سلام الله عليكم يا قراء هذه الجريدة العتيدة، اشتقت لكم وتمنيت لو كان ثمة اختراع يمكنني من مصافحتكم واحدا واحدا، وبما أن المثل الشعبي يقول: (من طول الغيبات جاب الغنائم) فإن الغنيمة التي جلبتها من بلاد الفرنجة هي اكتشافي بأن أفضل مكافأة يمكن أن يقدمها الإنسان لنفسه هي أن يمر يوم لا يسمع فيه نشرات الأخبار، وإذا كان الناس الطبيعيون يقضون الإجازات في الخارج هربا من الحر والغبار فإنني أعترف بأنني كنت مصرا على هذه الإجازة الطويلة فقط كي أهرب من أخبار القتل وفيديوهات النحر وخطابات الكراهية.
لقد شعرت بحاجة ماسة للتصالح مع إنسانيتي التي تعرضت لتشويه مبرمج طوال السنوات الماضية لدرجة أنني أصبحت أتفرج على صور المجازر بذات البلادة التي أتفرج فيها على إعلانات مساحيق الغسيل!، لذا قررت الهروب المؤقت إلى الديار التي يمكن أن تفجع بسبب مقتل كلب ضال ويشعر الناس فيها بحزن عميق لو نفقت الأسماك في أطراف البحيرة.
لم يصل الأوروبيون إلى هذه النتيجة بسهولة فقد جربوا القتل بأنواعه وتنافسوا في صناعة الأسلحة التي تبيد البشر بالجملة ودخلوا في حربين عالميتين راح ضحية لهما عشرات الملايين من البشر واستعمروا البلدان التي هي أضعف منهم ومارسوا ضد شعوبها أشرس أنواع القهر وهتفوا للطغاة الذين يداعبون أحلامهم القومية ولكنهم في نهاية الأمر وجدوا أن الجوهر الحقيقي للحضارة هو إعلاء قيمة الإنسان.
كانت الفوارق الجارحة تختبئ وراء أصغر التفاصيل فالأرصفة ومداخل المباني المجهزة كي يعيش المعاق حياته مثل الأصحاء تحيلني دائما إلى الديار التي قدمت منها حيث أصبحت أطراف الصراع تتبارى في تحويل الأصحاء إلى معاقين، حتى الوقوف في طابور طويل أمام بائع الآيسكريم كان يذكرني بأن احترام حقوق الغير هو الضمانة الوحيدة لاحترام حقك فالتزاحم في حلقات عشوائية أمام البائع في ديارنا هو مجرد صورة مجهرية لسعار نهب الأراضي ونهش الأموال العامة واختطاف الفرص الوظيفية.
كنت أشعر بالاستغراب من هذه الأمم التي تتسابق في توليد الكهرباء من الرياح ومن قشور الليمون وروث البهائم بينما هي تملك إمكانية توليدها من المفاعلات النووية فيما تتسابق مدننا في عمليات القطع المبرمج للكهرباء في عز الصيف ولا يجد القائمون على مؤسسات الطاقة فيها حلولا أفضل من مطالبة المواطنين بتخفيف الاستهلاك.
وأمام إحدى حدائق الحيوان قال لي بائع التذاكر بأنني لو اشتريت خارطة الحديقة فإن ثمنها سوف يذهب لأنشطة حماية الفيلة من الانقراض فوافقت واشتريت الخارطة وهنا احتج ابني الذي لم يبلغ التاسعة من العمر مؤكدا لي أن هذا العمل الخيري غير محسوب الأجر فلم التفت لاعتراضات هذا المحتسب الصغير ولكن البائع سألني مبتسما: ماذا يقول؟، فأجبت: أنه يسأل عن برامج لحماية الإنسان من الانقراض!، فقال: وما الذي يمكن أن يتسبب في انقراض الإنسان؟، فأجبت: بيع الخرائط!.