ترددت في كتابة هذا المقال بسبب العنوان. ولكن الموضوع يستحق مقالا، لأنه من المواضيع الغريبة جدا، وسأبدأ ببعض عجائب اللون الأزرق. كان هذا اللون مهملا عبر التاريخ للعديد من الحضارات المهمة، فلم تكن هناك كلمات ترمز له في الحضارة الإغريقية أو الرومانية بالرغم من الإرث الهائل في العلوم، والرياضيات، والهندسة فيهما. ولم تظهـر كلمة «الأزرق» في الغرب إلا عند اكتشاف إسحق نيوتن لمكونات الطيف عام 1667 . والطريف أنه عندما فعل ذلك أطلق ثلاثة أسماء للون الأزرق وهما الأزرق الصافي، و «الإنديجو» وهو الأزرق النيلي، والأزرق المخلوط بالأحمر وهو البنفسجي. لاحظ أن النباتات الزرقاء نادرة جدا، والمأكولات والمشروبات الزرقاء الطبيعية أكثر ندرة. والغريب هو أن النظر إلى السماء، أو إلى البحر أو الأنهار أو البحيرات الواسعة ينقل لنا روعة اللون في أي حقبة تاريخية. يعني مئات الملايين من البشر الذين نظروا إلى الأعلى أو إلى الأفق شعروا بروعة اللون ولكنهم لم يستكشفوه كما كان الحال للون الأحمر، أو الأصفر، أو الأخضر وغيرهم. وربما كان السبب هو صعوبة الحصول عليه نسبة إلى الألوان الأخرى. كانت هناك ثلاثة مصادر أساسية للون وكل منها طبيعي وكل منها أصعب من الآخر: أولا بين جبال أفغانستان وباكستان كانت هناك معادن تنتج اللون الأزرق المبهـر. سموها « لابيس لازولي» على وزن «تميس و فضولي». وهذا الحجر القاسي جدا كان أحد مصادر اللون الأزرق في العالم فكان يطحن بصعوبة نظرا لصلادته. وكان نادرا وصعب النقل من مصادره الجبلية. ولذا فكان يطلق عليه اسم ما بعد البحار « Ultramarine ». وأما المصدر الثاني فكان بحريا وكان يستخرج من غدد أنواع معينة من القواقع البحرية في البحر الأحمر المتوسط اسمها «موريكس» وكانت نادرة وإنتاجيتها قليلة جدا. وأما المصدر الثالث فكان من نبات «النيلة» الذي أطلق عليه الاسم نسبة إلى نهـر النيل، وأطلق عليه أيضا اسم «انديجو» ومعناها «من الهند» . ومصدره نبات من فصيلة البقوليات وهو من أبناء عم الفول. وكان يتم تخمير أوراق أليافه ونقعها في الماء وتجميع مادة كثيفة لونها أخضر، ثم كانت تنقع في البول أعزكم الله، وتخلط بالرماد ليتحول لونها وتطلق الصباغ الأزرق الجميل. وكان النبات من المسببات للعناء لملايين البشر فمثـل العديد من المحاصيل الأخرى المربحة للاستعمار عمدت الدول المستعمرة إلى غصب بعض الدول مثـل الهند ومصر الشقيقة إلى زراعة ذلك المحصول لاستخدامه وتصديره إلى أوروبا بدلا من التركيز على المنتجات المفيدة للمزارعين المغلوب على أمرهم. ووصلت درجة الظلـم إلى فرض قوة السلاح والضرائب على الفلاحين الفقراء لدرجة أن هناك واقعة تاريخية مهمة وقعت في الهند في إقليم «بهار» وملخصها أن الفلاحين الهنود اعترضوا بشدة وقاموا بالعصيان المدني السلمي بقيادة «غاندي» . وفي مطلع القرن التاسع عشر ابتكر عالم الكيمياء الإنجليزي «بيركينز» آلية لاستخراج الألوان صناعيا بدون اللجوء إلى النباتات، ولا الرماد ولا قرف البول أعزكم الله. ومن الطرائف أن شركات الكيماويات الألمانية تفوقت في مجال صناعة الصباغة، وكانت شركة بايـر من أوائل الشركات التي صنعت الصبغة الزرقاء قبل أن تنجز اختراع الأسبيرين في نهاية القرن التاسع عشر. وكانت إحدى أهم الاستخدامات هي في تلوين الأقمشة وإحدى أهم المفاجآت في هذا المجال هي بنطلونات «الجينز» الزرقاء التي غزت عالم الأزياء للرجال والنساء خلال المائة عام الأخيرة..
وبقي أن أذكر أن عالم الألوان يدخل في علم النفس وعلم طبائع البشر. وكان اللون الأزرق دائما مقرونا بعمق التفكير ضمن عجائب السماء والبحر. وهناك مدارس فنية اقترنت باللون الأزرق كانت مشهورة بالحزن العميق ومن أشهرها «الفترة الزرقاء» للفنان الأسباني بابلو بيكاسو في مطلع القرن العشرين. ولكن كل هذا في وادٍ، وحزن النيلة في وادٍ آخر. جرت العادة أن تكون النيلة مظهرا من مظاهر الحزن لدى السيدات خلال الجنازات في مصر الشقيقة وفي الهند. وتحديدا، فكانت تستخدم لإخفاء البكاء الشديد، واقترنت النيلة بالمصائب الشديدة، ولذا فالمصطلح غالبا أن يقرن بالمصائب.
أمـنـيــــة
لابد من التذكير هنا أن إحدى سمات تفوق الحضارة الإسلامية انعكست في الفنون والعمران. وكان اللون الأزرق من عناصر الإبداع والتفوق ففي العديد من المساجد الإسلامية، والأعمال الفنية في الدول الإسلامية من تركيا إلى سمرقند كان اللون يستخدم بحرية وبراعة ولم يكن الغرب لديه حتى الاسم الصحيح للون. أتمنى أن نتذكر هذا التفوق التاريخي من أجل حاضر ومستقبل حضارتنا.
واللـه من وراء القصد.