من ضمن ما يُؤخذ على (الشعر الحديث) وخاصة المنثور منه (استحالة حفظه) رغم أن لحفظ الشعر بالذات أهمية كبرى في صقل ذوق الأديب، وتعميق ثقافته، وإثراء لغته، وشحذ ذهنه، وتوسيع تصوراته، ومداركه!!
وبما أن حفظ النثر من الصعوبة بمكان.. وبما أن الشعر العربي كان أرقى صياغة عربية.. فمن ثم ساعدت أوزانه، وقوافيه، وفخامة مفرداته على حفظه وروايته!!
وقد قيل «العلم في الصدور.. لا في القمطر»!!
و«القمطر» هو الكتاب، أو هو ما يُقام مقام (الشنطة) التي تحفظ فيها الكتب عند الطلاب!!
وكان لا يمكن للشاعر أن يكون شاعراً بحق إلا بعد حفظه، وروايته لآلاف القصائد!!
* * *
وهناك حكاية مشهورة، نسيتُ نصها، ولكن معناها أن أبانواس -في مطلع شبابه- قد ذهب يعرض شعره على أحد كبار الأساتذة.. فلما تصفحه قال الأستاذ الكبير لأبي نواس:
«اذهب واحفظ ألف بيت من الشعر.. ثم انسهم.. ثم قل الشعر»!!
وقد اشتهر العلماء، والفقهاء، ورجال الأدب القدامى بكثرة محفوظاتهم ووفرة مروياتهم.. حتى أطلق لقب (الحافظ) على الكبار من أولئك العلماء، والفقهاء، ورجال الأدب، وإن كان حفظ هؤلاء بالذات ينسحب على النثر أيضاً!!
بل قد اشتهر -في الماضي- عدم قدرة الأعرابي القحّ على حفظ شيء من النثر، ولكنه سرعان ما يحفظ الشعر!!
* * *
وهناك رواية لطيفة بهذا المعنى أوردها هنا للعبرة من جهة.. وللتفكّه من جهة أخرى وهي كما يلي:
«أسلم أعرابي في أيام الخليفة (عمر بن الخطاب) فجعل عمر يُعلّمه الصلاة.. فيقول:
صلّ الظهر أربعاً، والعصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، والعشاء أربعاً، والصبح ركعتين!!
فلم يستطع الأعرابي حفظ ذلك، فجعل يخلط في الأعداد فضجر (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه وقال في نفسه: إن الأعراب أحفظ شيء للشعر!!
ثم قال للأعرابي:
إن الصلاة أربع وأربع
ثم ثلاث بعدهن أربع
ثم صلاة الفجر ركعتين.. لا تضيّع!!
وسأله عمر: أحفظت.. قال الأعرابي: نعم!!
وما فعله عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فعله -بعد ذلك- الكثير من العلماء والفقهاء والنحاة مع تلاميذهم حيث لاحظوا أن تلاميذهم لا يستطيعون حفظ النثر، فاضطروا إلى نظم أمهات المتون لتسهيل حفظ طلابهم، وذلك مثل «ألفية ابن مالك» في النحو... أو (الرحبية) في الفرائض.. أو غير ذلك كثير!!
وهكذا نشأ في الشعر ما سُمّي بعد ذلك بالنظم التعليمي.. فتيسّرت متون الدراسة، وسهل حفظها.. ومن ثم سهل العلم بها كما هو معروف!!

ص.ب 35555 جدة 21498 فاكس 6208571