كما لا يستطيع من ينضم قصيدة موزونة أن يخرج عن بحور الشعر، وكما لا يستطيع من يجري أية عملية حسابية أن يخرج عن قواعد الرياضيات المعروفة، وكما لا يستطيع قائد السيارة أن يسير على دواليب مربعة الشكل!، وكما لا يستطيع أكثر لاعبي السيرك براعة أن يسير على رموش عينيه!، فكذلك كل من أراد أن (يغني) بالشعر، أو (يتغنى) بالقرآن لا يستطيع أن يخرج عن المقامات الموسيقية شاء أم أبى، رضي أم كره.
كل قارئ حسن الصوت يتغنى بقراءته للقرآن لا بد أن يكون (لحنه) راجعاً لمقام من هذه المقامات السبعة المعروفة: الصبا، والنهاوند، والعجم، والبيات، والسيكا، والحجاز، والرست، وإن أنكر غاية الإنكار، وأرعد وأزبد، وقال: حرام، حرام!
أسمعوني أي قارئ للقرآن، لأخبركم على أي مقام يقرأ، فالشيخ السديس والشيخ الشريم والشيخ الثبيتي والشيخ الحذيفي والشيخ عبد الله بصفر قراءتهم التي عرفوا بها هي على مقام الرست وإن كان الشيخ عبد الله بصفر ينتقل من مقام الرست إلى مقام الحجاز حين ينفعل بالقراءة ثم يعود من الحجاز إلى الرست كما كان أو إلى البيات أحياناً، أما أحمد العجمي والشيخ الشاطري فيقرآن على مقام الكرد وهو متفرع عن النهاوند وإن كان لكل منهما طريقته التي يتميز بها، والنهاوند هو المقام الذي عرفت به قراءة الشيخ الحصري رحمه الله، والتي قلدها ـ وزاد عليها في الحسن ـ توفيق الصايغ، أما الشيخ الكويتي مشاري العفاسي فهو روضة مونقة فيها من كل شكل ولون، وهبه الله مزماراً من مزامير آل داوود، فهو يقرأ بكل المقامات بطريقة تفرد بها، ينتقل من مقام إلى آخر انتقال فنان محترف، ولا أشك للحظة أنه درس الموسيقى؛ وسقا الله أيام الشيخ الأخضر والشيخ محمد أيوب عندما كانا يصليان معاً في الحرم النبوي في أعوام خلت، أما الشيخ الأخضر فلقراءته بمقام الرست خصوصية لا تجدها عند غيره ولو حرصت، وهو يتنقل من طبقة إلى طبقة فيأسرك بأدائه أسراً، أما الشيخ محمد أيوب فقد اشتهر بمقام البيات أول ما اشتهر، ثم هاهوذا يتحفنا بمقام الحسيني المتفرع عن البيات في مصحفه المرتل المشهور الذي نال شهرة فائقة، ويقرأ الشيخ محمد أيوب أحياناً بالبنجكة، وكثيراً بالرست، وله تسجيلات بمقام الحجاز بطريقته الحزينة المؤثرة والمميزة، وليت بعض التسجيلات تقوم بجمع تراث الشيخ في ألبوم واحد، دون اشتراط أن يكون ما تجمعه ختمة كاملة، فإنها بذلك تحسن إلى كثير من محبي هذا الشيخ الجليل وما أكثرهم.
نكهة خاصة لكل بلد
ولكل أهل منطقة أسلوب في القراءة وإن اتحدت المقامات، فتجد أن ابن الحجاز يقرأ على مقام الرست بأداء غير أداء ابن الشام، أو ابن مصر، فلكل أهل بلد طريقتهم أو فلنقل (نكهتهم) الخاصة في قراءة المقام يتميزون بها عن قراءة غيرهم، استمع إلى قراءة الشيخ زكي داغستاني حين يقرأ بمقام الرست وقارنها بقارئ من قراء مصر مثلاً يقرأ على نفس المقام لتدرك الفرق، وإني لأهيب بقناة الفجر الفضائية أن تتنبه إلى هذه النقطة، وأن تفرد لها برنامجاً فهي جديرة بالاهتمام، وفيها متعة، وفيها فائدة، وفيها تعريف للناس بهذا الفن الجميل، فن قراءة القرآن الكريم بالمقامات.
الأداء الجميل والصوت الحسن
ليس هناك أذن لا تحب الأداء الجميل، وليس هناك قلب لا يهتز طرباً للصوت الحسن، ومن أنكر على الناس ميلهم لهذا فهو إنما ينكر عليهم إنسانيتهم! وما أكثر ما نسمع هذا الإنكار الذي أرى أنه لا مبرر له ولا مستند شرعياً في وقتٍ الناس أحوج ما يكونون فيه إلى أن نحثهم ونشجعهم على سماع القرآن لينشغلوا به عن غيره من ملهيات تفسد على الناس دينهم وأخلاقهم. والأحاديث الواردة في استحباب (التغني) بالقرآن؛ معلومة معروفة، ومشهورة مستفيضة، غير أن أشهرها وأولاها بالذكر هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم والذي أورده البخاري في صحيحه: ( من لم يتغن بالقرآن فليس منا)، وقد نقل الإمام ابن حجر العسقلاني في الفتح أقوال السلف في شرح معنى (التغني)، فمنهم من فسّره بالاستغناء، أي أن القرآن يغني عن سواه من أخبار الأمم السابقة والإسرائيليات وما يتعلق بهداية البشر.وهناك أحاديث أخرى ترجح معاني أخر غير المعاني السابقة، فمن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن)، فالأذن هنا (بفتحتين على الهمزة والذال بعدها) هو الاستماع، أي : ما استمع إلى شيء استماعه لنبي يتغنى بالقرآن، ومن هنا نحمل معنى التغني، على معاني مختلفة، فماذا قال العلماء في هذا؟ من السلف من فسّر التغني هنا بالجهر بالصوت، ومنهم من حمله على التحزن أي القراءة بطريقة فيها تحزين وتأثير، ومنهم من حمله على تحسين الصوت به، وهناك قول حكاه ابن الأنباري ـ
فيما نقله عنه ابن حجر في الفتح ـ: أن التغني معناه التلذذ به. غير أن تفسير يتغنى بتحسين الصوت، تعضده الرواية الأخرى التي رواها مسلم للحديث السابق وفيها: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)، فجملة (حسن الصوت) دالة دلالة مباشرة على أن المقصود بالتغني هو تحسين الصوت بالقرآن، ويزيد هذا المعنى توكيداً رواية أخرى أخرجها عبد الرزاق بلفظ (حسن الترنم)، قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: «والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسّنه القارئ وطرّب به» وهذه الدلائل كلها تشير إلى أهمية تحسين الصوت بالقرآن وأنه أمر مقصود، تدعو إليه الفطرة الإنسانية، ويحث عليه صاحب الشريعة. وقد أعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشأن، وأقام هذا البرهان حين قال لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)، ومعروف ما هو المزمار، ومعروف كيف هو صوته وإمكاناته، فلا يمكن أن يطلق المزمار على صوت اعتيادي ليس فيه ترنم ولا ترجيع، ولا صعود ونزول في السلم الموسيقي.
استحباب تحسين الصوت
ولقد أفرد مسلم في صحيحه باباً فقال : باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن، وكذلك فعل الإمام البيهقي في السنن الكبرى، وهناك فرق ولا شك بين (حسن الصوت) و(تحسين الصوت)! إن حسن الصوت أمر هو من صفات الصوت الملازمة له، ولكن تحسين الصوت هو بذل الجهد ليكون الصوت أحسن فأحسن، وحينئذ فلا بأس من استخدام ما يتوسل به القارئ لبلوغ هذا الهدف، وهنا أرى أنه لا بأس من تعلم قانون من قوانين النغم، يتناسب مع صوت القارئ وقدراته ليقرأ به القرآن قراءة جميلة حسنة، فيحقق هذا المقصد الشرعي المندوب إليه مما هو مبين في الأحاديث.
إن المؤذن وقارئ القرآن مبلغان عن الله تعالى دعوته، وإن تحسين الصوت بهما هو جزء من هذا التبليغ الذي يجذب الناس إلى سماع كلمة الله، وحري بالمؤذن والقارئ أن يبذلا الجهد في تحسين طريقة تبليغهما، من أجل هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن زيد في حديث الأذان: (ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتاً)، ومن أجل هذا كان عمر رضي الله تعالى عنه يقدم الشاب الحسن الصوت يؤم القوم.
القراءة بالالحان
وهناك خلاف بين السلف في مسألة (القراءة بالألحان)، لكن أرى أن النهي إنما هو متعلق باللحن الذي يفسد الأداء بالتمطيط المخل الذي يجعل الحركة مدًّا، فتصبح الضمة واواً، والفتحة ألفاً، والكسرة ياء، أو الذي يكسر قواعد القراءة بغن ما لا يستحق الغن ومد ما ليس فيه مد، والخروج عن قواعد القراءة مذموم في حق القارئ ترنم بالقراءة أم لم يترنم، أما تحسين الصوت بالألحان فلا بأس به، بل هو ممدوح عقلاً وشرعاً لما يترتب عليه من مقاصد حسنة، وأهداف نبيلة من تحبيب الناس إلى سماع القرآن، والحرص على ذلك. من أجل هذا قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: «ومن جملة تحسينه أن يراعى فيه قوانين النغم فإن الحسن الصوت يزداد حسنا بذلك، وإن خرج عنها أثر ذلك في حسنه، وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام؛ لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعى الأداء فإن وجد من يراعيهما معاً فلا شك في أنه أرجح من غيره .
Al_ablaj@hotmail.com