هل هناك علاقة طردية متلازمة بين العصرنة (MODERNIZATION) والثقافة الغربية (WESTERNIZATION). بمعنى: أن على أي مجتمع يطمح لتحقيق معدلات تنموية عالية في التنمية بمستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتقدمة، أن يأخذ بشقي النظرية الليبرالية الغربية، الرأسمالي والديموقراطي، بصورة الأخذ بهما في المجتمعات الغربية المعاصرة، في بلدان أوربا الغربية، وشمال أمريكا. الولايات المتحدة، في عهد الحكومة اليمينية المحافظة، هذه الأيام، تزعم: أنها تتحمل مسئولية أخلاقية، كلفتها بها «العناية الإلهية» لنشر قيم الليبرالية الغربية، في الحرية والديموقراطية، من أجل أن يسود السلام العالم، حتى لو تطلب الأمر استخدام القوة الاستراتيجية الكاسحة للولايات المتحدة، ضد محاور «الشر» وقوى «الإرهاب»، كما حدث في أفغانستان والعراق..!؟
من أخطر عيوب النظرية والممارسة الليبرالية الغربية (الحضارية)، تأكيدها على الجانب النفعي للتنمية، بتطبيق مبادئ رأسمالية جافة، كأهم مظاهر الثقافة الغربية المعاصرة. حتى ما يظهر على السطح من مراعاة قيم الليبرالية في الحرية والديموقراطية، فإن هذا لا ينفي طغيان القيم الرأسمالية، بخلفيتها الاقتصادية النفعية الصارمة، في تحديد نمط العلاقات الاجتماعية وتشكيل التيارات السياسية في المجتمعات الغربية. علاقات الإنتاج وليست علاقات الحراك السياسي والاجتماعي، ببعده الإنساني، هي التي تحدد مسار العملية السياسية في المجتمعات الغربية. هذا الخلل في واقع الممارسة الليبرالية المعاصرة، ليس حكراً على مجتمعات حديثة قليلة الخبرة وعديمة الخلفية التاريخية، مثل التجربة الأمريكية... بل، أيضاً، يطال النموذج الأوربي، بكل مظاهر التاريخية الكلاسيكية، في خبرته السياسية وخلفيته الثقافية.
الشرق، في النهاية يظل شرقاً، حتى لو تأقلم مع مسلمات النظرية الرأسمالية الاقتصادية، بظروف يمر بها النظام الدولي، من آن لآخر، وليس بالضرورة، لجدارة النظرية والممارسة الليبرالية، ببعدها الرأسمالي، غير الإنساني. التجربة الصناعية المتقدمة، في مجتمعات الشرق الصناعي المتقدم، مثل اليابان... وكذا الآن، في الصين، تُثبت حقيقة حضارية مهمة، بأنه ليس هناك علاقة متلازمة بين النمو الاقتصادي.. وكذا التقدم السياسي، والأخذ بقيم الثقافة الغربية الرأسمالية، في إطارها السياسي والاقتصادي، العام، كما تعكسه تجربة الثقافة الغربية المعاصرة.
اليابان دولة صناعية متقدمة... ولكن الملفت في المعجزة اليابانية، التي امتدت بعد ذلك إلى دول النمور الآسيوية الأخرى، وفي مقدمتها الصين، سقوط أسطورة العلاقة بين العصرنة والثقافة الغربية حتى على مستويات النظرية والممارسة الليبرالية، بمرتكزاتها الرأسمالية العتيدة. اليابان، ليست دولة صناعية متقدمة، فحسب... بل هي، أيضاً، دولة ديموقراطية عصرية، ولكن بثقافة شرقية أصيلة.
التجربة اليابانية، ولنقل: المعجزة اليابانية أثبتت: أنه بالإمكان الأخذ، بوجهي النظرية والممارسة الليبرالية الغربية، دون المساومة على قيم المجتمع الياباني المحافظة، التي تركز على قيمة الجماعة، في مواجهة حقوق وحريات الفرد، التي تركز عليها منطلقات النظرية والممارسة الليبرالية، في مجتمعات الغرب الرأسمالي.
هذا لا يعني أن التجربة الديموقراطية اليابانية تساوم على أهم ركائز النظرية والممارسة الليبرالية، على مستوى التحليل الجزئي، المتمثلة في بعدها الفردي، ولكن الفهم الصحيح للمعجزة الصناعية اليابانية، نجده في قيم العمل الجماعي، في تأسيس الصروح الاقتصادية العملاقة في اليابان، التي جعلت من اليابان دولة صناعية متقدمة وعضواً مؤسساً في مجموعة الدول الصناعية االثماني الغنية. كذلك فإن اليابان، حتى في ظل حكم الحزب الليبرالي، الذي حكم اليابان، لفترة طويلة، لم تتخل عن الوظيفة الاجتماعية للدولة، كأهم أسس التنمية الاقتصادية.
من جانب آخر، المعجزة الاقتصادية الصينية، أثبتت أنه يمكن الأخذ بالجانب الاقتصادي من النظرية الرأسمالية، دون المساومة على نظام القيم الصيني بخلفيته الشيوعية الشرقية. الصين، أيضاً: قبل الأخذ بالشكل الرأسمالي (المعدل)، الذي هو وراء ما نشاهده في الصين، هذه الأيام، من نمو اقتصادي ملفت، كانت لها تجربة في السابق مع النظرية والممارسة الشيوعية، بشكلها اللينيني الذي كان سائداً في الاتحاد السوفيتي السابق، الذي كان، بدوره مختلفاً عن الشكل الماركسي (الغربي)، الذي وضع ماركس أساسه النظري، وفقاً للحالة الاقتصادية والاجتماعية، في مجتمعات غرب أوربا الرأسمالية، الصناعية المتقدمة.
إذن: المعجزة الصناعية الصينية، وقبلها اليابانية، فندتا الزعم التاريخي للنظرية والممارسة الليبرالية، بأن التغريب (WESTERNIZATION)مرادف للعصرنة، (MODERNIZATION) بعلامتها الحضارية والثقافية المميزة (الرأسمالية). يتبع ذلك أن التنمية، بمعناها الاقتصادي والثقافي والسياسي العام، يمكن تصورها خارج التمسك بالقيم الرأسمالية، بأبعادها الاقتصادية الصارمة غير الإنسانية، لمفهوم الليبرالية الغربية.
بل يمكن أن نذهب إلى أبعد من ذلك في تأكيد عدم الترابط بين العصرنة والثقافة الغربية، أنه في الدول التي تأخذ بالنظرية والممارسة الديموقراطية، بصورة كربونية متطابقة، تفقد الاثنين، معاً: الوصول إلى مستويات ومعدلات الممارسة الليبرالية، في بعدها السياسي والاجتماعي (الديموقراطي)، وكذا مستويات النمو الاقتصادي المتوقع، نتيجة للأخذ بالجانب المادي، من النظرية والممارسة الرأسمالية.
روسيا، خير مثال يمكن أن نورده، في هذا المجال. روسيا، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، اتجهت نحو خيار الأخذ بوجهي النظرية والممارسة الليبرالية، في صيغتها الغربية، وانتهى بها الحال، إلى عدم الارتقاء إلى توقعات الممارسة السياسة، طبقاً لقيم وحركة النظرية الليبرالية الغربية، ولا لمستويات النمو الاقتصادي التي يفترضه الأخذ بقيم وحركة النظرية الرأسمالية. وكان من نتيجة ذلك أن فقدت روسيا إرث الاتحاد السوفيتي النافذ في النظام الدولي، وإن احتفظت بذلك الإرث، في بعده السياسي الشكلي، كالاحتفاظ (مثلاً) بالمقعد الدائم في مجلس الأمن.
في جميع القضايا، التي لها علاقة مباشرة بمصالح موسكو العليا وأمن روسيا القومي، التي كانت تفسر سلوك الاتحاد السوفيتي، كقوة عظمى ندية، تتقاسم موارد النظام الدولي مناصفة مع الولايات المتحدة، في نظام القطبية الثنائية لعهد الحرب الباردة السابق، يلاحظ المتتبع لسلوك روسيا في مجلس الأمن، تخاذلاً واضحاً عن إبداء أية نزعة تجاه المنافسة الكونية. سلوك على أي حال: اتصفت به الصين، منذ أن احتلت مقعدها في مجلس الأمن، منتصف السبعينات... وإن كانت الصين، في الوقت الحاضر، تتهيأ لوضع المنافسة الكونية، انطلاقاً، من قاعدة اقتصادية صلبة، ربما خلال عقدين، من الآن.
الشرق، كما كان تاريخياً، منبع الحضارة، الذي لا ينضب. منه بدأت الحضارة، وإليه تعود. قد تتجاوز محطاته، في فترات تاريخية صعبة، مسيرة التاريخ... إلا أن مسيرة التاريخ، سرعان ما تعود إلى مسارها الصحيح بالمرور بمحطات الشرق العريقة. منذ نهاية القرن الخامس عشر يعيش العالم مداً، غير مسبوقٍ للغرب، في تغيير مسار التاريخ، وعرف العالم من يومها الحروب الكونية الكبيرة.. والمد الاستعماري الغربي الشرس، بما فيه من تنكر لقيم إنسانية أرستها حضارات شرقية عريقة.. وأكدتها رسالات سماوية، ظهرت جميعها في أرض المشرق العظيمة.
ما نراه اليوم، من هجمة غربية شرسة، على المشرق الأدنى والأوسط، بدعاوى الحرية والديموقراطية، إنما هي ـ في حقيقتها ـ امتداد لنزعة استعمارية توسعية، بدأت من 2500 سنة، بغزوات الإسكندر الأكبر.. و«فتوحات» الإمبراطورية الرومانية.. وحملات الغرب الصليبية، في القرون الوسطى.. وتعاقب الأنظمة الدولية الحديثة، منذ القرن الخامس عشر التي منها بدأت الموجات الأولى من المد الاستعماري القديم لإمبراطوريات غربية ظهرت في البرتغال وأسبانيا وفرنسا وبريطانيا، لتتبعها موجة استعمارية جديدة، هذه الأيام، باسم الحرية والديموقراطية.. وبفعل الطغيان الاستراتيجي الكاسح، التي تمثله الولايات المتحدة.
ولكن شمس الحضارة، لم تأفل، أبداً من الشرق.. وتأبى إلا أن تجدد تأكيد شروقها، من المشرق، كل صباح. المشرق أثبت تاريخياً، قدرته الخلاقة في صنع الحضارات.. واستيعاب نزعات التوسع والهيمنة لجحافل الغزاة القادمة من الغرب.. والبناء على تراثهم الحضاري، لاستعادة قوته من جديد، ليقود حركة التاريخ، في مسارها الصحيح.
ما يحدث في شرق آسيا من نهضة اقتصادية ملفتة، في الشرق الأقصى،دون المساومة على قيم الشرق العريقة، بأبعادها الإنسانية.. وما يحدث في منطقة الشرق الأدنى، من هجمة مد استعماري غربي جديد، أظهر مناطق ضعف خطيرة في قدرة النظرية والممارسة الليبرالية الغربية على اختراق منافذ لها في الشرق العربي، تماماً كما عجزت جحافل جيوشها إيجاد مواطئ قدم ثابتة لها في المنطقة، كما يحدث في العراق، هذه الأيام.
الشمس لن تشرق إلا من المشرق.. وإن هي ظهرت من المغرب، فإنها نهاية العالم. هذه حقيقية إلهية، كما هي حقيقة إنسانية وحضارية.
من أخطر عيوب النظرية والممارسة الليبرالية الغربية (الحضارية)، تأكيدها على الجانب النفعي للتنمية، بتطبيق مبادئ رأسمالية جافة، كأهم مظاهر الثقافة الغربية المعاصرة. حتى ما يظهر على السطح من مراعاة قيم الليبرالية في الحرية والديموقراطية، فإن هذا لا ينفي طغيان القيم الرأسمالية، بخلفيتها الاقتصادية النفعية الصارمة، في تحديد نمط العلاقات الاجتماعية وتشكيل التيارات السياسية في المجتمعات الغربية. علاقات الإنتاج وليست علاقات الحراك السياسي والاجتماعي، ببعده الإنساني، هي التي تحدد مسار العملية السياسية في المجتمعات الغربية. هذا الخلل في واقع الممارسة الليبرالية المعاصرة، ليس حكراً على مجتمعات حديثة قليلة الخبرة وعديمة الخلفية التاريخية، مثل التجربة الأمريكية... بل، أيضاً، يطال النموذج الأوربي، بكل مظاهر التاريخية الكلاسيكية، في خبرته السياسية وخلفيته الثقافية.
الشرق، في النهاية يظل شرقاً، حتى لو تأقلم مع مسلمات النظرية الرأسمالية الاقتصادية، بظروف يمر بها النظام الدولي، من آن لآخر، وليس بالضرورة، لجدارة النظرية والممارسة الليبرالية، ببعدها الرأسمالي، غير الإنساني. التجربة الصناعية المتقدمة، في مجتمعات الشرق الصناعي المتقدم، مثل اليابان... وكذا الآن، في الصين، تُثبت حقيقة حضارية مهمة، بأنه ليس هناك علاقة متلازمة بين النمو الاقتصادي.. وكذا التقدم السياسي، والأخذ بقيم الثقافة الغربية الرأسمالية، في إطارها السياسي والاقتصادي، العام، كما تعكسه تجربة الثقافة الغربية المعاصرة.
اليابان دولة صناعية متقدمة... ولكن الملفت في المعجزة اليابانية، التي امتدت بعد ذلك إلى دول النمور الآسيوية الأخرى، وفي مقدمتها الصين، سقوط أسطورة العلاقة بين العصرنة والثقافة الغربية حتى على مستويات النظرية والممارسة الليبرالية، بمرتكزاتها الرأسمالية العتيدة. اليابان، ليست دولة صناعية متقدمة، فحسب... بل هي، أيضاً، دولة ديموقراطية عصرية، ولكن بثقافة شرقية أصيلة.
التجربة اليابانية، ولنقل: المعجزة اليابانية أثبتت: أنه بالإمكان الأخذ، بوجهي النظرية والممارسة الليبرالية الغربية، دون المساومة على قيم المجتمع الياباني المحافظة، التي تركز على قيمة الجماعة، في مواجهة حقوق وحريات الفرد، التي تركز عليها منطلقات النظرية والممارسة الليبرالية، في مجتمعات الغرب الرأسمالي.
هذا لا يعني أن التجربة الديموقراطية اليابانية تساوم على أهم ركائز النظرية والممارسة الليبرالية، على مستوى التحليل الجزئي، المتمثلة في بعدها الفردي، ولكن الفهم الصحيح للمعجزة الصناعية اليابانية، نجده في قيم العمل الجماعي، في تأسيس الصروح الاقتصادية العملاقة في اليابان، التي جعلت من اليابان دولة صناعية متقدمة وعضواً مؤسساً في مجموعة الدول الصناعية االثماني الغنية. كذلك فإن اليابان، حتى في ظل حكم الحزب الليبرالي، الذي حكم اليابان، لفترة طويلة، لم تتخل عن الوظيفة الاجتماعية للدولة، كأهم أسس التنمية الاقتصادية.
من جانب آخر، المعجزة الاقتصادية الصينية، أثبتت أنه يمكن الأخذ بالجانب الاقتصادي من النظرية الرأسمالية، دون المساومة على نظام القيم الصيني بخلفيته الشيوعية الشرقية. الصين، أيضاً: قبل الأخذ بالشكل الرأسمالي (المعدل)، الذي هو وراء ما نشاهده في الصين، هذه الأيام، من نمو اقتصادي ملفت، كانت لها تجربة في السابق مع النظرية والممارسة الشيوعية، بشكلها اللينيني الذي كان سائداً في الاتحاد السوفيتي السابق، الذي كان، بدوره مختلفاً عن الشكل الماركسي (الغربي)، الذي وضع ماركس أساسه النظري، وفقاً للحالة الاقتصادية والاجتماعية، في مجتمعات غرب أوربا الرأسمالية، الصناعية المتقدمة.
إذن: المعجزة الصناعية الصينية، وقبلها اليابانية، فندتا الزعم التاريخي للنظرية والممارسة الليبرالية، بأن التغريب (WESTERNIZATION)مرادف للعصرنة، (MODERNIZATION) بعلامتها الحضارية والثقافية المميزة (الرأسمالية). يتبع ذلك أن التنمية، بمعناها الاقتصادي والثقافي والسياسي العام، يمكن تصورها خارج التمسك بالقيم الرأسمالية، بأبعادها الاقتصادية الصارمة غير الإنسانية، لمفهوم الليبرالية الغربية.
بل يمكن أن نذهب إلى أبعد من ذلك في تأكيد عدم الترابط بين العصرنة والثقافة الغربية، أنه في الدول التي تأخذ بالنظرية والممارسة الديموقراطية، بصورة كربونية متطابقة، تفقد الاثنين، معاً: الوصول إلى مستويات ومعدلات الممارسة الليبرالية، في بعدها السياسي والاجتماعي (الديموقراطي)، وكذا مستويات النمو الاقتصادي المتوقع، نتيجة للأخذ بالجانب المادي، من النظرية والممارسة الرأسمالية.
روسيا، خير مثال يمكن أن نورده، في هذا المجال. روسيا، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، اتجهت نحو خيار الأخذ بوجهي النظرية والممارسة الليبرالية، في صيغتها الغربية، وانتهى بها الحال، إلى عدم الارتقاء إلى توقعات الممارسة السياسة، طبقاً لقيم وحركة النظرية الليبرالية الغربية، ولا لمستويات النمو الاقتصادي التي يفترضه الأخذ بقيم وحركة النظرية الرأسمالية. وكان من نتيجة ذلك أن فقدت روسيا إرث الاتحاد السوفيتي النافذ في النظام الدولي، وإن احتفظت بذلك الإرث، في بعده السياسي الشكلي، كالاحتفاظ (مثلاً) بالمقعد الدائم في مجلس الأمن.
في جميع القضايا، التي لها علاقة مباشرة بمصالح موسكو العليا وأمن روسيا القومي، التي كانت تفسر سلوك الاتحاد السوفيتي، كقوة عظمى ندية، تتقاسم موارد النظام الدولي مناصفة مع الولايات المتحدة، في نظام القطبية الثنائية لعهد الحرب الباردة السابق، يلاحظ المتتبع لسلوك روسيا في مجلس الأمن، تخاذلاً واضحاً عن إبداء أية نزعة تجاه المنافسة الكونية. سلوك على أي حال: اتصفت به الصين، منذ أن احتلت مقعدها في مجلس الأمن، منتصف السبعينات... وإن كانت الصين، في الوقت الحاضر، تتهيأ لوضع المنافسة الكونية، انطلاقاً، من قاعدة اقتصادية صلبة، ربما خلال عقدين، من الآن.
الشرق، كما كان تاريخياً، منبع الحضارة، الذي لا ينضب. منه بدأت الحضارة، وإليه تعود. قد تتجاوز محطاته، في فترات تاريخية صعبة، مسيرة التاريخ... إلا أن مسيرة التاريخ، سرعان ما تعود إلى مسارها الصحيح بالمرور بمحطات الشرق العريقة. منذ نهاية القرن الخامس عشر يعيش العالم مداً، غير مسبوقٍ للغرب، في تغيير مسار التاريخ، وعرف العالم من يومها الحروب الكونية الكبيرة.. والمد الاستعماري الغربي الشرس، بما فيه من تنكر لقيم إنسانية أرستها حضارات شرقية عريقة.. وأكدتها رسالات سماوية، ظهرت جميعها في أرض المشرق العظيمة.
ما نراه اليوم، من هجمة غربية شرسة، على المشرق الأدنى والأوسط، بدعاوى الحرية والديموقراطية، إنما هي ـ في حقيقتها ـ امتداد لنزعة استعمارية توسعية، بدأت من 2500 سنة، بغزوات الإسكندر الأكبر.. و«فتوحات» الإمبراطورية الرومانية.. وحملات الغرب الصليبية، في القرون الوسطى.. وتعاقب الأنظمة الدولية الحديثة، منذ القرن الخامس عشر التي منها بدأت الموجات الأولى من المد الاستعماري القديم لإمبراطوريات غربية ظهرت في البرتغال وأسبانيا وفرنسا وبريطانيا، لتتبعها موجة استعمارية جديدة، هذه الأيام، باسم الحرية والديموقراطية.. وبفعل الطغيان الاستراتيجي الكاسح، التي تمثله الولايات المتحدة.
ولكن شمس الحضارة، لم تأفل، أبداً من الشرق.. وتأبى إلا أن تجدد تأكيد شروقها، من المشرق، كل صباح. المشرق أثبت تاريخياً، قدرته الخلاقة في صنع الحضارات.. واستيعاب نزعات التوسع والهيمنة لجحافل الغزاة القادمة من الغرب.. والبناء على تراثهم الحضاري، لاستعادة قوته من جديد، ليقود حركة التاريخ، في مسارها الصحيح.
ما يحدث في شرق آسيا من نهضة اقتصادية ملفتة، في الشرق الأقصى،دون المساومة على قيم الشرق العريقة، بأبعادها الإنسانية.. وما يحدث في منطقة الشرق الأدنى، من هجمة مد استعماري غربي جديد، أظهر مناطق ضعف خطيرة في قدرة النظرية والممارسة الليبرالية الغربية على اختراق منافذ لها في الشرق العربي، تماماً كما عجزت جحافل جيوشها إيجاد مواطئ قدم ثابتة لها في المنطقة، كما يحدث في العراق، هذه الأيام.
الشمس لن تشرق إلا من المشرق.. وإن هي ظهرت من المغرب، فإنها نهاية العالم. هذه حقيقية إلهية، كما هي حقيقة إنسانية وحضارية.