لم ألتق بمعالي الدكتور خالد نحاس، الأمين السابق لأمانة العاصمة المقدسة، إلا مرة واحدة في مناسبة اجتماعية مختصرة. ولم يحصل بيني وبينه أي اتصال هاتفي للتفاهم حول مسألة صحفية أو حول خطاب شفاعة أرسلته له لمساعدة مواطن أو صديق على إنهاء معاملة تخصه في أمانة العاصمة المقدسة، ولم أزر الأمانة في عهده لعدم وجود ما يُبرر الزيارة مثل متابعة معاملة تخصني، لأنه صادف عدم وجود ذلك خلال السنوات الأخيرة.
لذا لم أقف على مكتبه منذ أن دخل فيه حتى خرج منه. ومع ذلك كله فإن سيرته العطرة ونظافة يده وترفعه عن سفاسف الأمور وعفته جعلت من حوله ممن يرتاحون لليد النظيفة والنفس العفيفة والمقاصد الشريفة يطلقون عليه لقب «الرجل النظيف» لأنه استطاع تحقيق المعادلة الصعبة، وهو أن يعيش ويعمل وسط معترك مَوَّار دَوَّار من المصالح والأطماع والرغبات!، ثم يخرج من هذا الوسط سليماً معافى نظيفاً شريفاً طاهر اليد، لا يستطيع حتى الذين لم يعجبهم سلوكه الإداري والقيادي في الأمانة أن يشيروا إليه بسوء، وإلا أصبحوا من المغتربين ولأنفسهم من الظالمين.
لقد سمعت ممن أثق عن سجايا الدكتور النحاس ما يثلج الصدر ويسر الخاطر، وكنت كلما وصلني عنه وعن سلوكه النظيف، موقف من المواقف التي كان يتخذها بقوة، ازداد إعجاباً به وتقديراً له. ولكنني كنت أمسك نفسي عن إبلاغه بذلك الإعجاب والتقدير خشية من أن تفسّر من قبل بعض من حوله بأنني أحد «اللساليس!» الذين يقدمون المديح للوصول إلى أهدافهم الملعوبة!، أما وقد أُعفي الآن من منصبه بناء على طلبه فإن هذه الكلمات إعجاب مستحق لرجل نادر قليل مثله:
«يلوموننا أنَّا قليل عديدنا
وما علموا أن الرجال قليل»
لقد كان النحاس يستغرب عندما يأتيه مراجع يطلب منه زيادة دور في عمارته ويسأل المختصين إذا كان يستحق فلماذا لا تعطونه؟ وإذا كان النظام لا يسمح فلماذا لا تُفهمونه؟
وعرض عليه المختصون ذات يوم منح أدوار إضافية لسكان في موقع لا يسمح النظام فيه إلا بأدوار محددة، بحجة مساواة المطالبين بجيرانهم الذين حصلوا على تلك التجاوزات من قبل، فسأل من عرض عليه الأمر: هل أخذ أولئك السكان حقهم من الأدوار أم لا، فكان الجواب أنهم أخذوه، فأمر بعدم الاستجابة لطلبهم فراجعوه بقولهم: ولكن جيرانهم.. فقاطعم قائلاً من أعطى جيرانهم أدواراً مخالفة يتحمل المسؤولية أمام الله، ثم النظام! وجاء إلى الأمانة فوجد منحاً محجوزة بالآلاف وطلبات منح لذوي الدخل المحدود بعشرات الآلاف، وفهم أن عدم توزيع تلك المنح يعود إلى خشية القسم المختص أن تأتيهم أوامر منح لناس مهمين فلا يجدون ما يقدمونه لهم فساءه ذلك التصرف وأمر بتوزيع المنح المتوفرة حسب الأقدمية، وإذا جاءت طلبات الناس المهمين يخلق الله ما لا تعلمون!!
و.. تحية للرجل النظيف.