صناعة الفتوى

مواصلته للحديث عن «صناعة الفتوى»، يوضح العلامة الشيخ الدكتور عبدالله بن بيه رئيس المركز العالمي للترشيد والتجديد أن للمفتي آدابا يجب أن يتحلى بها ولا يجب أن ينصب نفسه للفتيا حتى يجمع بين خمس خصال؛ الأولى: أن تكون له نية فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور، الثانية: أن يكون له حلم ووقار وسكينة، الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته، الرابعة: الكفاية «أي من العيش» وإلا مضغه الناس، والخامسة: معرفة الناس.

حكم الفتوى
أما حكم الفتوى، فيبين الشيخ ابن بيه أن حكمها «كفائي»، أي فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط عن البعض الآخر شأن فروض الكفاية، ولكنها تجب عينا إذا كان الفقيه مؤهلا ولم يوجد مفت غيره. قال السيوطي في كتاب «آداب الفتيا»: باب وجوب الفتيا على من يتأهل لذلك وتحريم أخذ العوض عنه أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة وإنه لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت «إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم».

صناعة الفتوى
وفي حديثه عن «صناعة الفتوى»، فيؤكد الدكتور ابن بيه أنها تطورت في العهود المتتالية، وهذا التطور المتدرج كان في خطوط متعرجة لم يقتصر على الدليل والواقع، وإنما شمل أيضا القائم على الفتوى الذي لم يعد المجتهد المطلق على ما سنصف بل يصبح طبقا لقانون الضرورة والحاجة الفقيه المقلد الناقل، ويصبح اختيار المقلدين بمنزلة اجتهاد المجتهدين فيما سماه المالكية «بإجراء العمل»، لترفع القول الضعيف إلى مرتبة القوي، والرأي السقيم إلى درجة الاجتهاد الصحيح، بناء على مصلحة متوخاة أو مفسدة متحاماة.
وعن اختياره لمصطلح «صناعة الفتوى» يوضح الدكتور ابن بيه السبب في أن الصناعة عبارة عن تركيب وعمل يحتاج إلى دراية، فهي ليست فعلا ساذجا ولا شكلا بسيطا، بل هي من نوع القضايا المركبة التي تقترن بمقدمات كبرى وصغرى للوصول إلى نتيجة هي الفتوى، لذلك فالفتوى منتج صناعي ناتج عن عناصر عدة منها الدليل ومنها الواقع والعلاقة بين الدليل بأطيافه المختلفة التي تدور حول النص وبين الواقع بتعقيداته، قال السبكي في الإبهاج: وقد يطلق العلم باصطلاح ثالث على الصناعة كما تقول: علم النحو أي صناعته، فيندرج فيه الظن واليقين، وكل ما يتعلق بنظر في المعقولات لتحصيل مطلوب يسمى علما ويسمى صناعة. وعلى هذا الاصطلاح لا يرد سؤال الظن لكنهم كلهم أوردوه فكأنهم لم يريدوا هذا الاصطلاح، أو أرادوه ولحظوا معه معنى العلم في الأصل، ويطلق النحاة العلم أيضا على المعرفة. وقال ابن رشد الحفيد في كتابه الضروري في علم الأصول وهو يتحدث عن صناعة الفقه وأصوله في مقدمته: وإما معرفة تعطي القوانين والأحوال التي بها يتسدد الذهن الصواب في هاتين المعرفتين كالعلم بالدلائل وأقسامها وبأي أحوال تكون دلائل وبأيها لا وفي أي المواضع تستعمل النقلة من الشاهد إلى الغائب وفي أيها لا. وهذه فلنسمها سبارا وقانونا فإن نسبتها إلى الذهن كنسبة البركار والمسطرة إلى الحس في ما لا يؤمن أن يغلط فيه. وبين أنه كلما كانت العلوم أكثر تشعبا والناظرون فيها مضطرون في الوقوف عليها إلى أمور لم يضطر إليها من تقدمهم كانت الحاجة فيها إلى قوانين تحوط أذهانهم عند النظر فيها أكثر. وبين أن الصناعة الموسومة بصناعة الفقه في هذا الزمان وفي ما سلف من لدن وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق أصحابه على البلاد واختلاف النقل عنه صلى الله عليه وسلم بهاتين الحالتين ولذلك لم يحتج الصحابة رضي الله عنهم إلى هذه الصناعة كما لم يحتج الأعراب إلى قوانين تحوطهم في كلامهم ولا في أوزانهم.
ويضيف الدكتور ابن بيه حول «صناعة الفتوى»: «بهذا الذي قلناه ينفهم غرض هذه الصناعة ويسقط الاعتراض عليها بأن لم يكن أهل الصدر المتقدم ناظرين فيها، وإن كنا لا ننكر أنهم كانوا يستعملون قوتها وأنت تتبين ذلك في فتواهم رضي الله عنهم بل كثير من المعاني الكلية الموضوعة في هذه الصناعة، إنما صححت بالاستقراء من فتاواهم في مسألة مسألة. قال الشاطبي في الاعتصام: وأما تقديم الأحداث على غيرهم، من قبيل ما تقدم في كثرة الجهال وقلة العلم، كان ذلك التقديم في رتب العلم أو غيره، لأن الحدث أبدا أو في غالب الأمر غر لم يتحنك، ولم يرتض في صناعته رياضة تبلغه مبالغ العلماء الراسخين الأقدام في تلك الصناعة، ولذا قالوا في المثل: وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس. قال أبو الأصبغ عيسى بن سهل: كثيرا ما سمعت شيخنا أبا عبدالله بن عتاب رضي الله عنه يقول: الفتيا صنعة وقد قاله أبو صالح أيوب بن سليمان بن صالح رحمه الله قال: الفتيا دربة وحضور الشورى في مجالس الحكام منفعة وتجربة. وقد ابتليت بالفتيا فما دريت ما أقول في أول مجلس شاورني فيه سلمان بن أسود وأنا أحفظ المدونة والمستخرجة الحفظ المتقن.. والتجربة أصل في كل فن ومعنى مفتقر إليه. وتكلم ابن خلدون عن الصناعة باعتبارها ملكة راسخة في النفس. وابن العربي في المحصول والغزالي في المستصفى وغيرهم من كبار العلماء. ووجه كون الفتوى صناعة أن المفتي عندما ترد إليه نازلة يقلب النظر أولا في الواقع وهو حقيقة الأمر المستفتى فيه إن كان عقدا من العقود المستجدة كيف نشأ وما هي عناصره المكونة له كعقود التأمين والإيجار المنتهي بالتمليك مثلا والديون المترتبة في الذمة في حالة التضخم فبعد تشخيص العقد وما يتضمنه. عندئذ يبحث عن الحكم الشرعي الذي ينطبق على العقد إن كان بسيطا وعلى أجزائه إن كان مركبا مستعرضا الأدلة على الترتيب من نصوص وظواهر إن وجدت وإلا فاجتهاد بالرأي من قياس بشروطه واستصلاح واستحسان إنها عملية مركبة وصنعة».