في علم السياسة هناك نظرية قديمة قدم علم السياسة نفسه تشَبِه الدولة بالكائن الحي، الإنسان على وجه الخصوص. النظرية العضوية في تفسير الدولة تشبه المجتمع (الشعب) بالأسرة ورأس النظام السياسي (الحاكم) برب الأسرة. كما هي وظيفة رب الأسرة رعاية أفراد أسرته وتهذيبهم والاستجابة لطلباتهم والسهر على أمنهم وراحتهم وإشباع حاجاتهم، كذلك هي وظيفة الحاكم في الدولة.
في المقابل، النظرية الحديثة في تفسير وجود الدولة وتحديد العلاقة بين طرفيها الرئيسين (الشعب والحكومة) لا تفترض، بداية، أي علاقة إنسانية أو حتى سياسية بين طرفيها. بل حتى أن هذه النظرية تقلب الصلة بين طرفي العلاقة السياسية داخل الدولة رأسا على عقب، بدلا من أن يكون الحاكم هو الأصل في النظرية التقليدية الأبوية، يكون الشعب هو صاحب السيادة.
فالنظرية الحديثة ترى أن الدولة هي عقد اجتماعي بين الجماعة السياسية نفسها (الشعب). و(السلطة السياسية) هي نتيجة لتوقيع هذا العقد. والسلطة السياسية وجدت من أجل ممارسة الحكم نيابة عن صاحب السيادة. ومن هنا جاءت فكرة الممارسة الديمقراطية غير المباشرة أو النيابية لاستحالة ممارسة الشعب للحكم بصورة مباشرة في المجتمعات الحديثة، كما كان الأمر في المجتمعات القديمة القليلة العدد والبسيطة التركيب.
فالسلطة إذن ليست أبا، في المجتمعات الحديثة، ولا ينبغي لها. وليس المجتمع السياسي، أسرة كبيرة متجانسة. صحيح أنه من أهم وظائف الحكومات في الدول المعاصرة ما يطلق عليه الوظيفة الاجتماعية، إلا أن ذلك لا يعني اتكالا مباشرا من قبل المواطن انتظارا لإشباع الحكومة لحاجاته، وإلا لن يكون هناك إنتاج أو تقدم ولتعطلت ملكات الإبداع والعطاء عند الإنسان لتطوير أوضاعه المعيشية والعملية، ومن ثم المساهمة في زيادة وتراكم ثروة مجتمعه، بل ربما قاد ذلك إلى زوال الدولة وانحلالها.
من المؤكد إذن، أن للدولة وظيفة اجتماعية تجاه مواطنيها، خاصة تلك الفئات من الشعب التي تواجه مصاعب حياتية نتيجة لأوضاع اقتصادية واجتماعية خاصة بها، أو بسبب ظروف وواقع الأوضاع السياسية والاجتماعية السائدة. لكن على الدولة، أيضا مسؤولية اقتصادية تتمحور حول العمل على تراكم ثروة المجتمع وتحقيق نمو مطرد ومتوازن تسهم قيمته المضافة في تعظيم عائد الاستثمار الجدي والواعي لموارد المجتمع الطبيعية والبشرية. لذا فإن رشد وكفاءة وفاعلية أي نظام سياسي تقدر بمستوى تقدم فاعلية وكفاءة مؤسساته السياسية في الأخذ بمنطق الرفاه الاجتماعي ليتجاوز تواضع الاكتفاء بتحقيق مضمون الوظيفة الاجتماعية لينطلق نحو آفاق أرحب لتصبح البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية جاذبة لرأس المال المحلي والأجنبي وللتكنلوجيا وللعقول المبدعة والخلاقة، من أجل تحقيق تنمية مستدامة.
لقد أثبتت تجارب المجتمعات المتقدمة أنه لا يمكن تحقيق تنمية مستدامة دون الأخذ بمبدأ الحرية الاقتصادية، وانخفاض تدخل الدولة في العملية الاقتصادية لأدنى مستوى ممكن. . كما أنه، في المقابل أيضا ثبت من تجارب الدول المتقدمة، أنه لا يمكن تحقيق استقرار سياسي ووفاق اجتماعي دون اهتمام الدولة بوظيفتها الاجتماعية. من هنا نشأ ما عرف في العديد من المجتمعات المتقدمة ما أطلق عليه أحزاب الطريق الثالث، فمالت الأحزاب المحافظة يسارا، بعض الشيء، بينما جنحت الأحزاب الاشتراكية يمينا، بعض الشيء. الزعيم الصيني العظيم الذي تعزى له الطفرة الاقتصادية والاجتماعية الحالية في الصين، قال: لا يهم أن يكون القط أسود أو أبيض، إنما العبرة في القدرة على اصطياد الفئران.
المهم هنا ليست حركة الوسيلة، بل بلوغ الغاية. كلما اقترب النظام السياسي، في مجتمع من المجتمعات، من تحقيق التوازن بين وظيفته الاجتماعية وقدرته على حل، أول على الأقل، تحييد المشكلة الاقتصادية، توارت أهمية النهج الذي يأخذ به لتحقيق مستويات متقدمة من الرفاه الاجتماعي وفاعلية أكبر في التعامل مع المشكلة الاقتصادية ذات العلاقة بمحدودية الموارد وازدياد الحاجات المراد إشباعها. نقطة التوازن هذه، هي المعيار الأساس للحكم على كفاءة وفاعلية أي نظام سياسي، وبالتبعية خططه ومشاريعه في تحقيقي تنمية مستدامة، تقود إلى رفاه اجتماعي واستقرار سياسي.