اتسمت حياة المسلمين في أواخر العصر العباسي، وما تلاه من عصور، بالجهل وضعف التفكير، وغلبت على الناس فيه السذاجة الفكرية، فأتاح ذلك مجالا واسعا لأن تنشط الخزعبلات والأكاذيب إلى حد أن شقت طريقها إلى صدور مجالس المحدثين والأئمة والفقهاء وأمثالهم، فشاع بينهم التظاهر بغلبة التقوى والعلم والقرب من الله إلى درجة أن صاروا مستجابي الدعوة!!.
وكانت من الوسائل الشائعة لخداع الناس وكسب ثقتهم ادعاء رؤى يؤلفونها ثم يؤولونها فيما بعد وفق ما يخدم أهدافهم. ورغم أن الرؤى التي كانوا يدعون رؤيتها كانت تبدو واضحة الكذب والصناعة، إلا أنها تشيع بين الناس ويظلون يتناقلونها كحقيقة واقعة ولا فرق. من هذه الرؤى ما يذكر من أن «أبا محمد الجويني والد إمام الحرمين الجويني قال: إنه رأى (إبراهيم الخليل) في المنام فأومأ لتقبيل رجليه فمنع عن ذلك تكريما له، قال: فقبلت عقبيه»، ثم أول تلك الرؤيا على أنها دلالة على حدوث الرفعة والبركة في عقبه، (ابنه الإمام الجويني إمام الحرمين). وفي تمجيد الإمام الغزالي يروي أبو الحسن الشاذلي أنه «رأى النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ في النوم وقد باهى ــ عليه الصلاة والسلام ــ موسى وعيسى ــ عليهما السلام ــ بالإمام الغزالي، وقال: أفي أمتيكما حبر كهذا؟ قالا: لا».
وفي رؤيا أخرى، تساق أيضا للرفع من شأن الغزالي وكتابه إحياء علوم الدين، حيث يروي أن أحد أئمة المغرب المعتبرين، اطلع على كتاب الإحياء فأمر بحرق جميع نسخه لأنه رآه مخالفا للسنة، لكنه في صبيحة اليوم التالي عدل عن أمره ذاك، ولما سئل عن السبب قال: إنه رأى في المنام أنه «دخل من باب الجامع ورأى في ركن المسجد نورا وإذا بالنبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وأبي بكر وعمر جلوس والإمام الغزالي قائم وبيده الإحياء، وقال يا رسول الله، هذا خصمي، ثم جثا على ركبتيه وزحف عليهما إلى أن وصل إلى النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ فناوله كتاب الإحياء، وقال يا رسول الله، انظر فيه فإن كان فيه بدعة مخالفة لسنتك كما زعم تبت إلى الله تعالى، وإن كان فيه شيء تستحسنه حصل لي من بركتك فانصفني من خصمي ، فنظر فيه رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ ورقة ورقة إلى آخره، ثم قال: والله إن هذا شيء حسن، ثم ناوله أبا بكر ــ رضي الله عنه ــ فنظر فيه كذلك ثم قال نعم والذي بعثك بالحق يا رسول الله إنه لحسن، ثم ناوله عمر ــ رضي الله عنه ــ فنظر فيه كذلك ثم قال كما قال أبو بكر، فأمر رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ بتجريدي وضربي حد المفترى، فجردت وضربت ثم شفع في أبو بكر إلخ». أما أجرأ رؤيا على الإطلاق فهي الرؤيا التي يرويها ابن السبكي قال: «مرض لأبي القاسم القشيري ولد مرضا شديدا، فأصابه اليأس منه وشق عليه، وفي المنام رأى (الحق) سبحانه فشكا له مرض ابنه فقال له الحق تعالى: اجمع آيات الشفاء واقرأها عليه أو اكتبها في إناء واجعل فيه مشروبا واسقه إياه، ففعل ذلك، فعوفي».
وهناك كثير من أمثال تلك الرؤى، التي يضعها بعض الكذابين من أجل تمجيد أشخاص معينين أو لتحقيق غاية لأنفسهم، فيتلقاها السامعون بثقة وتصديق وإيمان، رغم ما فيها من صنعة وكذب صريح يأبى أن يقبله العقل، ولكن لكون البيئة الثقافية المحيطة بيئة ساذجة وجاهلة وقاصرة عن التأمل والتفكير، فإنها انطلت عليها تلك الرؤى وتعاملت معها كوقائع ثابتة يبني عليها ويستشهد بها من حين لآخر.