شعرت بعدم ارتياح عندما بدأت بكتابة هذا المقال؛ لأنني كنت أود أن أكتب عن السياسة، أو الفنون، أو المجتمع، ولكن هذا المقال المتواضع هو عن «الصيني» كما في الصحون، والفناجين. وبدأ المقال عندما تناولت فنجان «شاهي» راقيا جدا في وعاء صيني. وأجد في هذه العادة مجموعات من الأسرار والعجائب، ومنها التالي: أولا، شعرت بسلبية استخدام اسم «الشاي»؛ لأنه لفظ كلمة عبرية ترمز إلى اسم سلاح الاستخبارات الإسرائيلية. وبصراحة أي شيء له علاقة بالكيان الصهيوني يؤثر سلبا على الشهية، فما بالك بسلاح الاستخبارات العسكرية الذي يتصف بالأعمال المخزية على البشرية بأكملها. وهي بعيدة كل البعد عن الإنسانية، وخصوصا فيما يتعلق بقتل الأبرياء من العرب والمسلمين. وثانيا أجد أن شرب «الشاهي» يجبرك على التأني والاستمتاع بمعظم حواسك: من اللون الأحمر الجميل، إلى الشعور بالهدوء، والملمس على الشفاه، ودرجة الحرارة التي تجبرك على التأني، ثم الرائحة الرائعة، وأخيرا وليس آخرا يأتينا الطعم الجميل. وفي بعض الأحيان نجد جمال الفنجان نفسه، وبالذات إذا كان من «الصيني». نشعر بجماله بدءا بخصائص ملمسه في الخارج والداخل، ومداعبة سطحه للضوء، وخفة وزنه، وألوانه الجميلة، وكلها تجعله أقرب إلى التحفة الفنية. ولكن من يريد أن يتوغل في المزيد سيكافأ بمفاجآت فكرية، وإليكم بعضا منها: لنبدأ بالجانب العلمي فنجد أن سطح الصيني أملس ومسامه لا تسمح بتعلق الأجسام الصغيرة التي تسمح «بشعبطة» الميكروبات، ما يسبب الاشمئزاز، والأمراض. ونجد أن خصائص هذه المادة العجيبة تجعلها تتميز عن غيرها في مكافحة الحرارة، ولذا فهي تستخدم في المعامل العلمية، وفي الصناعات التي تتطلب تحمل درجات حرارة عالية جدا. ومن أمثلتي الشخصية المفضلة هي استخدام أحد المكونات الجوهرية للصيني لحماية المكوك الفضائي من الحرارة العالية جدا، وبالذات عند عودته من رحلته الفضائية، ودخوله إلى الغلاف الجوي الأرضي الذي يرفع درجة حرارة بعض أجزاء من سطح المركبة إلى أكثر من 1600 درجة مئوية، وللمقارنة، فأقصى درجة حرارة الفرن في مطبخك هي أقل من ربع هذه الحرارة، وحتى حرارة «الدافور» لا تصل لها. وإذا نظرت في «الفيوزات» الكهربائية التي تحمي الدوائر الكهربائية فستجد مكونات الصيني. وستجدها أيضا على سطح أجمل الأسنان. ومن الطرائف العلمية أن خلال البحث عن مصادر مكونات هذه المادة العجيبة تم اكتشاف مجموعة مهمة جدا من المعادن التي لا علاقة لها بالصيني بتاتا. وتحديدا، ففي نهاية القرن الثامن عشر في بلدة «إتربي» في السويد وأثناء البحث عن التربة المحتوية على مكونات الصيني بهدف تصنيعه في أوربا، تم اكتشاف مجموعة من العناصر النادرة وسميت مجموعة «الأتربة النادرة» وتحديدا فهي تأتي بأغرب الأسماء في عالم الكيمياء ومنها: اتيربيوم، وايربيوم، واتريوم، وثوليوم، وجادولينيوم، وهولميوم.. كله «يوم» في «يوم». وتستخدم هذه المعادن في العديد من استخدامات التقنية الحديثة اليوم. وغالبا فستجد بعضا منها في جوالك. وكان التحدي أثناء اكتشاف هذه العناصر بالصدفة هو التنقيب عن مكونات الصيني وكسر احتكار الصين لذلك الكنز «الصيني» التي حافظت على أسراره لمئات السنين. كانت بعض الأشكال والألوان والتصاميم تصنع في الأفران الملكية الصينية لاستعمال البلاط الملكي فقط، ولم تكن مسموحة للاستهلاك العام للمواطنين أو للتصدير. وأخص بالذكر الألوان «الملكية» الزرقاء والبيضاء المميزة. وبعد فتح أبواب التجارة مع الدول الإسلامية، تم فتح فصول فنية جديدة في الرسم على الصيني، وذلك لأن التصدير إلى الدول الإسلامية تطلب التركيز على رسم الأشكال الهندسية المميزة بدلا من رسم البشر والحيوانات كما جرت العادات الصينية القديمة. وتشكلت مدارس فنية جديدة لتعكس الإبداع الصيني الجديد. وأعود إلى المحاولات الأوربية التي استمرت لمئات السنين لتقليد الصين في إنتاج الصيني. ولنقف هنا لحظة للتأمل في هذا الكلام: الغرب حاول تقليد الصين لمئات السنين؟ وكأن الصورة معكوسة عن الواقع الذي تعودنا عليه اليوم؛ لأن الصين هي التي تقلد الغرب في المنتجات والتقنيات. الشاهد أن كل هذا تغير بمطلع القرن السابع عشر عندما انكشفت أسرار التقنيات الصينية بالذات للصناعات الإنجليزية مثل «ويج وود» Wedgewood والصناعات الهولندية مثل «دلفت» Delft وغيرها.
أمنية
كل هذا بدأ بفنجان شاهي. صناعات سرية، وأسرار تقنية، وفنون، وسياسة، وتجسس من خلال وعاء صيني صغير. أتمنى أن يرزقنا الله بالحكمة لاستكشاف الأسرار العلمية والتاريخية المهمة في أصغر الأمور وأكبرها.
وهو من وراء القصد.
أمنية
كل هذا بدأ بفنجان شاهي. صناعات سرية، وأسرار تقنية، وفنون، وسياسة، وتجسس من خلال وعاء صيني صغير. أتمنى أن يرزقنا الله بالحكمة لاستكشاف الأسرار العلمية والتاريخية المهمة في أصغر الأمور وأكبرها.
وهو من وراء القصد.