المستثمرين الأجانب والمنظمات الدولية في معرفة الآلية التي تتبعها محاكمنا عند تطبيق الأنظمة المحلية وأحكام الاتفاقيات الدولية. ولما تقدم فإنني أرى أن التغلب على مشكلة عدم نشر السوابق القضائية يستلزم التالي: أولاً: تقنين الأحكام الشرعية لأن عدم وجود مدونة للمسائل المدنية والجنائية أدى إلى تباين الأحكام في الوقائع المتشابهة مما ولد لدى بعض القضاة شك في مدى صحة تكييفهم للوقائع ومن شأن هذا إضعاف الثقة في النظام القضائي. ثانياً: إنشاء جهة فنية مستقلة تعنى بتصنيف وتبويب الأحكام النهائية للجهات القضائية. ثالثاً: ترجمة أحكام محاكم الدول وأحكام التحكيم الأجنبي المتأتية من اتفاقيات دولية وإصدارها في شكل مجلدات وتوزيعها على المحاكم لأن من شأن هذا توحيد الاجتهادات القضائية المحلية مع المبادئ المستقر عليها العمل دولياً. رابعاً: وضع نسخ من الأحكام النهائية في المكتبات العامة وذلك بغرض اطلاع أصحاب الشأن عليها. خامساً: سن قانون لحرية المعلومات بنظم التزامات السلطات العامة تجاه نشر المعلومات التي تكون بحوزتها، وإجراءات الحصول عليها والمعلومات التي يجب نشرها أو إتاحتها وتلك التي يجب تقييدها.
* أكاديمي ومستشار قانوني
لماذا لا تنشر السوابق القضائية في المملكة؟
10 يوليو 2006 - 19:27
|
آخر تحديث 10 يوليو 2006 - 19:27
تابع قناة عكاظ على الواتساب
