أرجوكم المعذرة إذا كنتم قد لاحظتم أنني أقحم نفسي في كثير من المواضيع التي أطرحها، وحجتي في ذلك أنها هي الكائن الوحيد في هذه الدنيا الفانية التي (أمون) عليها ــ بمعنى أنها هي الوحيدة التي أستطيع أن أعدد ذنوبها وأن وأقرعها وأهاجمها علنا وأنا مرتاح الضمير ــ بل قد يصل الأمر بيني وبينها أحيانا إلى التشابك بالأيادي، ولكن سرعان ما أتراجع، خصوصا إذا كنت معها على انفراد في غرفة مغلقة، ولو أن أحدهم سمع ذلك التلاسن والتعارك، بيني وبين نفسي وحاول مشكورا أن يفض ذلك النزاع، فكيف له أن يفرق بيننا، وكيف له أن يعرف من هو الضارب من المضروب في هذه المعركة الحامية الوطيس؟!.
فعلا إنها مسألة شائكة، وتدل بشكل أو بآخر على أن هناك نوعا من التخلف العقلي، أو بمعنى أخف على أن هناك نوعا مؤكدا من (السذاجة) المفرطة التي قد تصل أحيانا إلى ما يسمى بالعربي الفصيح: (الغباوة).
هذا هو ديدني مع نفسي غير النموذجية على الإطلاق، والتي ارتضيتها وارتضتني هي لا عن اقتناع ولكن عن إرغام، وأصبح بيننا ما يشبه (الزواج الكاثوليكي).
ومع ذلك الواقع المؤلم فإنني أشك أن يوجد على ظهر هذه البسيطة إنسان متفائل أكثر مني، وهذا ليس مدحا بذاتي، ولكنه دلالة على أنني إنسان (أطفو على السطح)، فلا أنا طائر يحلق بجناحين، ولا كائن يسير على قدمين، ولا أدري بماذا توحمت والدتي رحمها الله.
وبالأمس دخلت في جدل مع رجل يائس بسبب مرض ابنته الصغيرة المصابة بداء (السكري)، وكلما قلت له: تفاءل بالخير، قال لي: وأي خير؟!، وكلما قلت له صادقا: هذا ما كتبه الله علينا، رد علي غاضبا وهو يقول: ونعم بالله ولكن، وكلما حاولت أن أطبطب على ظهره مخففا، نفض بيدي بعيدا وكأن عقربا قد قرصته من ظهره، وخرج من عندي ولا زالت يدي معلقة بالهواء.
والآن تذكرت الدكتور (بانتنج) مكتشف (الأنسولين) عندما كان صبيا وهام غراما (بجاني) وكان يلعب معها وعاشا قصة حالمة، غير أن المسكينة ماتت فجأة بداء السكري.
بكى طبعا ولطم، ولكنه بدلاً من أن ييأس ويتقوقع على حاله، صمم من شدة حبه (لجاني) أن يدرس الطب، ليعرف كنه هذا الداء اللعين الذي أودى بحياة حبيبته.
وبعد سنوات فجر باكتشافه (الأنسولين) الذي أنقذ بسببه ملايين الأرواح، والذي لازالت البشرية تنعم باكتشافه..
وهكذا هو يفعل الحب، وهكذا هو يفعل التفاؤل.